أحدثت التفجيرات الأخيرة التي استهدفت منازل وممتلكات قيادات حركة فتح في قطاع غزة، حالة من التوتر والإرباك في صفوف الفلسطينيين كافة، وبدأت فصول جديدة من تبادل الاتهامات لحركة حماس بوقوفها وراء ذلك، للتشويش على استعدادات حركة فتح الاحتفال في ذكرى وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات للعام العاشر على التوالي.

حركة حماس التي أدارت قطاع غزة لثماني سنوات، ومن ثم تسلمت حكومة الوفاق الوطني في الثالث والعشرين من أبريل الماضي زمام الأمور في الضفة وغزة، نفت علاقتها بالتفجيرات الأخيرة، ودعت الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة بالمباشرة في التحقيق وإعلان النتائج.

حتى الآن تجري تحقيقات التفجيرات التي لم توقع إصابات على قدم وساق في قطاع غزة، دون التثبت من أي شيء، إلا أن حكومة الوفاق الفلسطينية ألغت زيارتها التي كانت مقررة يوم أمس إلى قطاع غزة، للمشاركة في الاحتفال.

من المستهدف في التفجيرات؟

وكان مجهولون قد فجروا منازل عدد من قادة حركة فتح في قطاع غزة، فجر يوم الجمعة الماضي، بعبوات ناسفة زرعت أمام منازلهم، كما طال الهجوم أيضًا منصة الاحتفال التي كانت معدة لإحياء ذكرى وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات.

واستهدفت هذه الانفجارات عددًا من منازل وسيارات قيادات حركة فتح، من بينهم محافظ غزة وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح السابق، عبد الله الإفرنجي، والدكتور فيصل أبو شهلا عضو المجلس التشريعي عن حركة فتح، وأبو جودة النحال عضو المجلس الثوري لحركة فتح، والدكتور فايز أبو عيطة المتحدث باسم حركة فتح، وعبد الرحمن حمد عضو الهيئة القيادية لحركة فتح في غزة، وعبد الجواد زيادة، وشريف أبو وطفة، وجمال عبيد وزياد مطر.

واللافت في هذه التفجيرات أنه وجد في الأماكن التي تم تفجيرها بيانات باسم تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق “داعش” تتبناها، مما أحدث حالة من القلق والريبة لدى الفلسطينيين من وصول هذه الجماعة، حسب ما رأوا من بيانات.

كيف نظرت الفصائل الفلسطينية للتفجيرات؟

فصائل المقاومة الفلسطينية، التي باشرت بإدانة الحادث، واعتباره تطورًا خطيرًا يمكن أن يقود إلى انزلاق الوضع الداخلي في صراع بعيد عن الصراع الرئيس مع إسرائيل، وإلى ما يشبه الصراع الجاري في بعض البلدان العربية الذي تديره قوى التطرف والإرهاب، دعت إلى التحقيق وملاحقة المتورطين وتقديمهم للعدالة.

وما أن أشارت أصابع الاتهام إلى حركة حماس بالمسؤولية الكاملة عن التفجيرات، قالت حماس: “إنه لا يجوز أن نتخذ من هذا الحادث حجة للتملص من المصالحة أو حجة لتملص الحكومة من مسؤولياتها”.

وتساءل عضو المكتب السياسي فيها خليل الحية عن المستفيد من هذه الحوادث في هذا الوقت؟، قائلاً: “نقول لفتح لماذا إلقاء التهم جزافًا وماذا ستستفيد حماس من أن تضع عبوات على أبواب البيوت، فحماس وقسامها المظفر الذي أذاق الاحتلال كل صنوف العذاب لا تختفي خلف عبوة هنا أو هناك”.

وأضاف: “نقول لإخواننا في فتح إذا كان معكم أسماء وإشارات اعطوها لإخواننا في الأجهزة الأمنية التي عملت منذ منتصف الليل لكشف المتورطين، لا لنختفي خلف الحوادث للتهرب من المصالحة”.
وأردف القيادي بحماس قائلاً: “إذا كان ثمن المصالحة التهرب من المصالح فمن حقنا أن نضع 100 علامة استفهام على الفاعلين”، مشددًا على ضرورة إقامة مهرجان الرئيس الراحل ياسر عرفات بغزة، والحفاظ عليه “حتى لا نعطي الذريعة لأحد أنه يمكن أن يضرب وحدتنا، فإذا كان غرض الفاعلين ضرب وحدتنا فتعالوا نحييها”.

وتوجهت الأجهزة الأمنية في قطاع غزة من أجل سرعة التحرك والكشف عن مرتكبي هذه الجريمة وتقديمهم للعدالة، وتحمل مسؤولياتها في وضع حد لأي مجموعات أو تيارات تعتمد العنف طريقًا لتحقيق غاياتها، أو لفرض رؤيتها ورأيها حتى لا يُجر القطاع إلى وضع لا يمكن السيطرة عليه.

ما الأثر الذي ستتركه هذه التفجيرات على قطاع غزة؟

أمام ما جرى لقيادات حركة فتح من تفجير منازلهم وسياراتهم، فإن محللين يرون أن هذه التفجيرات تأتي في سياق تصفية حسابات بين القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، وخصمه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، عشية إحياء ذكرى عرفات العاشرة.

ولفتوا إلى أن التفجيرات تأتي على النقيض من مشاريع الحكومة لإعادة إعمار القطاع ودمج المؤسسات الوطنية لإنهاء الانقسام”.

وكانت هناك مشادات وعراك بالأيدي وقعت بين عناصر محسوبة على رئيس السلطة محمود عباس وأخرى مؤيدة للقيادي المفصول من فتح محمد دحلان خلال حفل تكريم لشهداء الحرب الأخيرة على غزة.

وفي الإطار نفسه، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح بنابلس الدكتور عبد الستار قاسم إن “الخصومة بين الرجلين، وحالة الاستقطاب الحادة بين أنصار كل طرف منهما في قطاع غزة، قد تؤدي إلى مثل هذه التفجيرات، وأن يتحول الصراع السياسي إلى ميداني”.

وأشار قاسم إلى أنه من الصعوبة توجيه أصابع الاتهام إلى أحد الأطراف قبل تحديد الأجهزة الأمنية والجهات المختصة بالتحقيق في قطاع غزة أصابع الاتهام لمن يقف وراءها”.

ولم يتوقف المشهد في القطاع فحسب بل تعداه إلى اقتحام مجهولين على منزل رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين في الضفة الغربية وأحد قيادات (فتح) زياد أبو عين والاستيلاء على خزنة كبيرة من داخل منزله.

إلى ذلك، لم يستبعد المحلل السياسي هاني البسوس، أن تكون هناك أيادٍ وصفها بـ”الخفية”، تعمل لصالح “زعزعة الداخل الفلسطيني، وإشغال الساحة بدوامة الفوضى والعنف”.

ويقول البسوس: “من المستبعد قبل أن تنتهي التحقيقات، وملابسات الحادثة، الكشف عن هوية الفاعل، ولكن من الوراد جدًّا أن يقف وراء مثل هذه التفجيرات، أطراف تريد لقطاع غزة، أن ينشغل في الفوضى، والصراعات الداخلية، بعيدًا عن الإعمار وتحقيق الوفاق”.

وأضاف: “هذه الأطراف تخدّم إسرائيل، فهي تزيد من عزلة قطاع غزة، وحرف المسار عن معاناة قرابة مليوني مواطن، وخلّط الأوراق في الساحة الفلسطينية”.

ولفت إلى أن أهم اختبار أمام حركة حماس والأجهزة الأمنية في غزة، هو “تأمين مهرجان عرفات، والتأكيد على رسالة الوحدة الوطنية، حتى يبقى القطاع في منأى عن الفوضى”.

ما جذور الخلاف بين عباس ودحلان؟

وإن كانت التفجيرات التي وقعت على خلفية تصفية الحسابات والخلافات بين عباس ودحلان، فلا بد من الإشارة إلى أصل هذه الخلافات، وأسبابها، وإلى أين وصلت، وما تأثيراتها.

حيث كشفت مصادر فلسطينية موثوقة أن الأشهر القليلة الماضية قد شهدت المزيد من الخلاف بين رئيس السلطة محمود عباس والنائب عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) محمد دحلان المسؤول السابق عن الأمن في قطاع غزة.

وأشارت المصادر نقلاً عن موقع الجزيرة نت إلى أن ثلاث قضايا فاقمت العلاقة بين الرجلين: الأولى اتهام مساعدين لعباس دحلان بأنه وراء تحريض قيادات في فتح وخاصة ناصر القدوة على أنهم أحق من عباس ورئيس حكومته سلام فياض بالحكم واستلام زمام الأمور بالسلطة الفلسطينية.

والثانية هي سعي دحلان لتعزيز نفوذه بالأجهزة الأمنية والوزارات في الضفة الغربية وهو ما أغضب تلك القيادات، التي تتهم دحلان بأنه المسؤول المباشر عن سقوط غزة بيد حركة حماس.

بينما الثالثة التي فاقمت الخلاف بشكل حاد هي تدخل دحلان بملف تشكيل الحكومة الجديدة لفياض، وهو الأمر الذي أزعج فياض وعباس معًا. وأضافت المصادر أن دحلان تطوع للاتصال بشخصيات في قطاع غزة وعرض عليها الانضمام للحكومة التي توقف الحديث عنها عقب هذا التدخل.

وبحسب المصادر فإنه بعد تفاقم الخلافات بين عباس ودحلان أمر الرئيس الفلسطيني بسحب الحراسات بالقرب من منزل القيادي في فتح بمدينة رام الله.

هذه الخلافات كما يرى مراقبون أنها جزء من مؤامرة أمريكية إسرائيلية كبيرة لفرض أمر واقع وحصر السلطة في الزاوية، أثمر فيما أثمر عن تشويه كبير في جسد القضية النضالية الفلسطينية.

وبغض النظر عما إذا كان دحلان خيارًا أمريكيًّا لقيادة السلطة في المرحلة القادمة أو إذا كانت ورقة عباس قد احترقت واقتربت نهايته، يؤكد المراقبون والمحللون أنّ الطرفين خاسران في نظر الشعب الفلسطيني الذي يواجه الحصار والاحتلال بينما ينشغل القادة بمراشقات شخصية.

وكان دحلان فُصل من حركة فتح في يونيو/ حزيران 2011، وأحيل إلى القضاء بتهم جنائية ومالية، فيما يقول مراقبون وأوساط قريبة من السلطة إن الخلاف لا يعدو كونه خلافًا شخصيًّا بين دحلان وعباس، أضفى عليه الأخير صبغة تنظيمية ووضعه في قالب جنائي.

فيما هاجم عباس بشدة في 13 مارس الجاري دحلان، ولمح لمسؤوليته عن وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وست قيادات فلسطينية أخرى، مشيرًا إلى ضلوعه في المحاولة الأولى لاغتيال القيادي في حركة حماس صلاح شحادة وقصف مقر جهاز الأمن الوقائي في رام الله عام 2002 وغيرها.

وكشف الرئيس الفلسطيني معلومات حول علاقات دحلان بقيادات إسرائيلية وتخابره معها، منها وجود خلية تابعة له تتجسس على حزب الله في الجنوب اللبناني، وأخرى في سيناء للتجسس على حركة حماس.

عرض التعليقات
تحميل المزيد