فيما كانت روسيا تستخدم الفيتو مرة تلو الأخرى لمنع إكمال تحقيق دولي حول الهجمات الكيميائية في سوريا، كانت الدول الغربية تصر على تدمير المخزون السوري من هذا السلاح سواء عبر تصريحات مسئوليها أو بموافقتها على الاتفاقيات الدولية التي قررت نزع هذا السلاح من سوريا.

المفارقة الكبيرة التي تكشفها أدلة جديدة تُظهر أن شركات وأشخاصًا في دول غربية شاركوا في تزويد النظام السوري بمواد كيميائية تستخدم في صناعة السلاح الكيميائي، أهمها مادة (أيزوبروبانول) التي يصنع منها غاز السارين السام، وفيما كانت تعمل هذه الشركات وحدها بتصدير موادها للنظام، يظهر أن جهات رسمية غربية تغاضت أو صرفت النظر عن التحرك ضد هذه الشركات، لتشكل الخطوة الفرنسية التي تمت قبل أيام بمعاقبة شركات وأشخاص زودوا النظام بمواد كيميائية خطوة هامة في نظر البعض وجدية في مسيرة محاربة السلاح الكيميائي بسوريا.

المواد الكيميائية تصل لـ«الأسد» من الدول الغربية

خلال سنوات الثورة السورية، ارتكب النظام حسب الأمم المتحدة أربع هجمات كيميائية، آخرها استهدف مدينة دوما يوم السابع من أبريل (نيسان) الماضي، لكن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على تصدير العديد من المواد الكيميائية للنظام منذ يوليو (تموز) 2013.

من مجزرة دوما الكيماوية

وبالرغم من هذه العقوبات ومن انضمام النظام السوري إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2013، وموافقته على تدمير مخزونه من مادة (الأيزوبروبانول)، استمر النظام باستخدام غاز السارين بدليل ما حدث في مجزرة النظام الكيميائية في خان شيخون 2017 ومجزرة دوما 2018، فقد كشفت عمليات البحث والمتابعة أن النظام تمكن في الفترة ما بين 2013 و2017 من تطوير السارين مرة جديدة بمساعدة شركات وأشخاص في دول غربية، فبعد ستة أشهر من تدمير مخزون يبلغ 120 طنًا متريًا من الإيزوبروبانول تمكنت إحدى الشركات السويسرية من تصدير خمسة أطنان مترية من مادة الأيزوبروبانول إلى سوريا دون معارضة من السلطات السويسرية.

وتُستخدَم هذه المادة في المطهرات ومواد التنظيف، وهي عنصر رئيسي في صناعة الغاز المُستخدم في الهجمات الكيميائية من قبل النظام السوري والمعروف بغاز  السارين، كما أثبتت الأمم المتحدة أن بلجيكا صدرت تلك المادة أيضًا عقب التدمير المزعوم لمخزون النظام السوري الكيميائي، فالشركات البلجيكية صدّرت إلى سوريا 96 طنًا من (الأيزوبروبانول) ما بين عاميّ 2014 و2016، وفيما يتعلق بالدول العربية فقد أثبت الأمم المتحدة أن قائمة الموردين الرئيسيين لمادة (الإيزوبروبانول) شملت لبنان والإمارات.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أرسلت كوريا الشمالية معدات تستخدم في إنتاج أسلحة كيميائية، كألواح من البلاط مقاومة للمواد الحمضية وصمامات مقاومة للتآكل، وتأتي هذه المعلومات لتؤكد ما نشر في سبتمبر (أيلول) 2017، عن وجود تعاون يتعلق بأسلحة كيميائية وباليستية وتقليدية محظورة بين كوريا الشمالية ونظام الأسد.

وأكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن: «بيونج يانج أرسلت خمس شحنات عبر شركة صينية خلال نهاية عام 2016 وأوائل عام 2017، باعتبارها جزءًا من عشرات الشحنات على مدى عدة سنوات»، وتابعت الصحيفة: «مؤسسة بحثية تابعة للنظام السوري دفعت مبالغ لكوريا الشمالية عبر شركات أخرى استخدمت كواجهة»، وقد أشارت وثائق مسربة إلى أكثر من 40 شحنة غير مبلغ عنها من كوريا الشمالية إلى سوريا بين عامي 2012 و2017 من كيانات تصنّفها دول أعضاء (في الأمم المتحدة) شركات واجهات لمجلس البحوث العلمية في سوريا، بل وكُشف عن وجود فنيين من كوريا الشمالية يواصلون العمل في الأسلحة الكيميائية ومرافق الصواريخ في برزة وعدرا وحماة.

وفي نهاية أبريل الماضي، كشفت الصحف البريطانية عن تورط شركة مسجلة في إحدى المناطق الصناعية البريطانية في «نورثهامبتونشاير» في الشحنة المشبوهة لإمدادات الأسلحة الكيميائية من كوريا الشمالية إلى سوريا، وذلك عبر إخفاء هذه المواد داخل سفن تحمل علم بريطانيا، فحسب صفية «التايمز» البريطانية: «استغلت بيونج يانج المملكة المتحدة عبر ما يعرف بعلم الملاحة لقيام سفن تجارية برفع أعلام دول ذات سيادة خلافًا للدولة المالكة، لتهريب الأسلحة إلى سوريا، نظرًا لخضوع الشركات المقامة في إنجلترا لعمليات تفتيش بسيطة».

حكومات تغاضت عن مراقبة تصدير المواد الكيميائية للنظام السوري

في يناير (كانون الثاني) 2015، كُشف النقاب عن قيام شركات ألمانية بتزويد النظام السوري وعلى مدى 30 عامًا بمواد تستخدم في صناعة الأسلحة الكيميائية، وأكدت مجلة «دير شبيغل» أن الحكومة الألمانية على علم بأسماء تلك الشركات، إذ إن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية زودت حكومة برلين بقائمة تشمل أسماء تلك الشركات، لكن الحكومة اختارت الحفاظ على سرية اللائحة، ولم يتابع المسؤولون الألمان هذه القضية.

(المصدر: رويترز)

وأرجعت المجلة الألمانية الموقف الحكومي الألماني لإدراك الضرر الذي من الممكن أن يمس بالمصالح الخارجية لألمانيا إذا ما كشف أمر هذه الشركات، وذكرت المجلة من بين هذه الشركات، شركة (Schott) لصناعة الزجاج، وشركة (Kolb) لصناعة المستلزمات المخبرية، وشركة (Heraeus) التكنولوجية، وشركة،(Riede-de Haen)، وغيرها.

لم تكن تلك الواقعة الوحيدة التي تظهر تواطؤ جهات رسمية غربية مع مزودي النظام السوري بالمواد الكيميائية، ففي الثامن عشر من شهر أبريل الجاري، اكتشف قيام ثلاث شركات بلجيكية محلية بتصدير كميات ضخمة من المواد الكيميائية إلى سوريا ولبنان، حيث كانت حصيلة 24 شحنة قدمت من تلك الشركات ما بين عامي 2014 و2016، هي وصول 168 طنًا من مادة (أيزوبروبانول)، و219 طنًا من مادة (أسيتون)، و77 طنًا من مادة (إيثانول)، و21 طنًا من مادة (كلوريد الميثيلين) للنظام السوري.

ووفق ما أكدته مجلة «كناك» البلجيكية فإن كلا من شركة: «آي.آي.يي كيمياء تريدينغ، وآنيكس كستمس، ودانمار لوجيستيكس، لم تكن على علم بوجوب حصولها على تراخيص لنقل تلك المواد إلى سوريا ولبنان، وأنها تقوم بعمليات تصدير اعتيادية مع شركات خاصة سورية ولبنانية تعمل في مجال إنتاج الدهانات ومختلف أنواع الطلاء وسوائل التبريد، في ما يبدو أنه غطاء لوجهة المواد الأخيرة».

وأوضحت المجلة أن عمليات تصدير تلك المواد كانت تتم بموافقة إدارة الجمارك في بلجيكا التي من المفترض أن تتحكم بما يتم تصديره وتراقبه، لكن السلطات البلجيكية تجاهلت حقيقة أن تصدير هذه المواد إلى سوريا يحتاج إلى إذن خاص منذ عام 2013، كما أكدت المجلة.

جندي نرويجي يشارك في إزالة المخزون الكيميائي لسوريا في عام 2014 (المصدر: شبكة سويس إنفو السويسرية)

كذلك، سمحت سويسرا بتصدير خمسة أطنان مترية من الأيزوبروبانول الكيميائي إلى سوريا في عام 2014، فالسلطات السويسرية لم تصنف (الأيزوبروبانول) ضمن قائمتها الخاصة للمواد المحظور تصديرها، وذلك رغم أنها مضافة على قائمة الاتحاد الأوربي باعتبارها مادة محظورة، لكن وزارة الشؤون الاقتصادية السويسرية بررت موقفها بأن العميل وهو «شركة أدوية سورية خاصة» لم يظهر بخصوصه أي دلالة على ارتباطه بالنظام السوري آنذاك، ولا حاليًا، وذكرت شبكة (سويس إنفو) السويسرية أن: «سويسرا قد تبنت العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا بالكامل، إلا أن بعض الحالات قد تُدار بشكل مختلف، من خلال قانون مراقبة السلع»، وقد أكدت سويسرا مؤخرًا أن مثل هذه الشحنات ستحظر في الوقت الحالي على الأرجح.

خطوة هامة.. فرنسا بدأت ملاحقة موردي المواد الكيميائية

في إطار مبادرة أطلقتها 24 دولة بالعاصمة الفرنسية تهدف لملاحقة المسؤولين عن الهجمات الكيميائية بسوريا، فرضت قبل أيام باريس عقوبات على 25 هيئة ومسؤولي شركات من سوريا، ولبنان، وفرنسا، والصين اشتبه بتورطهم في برنامج الأسلحة الكيميائية بسوريا، وشملت هذه العقوبات تجميد أصول 25 هيئة ومسؤولي تلك الشركات.

فقد فرضت عقوبات نوعية على شركات استيراد وتوزيع المعادن والإلكترونيات وأنظمة الإنارة ومقراتها في بيروت، منها شركة (قطرنجي) للإلكترونيات، إن كي ترونيكس، وآ بي سي للشحن (دمشق)، ومجموعة الأنظمة الإلكترونية (باريس) وغيرها، وجاء في بيان وزارتي الخارجية والاقتصاد الفرنسيتين أن: «الشركات المستهدفة هي جزء من شبكتي تزويد لمركز الدراسات والبحوث العلمية، أكبر المختبرات السورية التي تتولى البرامج الكيميائية»، وأضاف البيان أن: «الشبكتين تحولتا إلى جهات وسيطة تابعة للمركز، تعملان على توفير الموارد اللازمة لصناعة الأسلحة الكيميائية، ولا سيما التجهيزات لصناعة الأسلحة السامة مثل غاز السارين».

ويعتبر رئيس تجمع المحامين السوريين «غزوان قرنفل» هذه الخطوة الفرنسية مهمة على طريق المساءلة عن جرائم عدم الالتزام بقرارات العقوبات المفروضة على عدد من الكيانات والأشخاص في منظومة السلطة السورية، وهي خطوة ستشكل دافعًا للنشطاء الحقوقيين والصحافة الاستقصائية لمزيد من البحث عن ما يشبه تلك المخالفات، فهو شيء مهم لجهة تقييد إمكانيات النظام على إعادة إنتاج أو تمويل ما هو محظور عنه، حسب قرنفل الذي تابع القول لـ«ساسة بوست»: «بالتأكيد سيكون هناك خطوات شبيهة ولاحقة في العديد من الدول تجاه أشخاص أو مؤسسات لم تحترم منظومة العقوبات وارتكبت مخالفات سواء في ألمانيا أو سويسرا أو غيرها من الدول التي ثبت أن بعض شركاتها فعلت ذلك»، مؤكدًا أن مسؤولية المحاسبة تقع على عاتق السلطات الوطنية للدولة التي تحمل تلك الشركات أو الأشخاص المرتكبين لانتهاك هويتها الوطنية.

المصادر

تحميل المزيد