لن ننسى أن الحرية اتخذت لها بيتًا في هذا المكان. *الرئيس الأمريكي جروفر كليفلاند

هذا كان تعليق رئيس أمريكا «جروفر كليفلاند»، أثناء الاحتفال بقدوم تمثال الحرية إلى نيويورك، التمثال الذي يرمز إلى امرأةٍ قويَّة تحرَّرَت من قيود الاستبداد تحملُ في يدها شُعلة، وفي اليدِ الثانية كتابًا يوجد عليه تاريخ استقلال أمريكا، هذا ما نعرفه عن تمثال الحرية، معلومات قليلة ونادرة. لكن هل سألت نفسَكَ يومًا ما قصة هذا التمثال؟ ومن هو صاحب فكرة هذا التمثال؟ وهل بالفعل للتمثال أصولٌ مصريَّة كما يشيع البعض، أم أن هذا الكلام مجرد شائعات ليس لها أساسٌ من الصحة.

البداية: نبذة عن «فريدريك أوغست بارتولدي» مصمم تمثال الحرية

في الثاني من أغسطس (آب) لعام 1834، ولد النحات الفرنسي «فريدريك أوغست بارتولدي»، في مدينة كولمار بفرنسا. ذَهَبَ إلى باريس لدراسة الهندسة المعمارية والرسم، ثم عاد بعد ذلك إلى مدينته كولمار مرة أخرى؛ لكي يصبح مهندسًا معماريًّا هناك، لتبدأ بعد ذلك رحلتهُ في عالم النحت والتصميم، وكانت البداية بعمل نُصُب تذكاري للجنرال «جون راب»، وقد حقَّق هذا النصب التذكاري نجاحًا وصدىً كبيرًا في مدينة كولمار بفرنسا، وهناك أيضًا تمثال أسد بلفور في مدينة بلفور بفرنسا، وصمم هذا التمثال تخليدًا لذكرى الحرب البروسية-الفرنسية، إذ كان بارتولدي ضابطًا في ذلك الوقت، وعاصر هذه الحرب، لتتوالى أعماله بعد ذلك حتى تصميمه لـ«تمثال الحرية»، وهو من أشهر التماثيل في العالم، إلى أن رحل في 4 أكتوبر(تشرين الأول) 1904.

كيف بدأت قصة تمثال الحريَّة؟

في عام 1869، سافر «بارتولدي» إلى مصر ومعه تصميمٌ مصغَّر لتمثال على شكل «امرأةٍ محجبة»، ليكون رمزًا لحرية الملاحة والصداقة بين الدول، مكتوبٌ عليه جملة «مصر منارة آسيا»، وذلك بطلب من الخديوي «إسماعيل»، الذي كان يريد أن يضع تمثالًا عند مدخل قناة السويس، للاحتفال بافتتاح القناة في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام؛ لكن الخديوي رفضَ فكرة التمثال، بسبب التكاليف الباهظة للتمثال وقاعدته وملحقاتٍ أخرى له، والتي كانت تزيد على 600 ألف دولار، بالإضافة إلى عدم وجود سيولة ماليَّة في مصر، خاصَّة بعد المبالغ الطائلة التي تم صرفها على حفر القناة، ثم بعد ذلك الاستعدادات لحفل افتتاح القناة، وفي روايةٍ أخرى يقال إن سبب رفض الخديوي للتمثال، هو أنه كان يريده لسيِّدة مصرية تحمل في يدها «جرة»، لكن بارتولدي قام بتصميم التمثال لامرأة تحمل شعلة.

تمثال الحرية

القاعدة التي كان يوجد عليها تمثال ديليسبس فارغة.. وقد أزيل التمثال بعد العدوان الثلاثي


يشار إلى أنَّه في عام 1899 وُضع تمثال لفرديناند ديليسبس صاحب فكرة حفر قناة السويس، ليكونَ بديلًا لتمثال الحرية، وكان يوجد هذا التمثال في مدخل القناة من بورسعيد، لكن بعد العدوان الثلاثي على مصر تم إزالة التمثال، لأنَّهُ كان يثير الغضب لدى المصريين، ويقال إن مكان التمثال ما يزال فارغًا حتى الآن.

بعد رفض مصر للتمثال قررت فرنسا إهداء التمثال للولايات المتحدة الأمريكية، من أجل توطيد العلاقات معها، في ذكرى احتفال أمريكا بمرور مائة عام على استقلالها، وقد تم الاتفاق بينهما على أن فرنسا تتولى تصميم التمثال ونحته، وتتولى أمريكا تصميم القاعدة التي سيقفُ عليها التمثال، وبالفعل تم العمل على ذلك، وقام البلدان معًا بحملة ضخمة من أجل جمع الأموال لتمويل هذا المشروع الكبير، حتى تم الانتهاء من تصميم التمثال، وشحنه إلى أمريكا على ظهر سفينة فرنسية، مقسَّمًا إلى 350 قطعة، وقد كلَّف التمثال فرنسا مبلغ 2.250.000 فرنك، وفي 28 أكتوبر )تشرين الأول) عام 1886، أزيح الستار عن التمثال في حضور رئيس أمريكا في ذلك الوقت جروفر كليفلاند.

تمثال الحرية

صورة توضح كيف تم نقل تمثال الحرية مقسَّمًا إلى قطع ليستقر في نيويورك


تمثال الحرية ذو أصول مصرية

ذكر موقع فرانس 24 أن «باري مروينو»، والذي ألّف العديد من الكتب عن تمثال الحرية، قال إنَّ مصمم التمثال وهو «فريدريك أوغست بارتولدي»، أخذ فكرة التمثال من شكل فلاحة مصرية محجَّبة، وذلك في خلال الفترة، التي زار فيها مصر بينَ عامي 1855-1856، وكان استدلاله على هذا الكلام، هو وجود مخطوطات قديمة لبارتولدي توجد فيها تصميمات توضح ذلك.

وأشار نفس الموقع إلى أن مؤسسة «سميشسونيان»، وهي خاصة بإدارة عدد من المتاحف في واشنطن، قالت: «إن فكرة تمثال الحرية جاءت لبارتولدي من شكل فلاحة مصرية»، وكان استدلالهم على ذلك بوجود عدد من اللوحات توضِّحُ هذا الأمر، وأضاف الموقع أيضًا أن «إدوارد بيرينسون»، وهو مؤلف كتاب اسمه «تمثال الحرية» ذكر في الكتاب أن بارتولدي «وضع عددًا من التصاميم كان فيها التمثال يجسد فلاحة عربية، ثم تدرج إلى ما يشبه الآلهة الأسطورية»، لكن بعد رفض مصر لفكرة التمثال، قرر بارتولدي استخدام الفكرة نفسها، في تصميم تمثال الحرية الموجود الآن في نيويورك.

معلومات أخرى عن تمثال الحرية

تعدُّ القاعدة الموجود عليها تمثال الحرية، والمكونة من الأسمنت والجرانيت، والتي قام بتصميمها الأمريكي «ريتشارد موريس هانت»، في نيويورك أهم من التمثال نفسه، ويبلغ عرضها 47 مترًا، وهذا معناه أنها أطول بمترٍ واحد من ارتفاع التمثال الذي يبدأ من القدم، حتى أعلى الشعلة الموجودة في التمثال، و يبلغ وزن التمثال 125 طنًّا، وطوله 93 مترًا من القاعدة حتى أعلى التمثال، ويقع التمثال على«جزيرة الحرية» الموجودة في نيويورك.

تمثال الحرية

على اليمين تمثال الحرية، ويسارًا يقال إنه كان الشكل الأصلي الذي كان سيصبح عليه التمثال


يُذكر أنّ التصميم الأول للتمثال، والذي كان سيوضع عند مدخل قناة السويس، كان لامرأةٍ سمراء تحملُ في يدها جرَّةً صغيرة، وكان يوجد في التمثال طوق، وأسورة، وخاتم زواج، لكن تم نزع كل هذه الأشياء، ووضع بدلًا منها الشعلة والكتاب وتاج حول الرأس، ويُذكر أن الشيء الوحيد الذي لم يتغيَّر هو جلباب التمثال، لكن أزيل منهُ زهرة اللوتس التي كانت موجودة على الجلباب أيضًا، ويعود السبب في تغيير التصميم إلى إهدائه لأمريكا، ليصبح ملائمًا للمكان الجديد الذي سيكون فيهِ بعد ذلك. ويقال إنّ وجه التمثال هو لـ«شارلوت بيسر» والدة برتولدي مصمم التمثال، وهناك رأيٌ آخر يقول إن فكرة التمثال أخذت من «ليبرتاس»، إلهة الحرية عند الرومان.

يُجسِّد التمثال شكل امرأة تحررت من قيود الاستبداد، تمسك بيدها اليمنى شعلة، وهي رمز الحرية، وفي يدها اليسرى تمسكُ كتابًا مكتوبًا عليه 4 يوليو 1776؛ تخليدًا لذكرى يوم الاستقلال في أمريكا. التاج الموجود على التمثال يخرج منه سبع أسنَّة ترمُز إلى البحار أو القارَّات السبع، ليوضِّح أن الحرية شيء عالمي، ولا يقتصر على قارة دون أخرى، وأخيرًا قام غوستاف إيفل صاحب تصميم برج إيفل بتصميم الهيكل المعدني للتمثال، لضمان ثبات التمثال على القاعدة .

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد