في نفس اليوم الذي باعت فيه المجلة الفرنسية الساخرة (شارلي إيبدو) خمسة ملايين نسخة لعددها الأخير – بغلافه الذي يحمل صورة النبي محمد– اعتقلت السلطات الفرنسية الكوميديان والناشط (ديودونيه مبالا مبالا) لأنه كتب على صفحته بالفيسبوك: “أتعاطف مع شارلي كوليبالي”. اتُّهم ديودونيه بـ”التحريض على الإرهاب”، لما بدا كإشارة للتضامن مع “أميدي كوليبالي”، الإسلامي المسلح الذي قتل 4 رهائن في محل بقالة بباريس يوم الجمعة 9 يناير. بدت العملية كتأييد للإرهابيين الذين نفذوا مجزرة شارلي إيبدو، قبلها بيومين.

تزامُن هذين الحدثين – حدث الاحتفاء بمجلّة تنشر رسومات مسيئة للأديان، ومثيرة لغضب ملايين المسلمين حول العالم، وحدث استعراض السلطة لعضلاتها على فنان كوميدي استفزازي– يعرّض فرنسا لاتهامات بالنفاق والكيل بمكيالين، فالوقت الحالي يبدو لمسلمي فرنسا أشبه بموسم مفتوح لإيذاء المسلمين وإظهار العداء لهم، بينما السلطة مستعدة لاستخدام قوتها الكاملة على ديودونيه، الذي يسخر من السلطة الفرنسية ويستمتع بإطلاق النكات المتوارية المعادية للسامية.

كان منشور الفيسبوك حركة بالغة الدهاء من ديودونيه، وكما كتبت من قبل فإن الكوميديان مارس لعبة القط والفأر هذه طويلاً مع الدولة الفرنسية، جالبًا لنفسه العديد من المحاكمات، ونصف دستة من الإدانات لإثارته الكراهية الطائفية، لكنه في نفس الوقت حظي بمتابعة الكثيرين واهتمامهم، لا سيما الشباب الساخطين بأفريقيا وشمال أفريقيا. واحتوت عروضه الكوميدية على نكات متوارية مثل “كان يجب على الألمان أن يتمّوا المهمة عام 1945”. من جانبها، حظيت شارلي إيبدو بثمان وأربعين محاكمة في العشرين عامًا الأخيرة، طبقًا لجريدة لوموند، وخسرت تسعًا منها، أغلبها بتهمة التجريح الشخصي، السبّ والقذف، وليس إشاعة الكراهية والتعصب. مثلاً أُدينت الجريدة بعد وصفها صحفيًا بأنه “متخلّف عقلي تمامًا”، وأيضًا عندما وصفت سياسي يميني بأنه “عاهرة بوخنفالد”، أحد معسكرات ألمانيا النازية. ولكن محاولات إدانة الجريدة بازدراء الأديان باء أغلبها بالفشل، سواءً كانت الإهانة موجهة إلى البابا جون باول الثاني، “البابا الحقير A shitty Pope”، أو نشر رسومات مسيئة للنبي محمد.

اختلاف المعاملة بين جريدة شارلي إيبدو والكوميديان ديودونيه، هو نتيجة لكتلة من القوانين الفرنسية المعقّدة التي تنظم حرية التعبير، والتي تتراوح بين الحرية التامّة والتقييد الشديد. بعد الثورة الفرنسية مباشرة، ألغت فرنسا قوانينها القديمة التي تجرّم الازدراء، وبهذا فإن رسومات شارلي إيبدو عن محمد ليست جريمة في عين القانون الفرنسي. وفي نفس الوقت، فإن قوانين الصحافة بفرنسا، التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، تنص على أن:

“التحريض على التمييز، أو الكراهية، أو العنف تجاه شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب العرق، أو الجنس، أو البلد، أو الدين يعتبر جريمة”.

بعبارة أخرى، يمكنك السخرية من النبي، ولكن لا يمكنك التحريض على كراهية تابعيه. لنعطي مثالين على ذلك، تمّت إدانة الممثلة (بريجيت باردو) وتغريمها، لأنها كتبت في 2006، قاصدة المسلمين بفرنسا: “لقد تعبنا من أن تُرغم أنوفنا هذه المجموعة التي تسعى لتخريب وطننا”. وفي وقتنا هذا، حوكم الكاتب (ميشيل ويلبيك) الذي أعلن عن روايته الجديدة في عدد شارلي إيبدو عشية الهجوم على الجريدة، حيث قال في أحد الحوارات معه إن الإسلام هو “الديانة الأغبى على الإطلاق”، ولكن تم تبرئته. باردو كانت توجه عداءها بوضوح نحو المسلمين أنفسهم، ولذا تمت إدانتها، بينما ويلبيك كان ينتقد الديانة، وهو فعل ازدراء، لكنه ليس بجريمة في فرنسا.

هذه التفرقة تعكس أثر الجذور المناهضة للنفوذ الكنسي، التي أتت منها فرنسا الحديثة. الأفراد يحميهم القانون، الكنائس والمذاهب لا حماية لها. فقد كان للجمهوريين الفرنسيين رغبة قوية في تدمير نفوذ الكنيسة الكاثوليكية، بعد إعادة تأسيس الجمهورية الفرنسية عام 1871م. لكن هذه الرغبة لم تصل إلى حد إصدار قانون أشبه بالتعديل الأول بالدستور الأمريكي، الذي يضمن حرية الأديان والتعبير. حرية التعبير مذكورة بشكل واضح في وثيقة حقوق الإنسان، ولكن في حيز التطبيق، فإن حرية التعبير في فرنسا محدودة أكثر بكثير من الولايات المتحدة، وهناك العديد من الاستثناءات المثيرة للجدل والتساؤل، أحدها هو قانون تم تمريره 1881م يحظر إهانة رأس الدولة. في 2008، فترة رئاسة نيكولا ساركوزي، رفض أحد الجماهير مصافحته، ليقول له ساركوزي: “Casse-toi، pauv’con!”، بمعنى “اذهب بعيدًا أيها الأحمق!”. أما عندما رفع متظاهر لافتة مكتوب عليها نفس العبارة، في اجتماع علني حضره ساركوزي، ثم اعتقال الرجل ومحاكمته. طبقًا للقانون الفرنسي يمكن لرئيس الجمهورية أن يسبّك، ولكن لا يمكنك أنت أن تسبّه، حتى باستخدام نفس العبارات!

قانون آخر تم تمريره عام 1990م، جرّم إنكار الهولوكوست، مذبحة اليهود التي ارتكبتها النازية. استهزأ ديودونيه بهذا القانون بأن دعا (روبرت فوريسن) – أحد المعروفين بإنكار المذبحة– ليصعد على خشبة المسرح وسط تصفيق حاد. وقد تفادى ديودونيه أي مساءلة قانونية بذكاء، حيث امتنع عن ذكر أي شيء عن نظريات فوريسن. وفي 2013، أصدرت فرنسا قانونًا يجرّم التحريض “المباشر أو غير المباشر” على الإرهاب، وهو القانون الذي يُحاكَم ديودونيه بموجبه الآن.

هذه الاستثناءات المختارة، والمثيرة للالتباس في حرية التعبير بفرنسا عرّضت الدولة لاتهامات بالانحياز السياسي. يجب أن تضع فرنسا في الاعتبار أن تفعل شيئًا حيال ذلك، إما أن تزيل جميع القيود عن حرية التعبير – بمبدأ أن الخطاب السيء لا يُردّ عليه إلا بخطاب مثله– أو تقوم بعمل أفضل في توضيح ما هو مسموح به، ولماذا. كونها لا تفعل أي من هذا يعيد إلى الأذهان تاريخ فرنسا في التحيز ضد الكنيسة والدين عمومًا.

