منذ عامين، وبالتحديد منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني في مايو (أيار) عام 2018م، ومسلسل فرض العقوبات الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم ينته، لكننا اقتربنا من النهاية بالخطوة الأمريكية الجديدة.

خرج وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قبل ساعات من بداية يوم 20 سبتمبر (أيلول)، ليلقي بيانًا أعلن فيه أنه «اعتبارًا من يوم 20 أغسطس (آب)، أبلغت الولايات المتحدة الأمين العام للأمم المتحدة، رسميًّا بقرار تفعيل آلية «سناباك»، وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2231، واليوم انتهت مهلة الثلاثين يومًا، وبالتالي سيتم إعادة تفعيل جميع عقوبات الأمم المتحدة ضد طهران».

ما هي بداية القصة؟

قبل عدة أسابيع من الآن، كانت الولايات المتحدة تحاول بشتى الطرق تمديد حظر الأسلحة على إيران، المقرر رفعه في 18 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ إذ لا تريد واشنطن أن تشتري طهران أو تبيع حتى أبسط الأسلحة.

ذهبت واشنطن إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، لتمديد حظر الأسلحة عن إيران، وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2231، ولم تنجح الولايات المتحدة في مساعيها، وحصلت على تصويت مؤيد واحد من جمهورية الدومينكان، وسط تخلي حلفائها الأوروبيين عنها.

دولي

منذ شهرين
أحدث خطوات أمريكا ضد إيران.. هذا ما ستفعله «آلية سناباك» بالاتفاق النووي

في هذه اللحظة، كانت إدارة ترامب تخطط للخطوة المقبلة، التي – من وجهة نظر المسؤولين الأمريكيين – ستقضي على الاتفاق النووي الإيراني، وتمنع إيران من الحصول على الأسلحة؛ فذهب وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إلى الأمم المتحدة، لإعلان بدء تنفيذ آلية «سناباك»، أو العودة السريعة للعقوبات.

في يوليو (تموز) عام 2015م، أقر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة خطة العمل الشاملة المشتركة، من خلال تمرير القرار رقم 2231، الذي يتضمن المادة 11 التي تقول إنه «يمكن لأي دولة مشاركة في الصفقة النووية، على أساس عدم الأداء من قبل أحد الأطراف الأخرى في الصفقة، الشروع في تفعيل آلية سناباك».

وآلية سناباك، هي عبارة عن ستة قرارات صادرة من مجلس الأمن الدولي ضد طهران بين عامي 2006 و2010م، وجرى تعليقها بعد الاتفاق النووي ووفقًا للقرار 2231.

لذلك لجأت إدارة ترامب إلى تفعيل هذه الآلية، لتعود جميع العقوبات الخاصة بها ضد طهران، والتي من شأنها فرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية وشراء الأسلحة وبيعها، وتعليق التخصيب النووي.

أطلقت واشنطن الآلية يوم 20 أغسطس، وخلال ثلاثين يومًا، إذا لم يتخذ مجلس الأمن قرارًا بخصوص هذا الأمر (استمرار تعليق العقوبات)، تعود العقوبات ضد إيران تلقائيًّا.

لكن، هل من حق الولايات المتحدة، كما أعلن وزير خارجيتها يوم 20 سبتمبر، إعلان عودة العقوبات الدولية بالكامل ضد الجمهورية الإسلامية؟

طهران: «فشل أمريكي جديد»

بعد بيان مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، بشأن بدء تنفيذ آلية سناباك، وعودة جميع العقوبات الدولية ضد طهران، سارع الممثل الدائم لإيران في الأمم المتحدة بالتعليق قائلًا: «تصريحات خاطئة وباطلة».

وفي اليوم التالي، وصف الرئيس الإيراني، حسن روحاني، المزاعم الأمريكية بأنها فشل آخر للولايات المتحدة، قائلًا: «الولايات المتحدة تحاول مرة أخرى فرض عقوبات على إيران، بل إنها زادت من ضغطها على الأطراف الأخرى في الاتفاقية، لكنها وصلت إلى النقطة الأخيرة من الفشل»، وأضاف روحاني: «واجهت الولايات المتحدة الفشل في كل الخطوات، ولم تكن قادرة على وقف العقوبات المفروضة على الأسلحة».

نحن هنا أمام إعلان أمريكي بعودة جميع العقوبات، وفى المقابل، تصف طهران الأمر بأنه فشل ومزاعم باطلة.

Embed from Getty Images

يرى رحمن قهرمان بور، خبير العلاقات الدولية، إن الولايات المتحدة فشلت في مساعيها بالفعل، فيقول لـ«ساسة بوست»: «كل ما تفعله واشنطن في الآونة الأخيرة، هي محاولات مستميتة لمنع إيران من شراء الأسلحة وبيعها، يريد ترامب إنهاء هذا الأمر قبل الانتخابات بأي ثمن».

وبحسب السيد قهرمان بور، فان الخطوة الأمريكية الأخيرة غير قانونية ولا جدوى منها. «ببساطة، والأمر لا يحتاج إلى المزيد من التعقيد، قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، ينص على أن تكون الدولة «مشاركة»، ليكون لديها الحق في استخدام آلية سناباك، الجميع في أنحاء العالم يعلم أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي، فما الذي تفعله الآن واشنطن؟».

لكن واشنطن تجادل بحجة أنه رغم انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني، ما زال القرار رقم 2231 يضم اسمها دولةً مشاركةً في الصفقة، مما يمنحها الصفة القانونية المطلوبة لتفعيل آلية سناباك.

موقف الدول الأوروبية

منذ أن أرسل مايك بومبيو، رسالته إلى مجلس الأمن الدولي في 20 أغسطس، بقرار عزم الولايات المتحدة اللجوء إلى آلية سناباك؛ عدت الدول الأوروبية الموقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا)، أن هذا الأمر باطل وغير مفيد.

صرح الأعضاء الأوروبيون في مجلس الأمن الدولي، بأن العقوبات ضد طهران لن تعود كما تريد الولايات المتحدة، وكتبت حكومات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في رسالة إلى 15 عضوًا من مجلس الأمن الدولي، أن أي قرار أو إجراء استئناف العقوبات على إيران لن يكون له أثر قانوني.

يعلق السيد قهرمان بور على الموقف الأوروبي قائلًا: «الولايات المتحدة مصممة على عزل نفسها دبلوماسيًّا، وحلفاؤها الأوروبيون منذ اليوم الأول لانسحاب واشنطن من الاتفاق، وهم في معارضة مستمرة لها، والآن بدلًا من أن تعزل واشنطن طهران، عُزلت الولايات المتحدة واهتز موقفها العالمي».

تحدثت بعض التقارير الإعلامية عن الضغوط الأمريكية على الدول الأعضاء في مجلس الأمن من أجل الموافقة على آلية سناباك، لكن رغبة واشنطن لم تتحقق، ورفض ثلاثة عشر من أعضاء مجلس الأمن الدولي البالغ عددهم خمسة عشر، الاعتراف بأحقية الولايات المتحدة في اتخاذ هذه الخطوة، ورفضهم حتى لمزاعم دخول آلية سناباك حيز التنفيذ.

الأمين العام للأمم المتحدة: «لا أدري ماذا أفعل؟»

كما ذكرنا سابقًا، يدور الكثير من الجدل والمناقشات بين خبراء العلاقات الدولية ومحللي السياسية عن دخول آلية سناباك حيز التنفيذ كما تسعى إدارة ترامب، وهل فعلًا الجمهورية الإسلامية ستخضع للعقوبات الآن؟ أم سيجري تجاهلها كما أوصت الأطراف الأوروبية؟

يشوب الأمر الكثير من الغموض السياسي والقانوني.

يتجلى هذا الغموض في تصريحات أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، عندما قال في رسالته إلى مجلس الأمن: «الأمين العام نفسه لا يعرف ماذا يفعل، لم أتخذ أي إجراء بسبب هذه الظروف الغامضة».

دولي

منذ 8 شهور
«فورين بوليسي»: لماذا باتت الأمم المتحدة ترضخ للأقوياء تحت إدارة غوتيريش؟

كان الغموض بشأن لجوء واشنطن إلى آلية سناباك موجودًا منذ ثلاثين يومًا داخل مجلس الأمن الدولي، الذي لا يستطيع تجاهل طلب الولايات المتحدة، وإلا سيفقد مكانته ومصداقيته، وفي الوقت نفسه الدول الأعضاء تقول إنه لا يوجد سند قانوني لموافقة المجلس على طلب واشنطن.

يقول أستاذ القانون الدولي المقيم بطهران، هداية الله جعفر، لـ«ساسة بوست»: «نعم، الأمر محير، وقد لخص الأمين العام للأمم المتحدة هذه الحيرة بكلمات بسيطة، لكن هذه القضية سياسية أكثر من كونها قانونية. لذلك حتى وإن صحت الحجة القانونية لأمريكا، طالما هناك معارضة سياسية من أعضاء مجلس الأمن، والأطراف الموقعة على الصفقة، تكون الخطوة الأمريكية باطلة حقًّا».

وصرَّح الأمين العام للأمم المتحدة لوكالة «رويترز» سابقًا بأنه أبلغ أعضاء مجلس الأمن بأنه لا يمكنه فعل شيء حيال التحركات الأمريكية، طالما لا يوجد يقين بشأن هذا الأمر بين أعضاء مجلس الأمن الدولي.

لماذا تريد واشنطن حظر الأسلحة عن طهران؟

منذ شهر، تحاول إدارة ترامب بشتى الطرق تمديد حظر الأسلحة على إيران، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.

وبحسب الدول الأوروبية الموقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة، والخبراء السياسيين، فإن تنفيذ آلية سناباك لم يعد متاحًا، لذلك ستكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة بحلول 18 أكتوبر، على شراء الدبابات والمركبات القتالية، والطائرات المقاتلة، والسفن الحربية، والصواريخ، بجانب قدرتها على بيع صواريخها، والأنظمة الدفاعية لديها.

تتخوف واشنطن من هذا الأمر وتريد منعه، خاصة وأن التحركات الإيرانية في الآونة الأخيرة تثير مخاوفها أكثر.

Embed from Getty Images

في شهر أغسطس الماضي، زار وزير الدفاع الإيراني، أمير حاتمي، العاصمة الروسية موسكو، وأكد أن هذه الزيارة ستكون بداية لعهد جديد من التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين، فروسيا من أوائل الدول التي من الممكن أن تبيع الأسلحة إلى إيران.

كما أكد العديد من المسئولين الإيرانيين أنه بعد رفع حظر الأسلحة ستكون لدى بلادهم القدرة على تصدير الأسلحة والأنظمة الدفاعية المصنوعة محليًّا.

تقول الباحثة في العلاقات الدولية، نرجس أخوندي، لـ«ساسة بوست»: «ليست الولايات المتحدة فقط من تخشى رفع حظر الأسلحة عن إيران، فقد حاول الأوروبيون تمديد الحظر لمدة أشهر أو عام، لكن الأمر لم ينجح. ستكون ردة فعل طهران قوية لو حدث شيء مثل هذا، وهذا ما تحاول الدول الأوروبية تجنبه من بداية الصراع على الاتفاق النووي».

ترى السيدة أخوندي أن بيع الأسلحة وشراءها هو الحق الوحيد المتبقي للجمهورية الإسلامية من خطة العمل الشاملة المشتركة، لذلك تريد واشنطن أن تجردها من هذا الحق.

المزيد من العقوبات

فى 29 سبتمبر، نقلت وكالة «بلومبرج» عن مصادر أمريكية مطلعة، أن الحكومة تعتزم فرض عقوبات جديدة على إيران، لقطع علاقاتها الاقتصادية بالعالم الخارجي بالكامل.

وبحسب المصادر التى تحدثت إلى «بلومبرج»، فإن إدارة ترامب تنوي إدراج 14 بنكًا إيرانيًّا على القائمة السوداء، بسبب مزاعم بعلاقتهم بتمويل الإرهاب والبرنامج الصاروخي الإيراني.

الهدف من هذه العقوبات بحسب «بلومبرج»، هو إغلاق كافة الطرق المالية القليلة المتبقية أمام إيران للاتصال بالنظام المصرفي العالمي، وتقليل حجم أنشطتها التجارية.

يعلق السيد رحمن قهرمان بور على هذا الأمر لـ«ساسة بوست» قائلًا: «العقوبات التي تتحدث عنها وسائل الإعلام، دليل قوي على فشل الولايات المتحدة في تنفيذ آلية سناباك، ودليل آخر على رغبة ترامب في حرق كل الطرق أمام بايدن، بعد أن أعلن نيته للعودة إلى الاتفاق النووي».

دولي

منذ 9 شهور
«نيويورك تايمز»: لماذا قد لا تنجح استراتيجية ترامب مع إيران؟

هل فشلت واشنطن في استفزاز طهران وتدمير الاتفاق النووي؟

من الواضح أن الهدف الأساسي من جميع الخطوات الأمريكية الأخيرة تجاه إيران هو منعها من الحصول على الأسلحة، بالرغم من أن أمر شراء إيران للأسلحة يحتاج إلى الأموال الطائلة، والكثير من الوقت لعقد الصفقات، والتوصل إلى الاتفاقيات، وكل هذا يحدث ببطء إلى حد ما، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها الجمهورية الإسلامية.

لكن مع ذلك، لا يمكن إغفال الهدف الثاني من التحركات الأمريكية، وهو استفزاز إيران للخروج من الصفقة وتدمير الاتفاق النووي بأيد إيرانية، لكن إدارة ترامب فشلت في هذا الأمر أيضًا، وهذا السيناريو غير مرجح الآن داخل إيران.

لا يريد القادة الإيرانيون تصعيد التوترات مع واشنطن في الأسابيع القليلة المتبقية قبل الانتخابات الأمريكية، لذلك تركت الأمر لصوت العقل والدبلوماسية إلى آخر لحظة؛ لتصبح قضية آلية سناباك مجرد معركة تصريحات بين كبار المسئولين في كلا البلدين.

خسرت واشنطن تلك الجولة أمام طهران، لكن لن تنتهي الجولات بينهما في المستقبل القريب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد