ما أكثر لاعبي كرة القدم، وما أقل المؤثرين منهم في الملاعب، الذين يحملون سر الكرة، وتأثير السحر في قلب سير المباراة، والأقل من كل ذلك، اللاعبون الذين يؤثرون في حياة البشر العادية كما يؤثرون في المباريات، ويحملون رسائل السلام إلى بلادهم وقاراتهم والعالم، وهؤلاء يجعلون للكرة مذاقًا دائمًا يستمر حتى بعد اعتزالهم الملاعب؛ لأنهم يسكنون قلوب الجماهير التي تعرف دورهم جيدًا، ومن هؤلاء اللاعب الإيفواري ديدييه دروجبا.

مواهب دروجبا الكروية تنمو في مواقف السيارات

من الفقر والحارات الضيقة ولد عمالقة الكرة، في البرازيل، والأرجنتين، وأفريقيا أيضًا، وقد كانت أبيدجان غاصمة ساحل العاج على موعد مع ميلاد نجم كروي كبير في مارس (آذار) من عام 1978، حمل اسم دروجبا، لكن والدته كانت تناديه تيتو؛ لأنها أحبت الرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو.

Embed from Getty Images

في سن الخامسة ودع دروجبا أسرته، وسافر إلى فرنسا ليعيش مع عمه ميشيل، وهو لاعب كرة قدم محترف، وكان والدا دروجبا رافضين في البداية، لكن العم ميشيل أقنعهما بأن هذه الخطوة ستمنح ابنهما فرصة حقيقية للنجاح في الحياة، ثلاث سنوات مرت على دروجبا في فرنسا قبل أن يعود إلى أسرته في أبيدجان، وعاد إلى أصدقائه القدامى، وبدأ مع الأصدقاء في اللعب في مواقف السيارات، كلما كان ذلك ممكنًا.

في عام 1989 وكان عمر دروجبا 11 عامًا، تعرضت ساحل العاج لأزمة اقتصادية كبيرة، ونظرًا إلى الظروف الاقتصادية أعاده أبوه إلى فرنسا ليؤمن مستقبله هناك، ومن هنا انضم إلى أول نادٍ لكرة القدم، في البداية لعب في مركز الظهير الأيمن، وانزعج عمه من هذا وقال له: «ماذا ستفعل في الخلف هناك؟ احصل على المقدمة، الناس في كرة القدم ينظرون فقط إلى المهاجمين»، وقد أصغى دروجبا إلى نصيحة عمه التي كان لها كل الفضل في حياته.

مسيرة كروية حافلة بالنجاح

في فرنسا متنقلًا بين الدراسة ولعب الكرة، تمكن دروجبا من اللعب في النوادي الفرنسية المختلفة، وفي سن 21 عامًا وقع أول عقد احترافي له في فريق لومان الفرنسي، ومنه إلى نادي جانجون، الذي قدم معه موسمًا متميزًا في الدوري الفرنسي للدرجة الأولى؛ موسم 2002/ 2003، واحتل الهداف الثالث للدوري برصيد 17 هدفًا في 34 مباراة، واحتل نادي جانجون في هذا الموسم المركز السابع، أما دروجبا فقد سارع نادي مارسيليا الفرنسي للتعاقد معه بمبلغ 3.3 مليون جنيه إسترليني.

في مارسيليا حمل دروجبا رقم 11 أيضًا، ولعب بجوار اللاعب المصري أحمد حسام ميدو، وشاركا معًا في دوري أبطال أوروبا موسم 2003/ 2004، لكنهما وقعا في مجموعة تضم نادي ريال مدريد الإسباني، وبورتو البرتغالي، واحتل النادي المركز الثالث في البطولة، لينتقل مارسيليا بعدها إلى بطولة كأس الاتحاد الأوروبي آنذاك، التي وضع فيها دروجبا بصمته في وصول مارسيليا إلى الدور النهائي، الذي خسره أمام نادي فالنسيا الإسباني، أما دروجبا فكان على موعد تاريخي آخر للعب في نادي تشيلسي الإنجليزي.

في تشيلسي رسم دروجبا تاريخه الكروي الذي لا ينسى، في موسمه الأول في الدوري الإنجليزي، حصد مع ناديه على درع الدوري موسم 2004/ 2005 الذي كان غائبًا عن تشيلسي لعقود، وعلى مدار تسعة مواسم ارتدى فيها دروجبا قميص تشيلسي، أحرز 168 هدفًا، منهم 104 في الدوري الإنجليزي الممتاز، وحمل درع الدوري الإنجليزي في أربعة مواسم، ودوري أبطال أوروبا، وثلاث مرات كأس الاتحاد الإنجليزي، وبعد أن غادر تشيلسي لعب في الدوري التركي، والصيني، والسويسري، لكنه كان النجم الأول في بلاده ساحل العاج؛ القائد التاريخي صاحب 66 هدفًا في 104 مبارايات دولية.

بين الصوم وكرة القدم.. هل يتفق العلم مع تغريدة «ميدو» المثيرة للجدل؟

ساحل العاج تبحث عن مخلص

في عام 2002 اشتعلت الحرب الأهلية الإيفوارية الأولى، النزاع المسلح طاف أرجاء البلاد، وانقسمت البلاد عام 2004 إلى قسمين: الشمال الذي يسيطر عليه المتمردون، والجنوب الذي تسيطر عليه الحكومة، وازداد العداء بين الشقين وساد التوتر ساحل العاج بأكملها، وفشلت المحادثات السياسية في إنهاء الاحتقان بين القسمين، ويبدو أن الشعب كان في انتظار رجل رشيد ينهي هذا الموقف المتأزم.

بعد اشتعال الحرب الأهلية كان ما يوحد الإيفواريين هي المباريات الرسمية لمنتخب بلادهم، يتوحدون فقط خلف الشاشات، وفي عام 2004 بدأ المنتخب الإيفواري بقيادة دروجبا في دخول تصفيات أفريقيا المؤهلة لكأس العالم في ألمانيا عام 2006، ووقع في المجموعة الثالثة التي تضم: الكاميرون، ومصر، وليبيا، والسودان، وبنين، وكانت المهمة صعبة على المنتخب الإيفواري.

أهداف مباراة ساحل العاج والسودان في التصفيات المؤهلة لكأس العالم

في 8 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2005، كان منتخب ساحل العاج يستعد ليلعب آخر مباراة له في التصفيات أمام السودان وعلى أرضها، وكان على دروجبا ورفاقه هزيمة السودان لاعتلاء صدارة المجموعة، وبالتالي التأهل لكأس العالم، بدأت المباراة، وكان جسد دروجبا في المباراة وعقله في الحرب الأهلية المشتعلة في البلاد، لم يحرز دروجبا أي أهداف في هذه المباراة، لكن المنتخب الإيفواري فاز بثلاثة أهداف مقابل هدف، ليحتفل الإيفواريون بصعودهم لكأس العالم، أما دروجبا فكان يرى أن مهمته لم تنته بعد.

«ألقوا الأسلحة».. نداء عاجل من غرفة خلع الملابس

في غرفة خلع الملابس لمنتخب ساحل العاج؛ بعد مباراة السودان الفاصلة والفوز وضمان التأهل لكأس العالم، كان التلفزيون الوطني الإيفواري يهنئ اللاعبين على الهواء مباشرة، وأعطي الميكروفون لدروجبا ليعلق على فرحته بالفوز، لكن دروجبا حين أمسك الميكروفون قال شيئًا آخر، ونطق باسم كل الشعب الإيفواري في الشمال والجنوب.

«الرجال والنساء في كوت ديفوار، من الشمال، والجنوب، والوسط، والغرب، نحن فخورون اليوم، كل الإيفواريين يمكنهم التعايش، لعبنا سويًّا مع هدف مشترك هو التأهل لكأس العالم، نحن نعدكم بأننا سوف نحتفل بالوحدة بين الناس»، كان هذا ما قاله دروجبا للإيفواريين على شاشة التلفزيون الوطني على الهواء في غرفة خلع الملابس، ونزل دروجبا على ركبتيه، وتبعه باقي زملائه من المنتخب منادين: «سامحوا».

كان دروجبا يأمل وهو يختتم كلمته قائلًا «من فضلكم ألقوا الاسلحة، أجروا انتخابات والجميع سيصبح بخير» أن ينصاع له طرفا القتال ويوقفوا الحرب، وتحقق أمله حين حدث ذلك بالفعل، بهذه البساطة استجاب الطرفان لندائه، وأوقفوا القتال، لاحقًا ذكر دروجبا لمراسل جريدة «التليجراف» البريطانية عن كلمته: «كان فعلًا غريزيًّا».

بعد مناشدة دروجبا في التلفزيون بدأت محادثات السلام بين الأخوة الأعداء في ساحل العاج، استجابة للقائد دروجبا، لكن الأمور لم تُحل تمامًا، لذا وفي التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الأفريقية دورة 2008، اختار دروجبا مباراة مدغشقر التي كان مقررًا إقامتها في أبيدجان، أن تلعب في بواكيه، معقل المتمردين، التي تبعد عن العاصمة أبيدجان حوالي 300 كيلومتر، وبالفعل أقيمت المباراة هناك، في شهر يونيو (حزيران) عام 2007، وانتهت بفوز ساحل العاج بخمسة أهداف نظيفة.

مع انطلاق صافرة نهاية مباراة ساحل العاج ومدغشقر، هرع الجمهور الإيفواري إلى أرضية الملعب للاحتفال بدروجبا ورفاقه، وجمع الجنود -جميعهم من جيش المتمردين- دروجبا وزملاءه خارج الملعب، بينما كان هناك على البوابات 200 من القوات الحكومية، والذين دعوا للمساعدة في احتفالية إعادة توحيد البلاد في هذه المباراة، هتف الجميع وغنوا على الجانبين، وكانت هذه هي المرة الأولى منذ بداية الحرب الأهلية التي يقف فيها الجيش الحكومي في عاصمة المتمردين؛ والمرة الأولى منذ ما يقرب من خمس سنوات التي يتقابل فيها الجانبان وجهًا لوجه في بيئة غير معادية.

ديديه دروجبا… أكثر من مجرد لاعب كرة

نجاح دروجبا في إطفاء الحرب الأهلية في بلاده، جعل منه رمزًا للسلام، واختارته الأمم المتحدة عام 2007 سفيرًا للنوايا الحسنة لمكافحة الفقر، وقال دروجبا في الحفل: «أتيحت لي فرص للنجاح في الحياة، لكنني أفكر باستمرار في الأشخاص الذين لم تتح لهم هذه الفرصة، لذا نحن جميعًا بحاجة إلى المساهمة في هزيمة الفقر».

شارك دروجبا في العديد من الحملات الخيرية، منها حملة «الأربطة الحمراء» في عام 2009، التي تهدف لمكافحة «فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)» في أفريقيا، الحملة أطلقتها شركة «Nike» بالتعاون مع مؤسسة «Red»، و«الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا»، وقال دروجبا في المؤتمر الخاص بالحملة: «كان مهمًّا بالنسبة لي أن أشارك في الحملة؛ لأنني من أفريقيا».

العديد من الخدمات الإنسانية الأخرى قدمها دروجبا لبلاده، منها التبرع بمبلغ 3 ملايين جنيه إسترليني للمساعدة في بناء مستشفى في وطنه، كما اختارته مجلة «تايم» الأمريكية في عام 2010 ضمن المائة شخصية الأكثر نفوذًا في العالم، لإسهاماته في إنهاء صراع بلاده، وتحوله إلى رمز سلام أفريقي، وكان واحدًا من الرياضيين القلائل الذين اختارتهم المجلة لتضعه على الغلاف، لأنه لم يكن مجرد لاعب كرة؛ فقد أدرك أن عليه دورًا إنسانيًّا آخر؛ فأداه كما يجب.

محمد صلاح وأبو تريكة.. صديقان جمعتهما الرياضة ولم ثُفرقهما السياسة!

المصادر

تحميل المزيد