نسخة فرنسا من فصل الدين عن الدولة – أو العلمانية الفرنسية laïcité– تحمل طابعًا معاديًا للدين أكثر بكثير من الموجود في “بند الإنشاء” بدستور الولايات المتحدة، والذي يحظر دعم أي مظهر ديني من الدولة، لا بهدف قمع الحرية الدينية، وإنما لإتاحة الفرصة لتعددية الأديان وحريتها. أما في فرنسا، فالمعركة الطويلة التي خاضها الجمهوريون ضد الكنيسة ولّدت عداءً واسعًا لمعظم مظاهر الدين المعلنة. برز هذا بقوة في عام 2004، عندما مرر البرلمان الفرنسي قانون الحجاب، ليمنع الفتيات المسلمات من ارتداء وشاح الرأس في المدارس. وفي 2010م، عندما مُنع النقاب في الأماكن العامة. صحيح أن القانون تضمّن منع الطاقية اليهودية والصلبان في المدارس أيضًا، لكن القانون كان موجهًا بوضوح إلى مسلمي فرنسا ليمنعهم من أحد مظاهر التعبير العلني عن الهوية. في الولايات المتحدة، كان مثل هذا المنع ليواجه معارضة من المحافظين والليبراليين على حد سواء، ولرأوا فيه تقييدًا خطيرًا لحرية الدين والتعبير كليهما.

  أول امرأتين يتم تغريمهما في فرنسا لارتداء النقاب: هند أحمد وكنزا درايدر

فرنسا ليست في مزاج رائق الآن، هذا صحيح، ولكن يُفضّل أن تتأمل الدولة في حقيقة أن أقلية أمريكا المسلمة – الحرّة في ارتداء الحجاب أو خلعه– أكثر اندماجًا في الحياة الأمريكية بكثير، مقارنة بمسلمي فرنسا. الرد الفرنسي على المجزرة التي وقعت حديثًا يدفع البلاد أكثر في اتجاه “طريقنا أو طريق السلامة” المستخدم لاستيعاب الأزمات، ومن الواضح أنها طريقة غير ناجحة. بعد المذبحة، فرضت المدارس الفرنسية دقيقة صمت حدادًا على روح ضحايا المجزرة، أُبلغ حينها عن حدوث مشاكل بسبب هذا القرار في أكثر من 70 مدرسة، معظمها يضم أعدادًا كبيرة من المسلمين. رفض الطلاب الانصياع لهذا القرار، وقد يرى الكثير من الفرنسيين الأمر كانحياز للإرهابيين، لكن الأمر ليس بالضرورة كذلك. ما فعلته الدولة الفرنسية هو أنها أجبرت هؤلاء الطلاب على إظهار الاحترام لجريدة تنتقص من نبيهم الذي يؤمنون به. إن كان من المسموح لشارلي إيبدو أن تنشر رسومًا مسيئة، فلا بد أن يكون الاعتراض السلمي على ذاك مسموحًا أيضًا.

بنظرة أوسع فيما يخص حرية التعبير، والتناقض الواسع في المعاملة بين شارلي وديودونيه، لا بد من النظر في التوجه العام للإعلام الفرنسي. يسيطر غير المسلمين تمامًا على كل وسائل الإعلام المرئي والمسموع، وليل نهار تُناقش محاسن ومساوئ الإسلام في الراديو والتلفاز، بلا محاولة جادة لعرض آراء المجتمع المسلم. صحيح أن المذيعين يتفادون خطاب الكراهية الصريح، لكنهم رغم كل شيء يقعون بشكل روتيني في تعميمات خاطئة وتنميط سلبي للمسلمين. في ذات السياق، نجد أن الرقابة الشديدة على ديودونيه وتصريحاته الاستفزازية تُعدّ متحيزة وغير متكافئة، وتعطيه للأسف مزيدًا من الأهمية أكثر مما يستحق فعلاً.

ما زالت فرنسا تترنح على أثر الهجمات، وربما تطلب الأمر وقتًا ليخرج رد فعل متزن. ولكن، إن كانت الدولة ترغب في أن تجعل هذه الأزمة نقطة تحول إلى وحدة وطنية جديدة، يجب أن تتسع مبادئها الجمهورية لتشمل جميع المواطنين، لا بعضًا منهم فقط. ربما تكون هذه المأساة إسفينًا يفرّق بين الإرهابيين وأغلبية المسلمين المسالمين بفرنسا، أو يعمّق الانقسام بين الأقليات الفرنسية والمجتمع.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد