يسعى بعض صُنَّاع الأفلام إلى تقديم تجربة نفسية وإبداعية للمشاهد، تلك التجربة رغم خيالية قصتها، تترك عظيم أثرها في المشاهد، إذا جرى ربطها بالواقع. ومن أجل ذلك لجأت دور العرض السينمائي لتقنيات مثل اهتزاز المقاعد عند حدوث مشهد زلزال أو تصادم، أو رش رذاذ الماء على المشاهدين في السينما أثناء المشاهد المتضمنة العواصف والأمطار، لكن مهما تطورت السينما والأعمال الدرامية؛ هناك بعض الحواس التي لا تستطيع مخاطبتها؛ مثل حاسة الشم.

لكن حتى هذه الحاسة يسعى العلماء وبعض صناع الأفلام للوصول إليها مباشرةً من خلال ما يسمى بـ«الشم الرقمي» أو «العطور الرقمية»؛ فهل من الممكن أن يأتي اليوم الذي نستطيع فيه إرسال الروائح رقميًّا؟ هذا ما نجيب لك عنه في هذا التقرير.

خوارزمية الروائح.. هل الذكاء الاصطناعي قادر على صناعة العطور؟

يلعب الذكاء الاصطناعي الآن دورًا مهمًّا في تشكيل مستقبل البشر والآلات على حدٍّ سواء، ومن خلال سعي بعض الشركات المنتجة للعطور للوصول إلى عطور فريدة يمكن إنتاجها في دقائق معدودة، ظهرت في نهاية عام 2019 تجربة فريدة من نوعها، وهي «العطور الرقمية» من صناعة الذكاء الاصطناعي.

شركة «Givaudan» السويسرية لصناعة العطور صممت جهازًا اسمه «كارتو» يمكنه صناعة العطور، ومن خلال عمليات تلقائية يقوم بها هذا الجهاز مستخدمًا ذكاءه الاصطناعي؛ يقترح على صناع العطور تركيبات مميزة، ويظهر على شاشة عرضه المكونات المقترحة.

شاهد «كارتو» من هُنا:

تلك الشاشة التي تعمل بخاصية اللمس، ويمكن لصناع العطور بلمسة واحدة تجميع المكونات التي اقترحها عليهم «كارتو» لصناعة عطر جديد، وتلك العملية – كما يؤكد صناع الجهاز – تعد طريقةً أسرع وأكثر كفاءة من الطرق التقليدية لصناعة العطور، خاصةً وأن كارتو يعمل في لحظاتٍ على تجهيز تلك المكونات وتقديمها على شكل عطر جديد يمكن للشركة أن تختبر مدى جودته قبل أن تخوض تجربة جديدة بغرض الوصول لإنتاج العطر المثالي.

و«كارتو» ليس التجربة الوحيدة لصناعة العطور عن طريق الذكاء الاصطناعي؛ هناك أيضًا «فيليرا». فبالتشارك مع «IBM Research»، أطلقت شركة العطور الألمانية «Symrise» مشروع صناعة ذكاء اصطناعي أسمته «فيليرا» وهو اسم آلهة العطور اليونانية، وتعد خبرة هذا الجهاز في صناعة العطور الجديدة والمبتكرة مساوية لقدرة صانع عطور درس هذا المجال ما يقرب من 10 سنوات.

التقنية التي يعمل بها الجهازان – فيليرا وكارتو – يطلق عليها «Algorithmic Perfumery» خوارزمية الروائح أو العطور الرقمية، ويعَد معمل «scentronix» الهولندي، من أشهر المعامل التي تعمل على تطوير تلك التقنية، ويمكنك مشاهدة بعض خطوات صناعة العطور الرقمية هُنا.

العطور الرقمية.. هل يمكنك «شم» هذا المشهد؟

تلك التقنية – خوارزمية الروائح –  التي استطاعت إدخال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في تطوير العطور وتصنيعها؛ أثارت اهتمام صانع الأفلام الهولندي فريدريك دويرينك، والذي يسعى الآن لصناعة قلادة فريدة من نوعها.

تلك القلادة ليست للتجميل أو الإكسسوار؛ بل هي لغرضٍ آخر، فهي تحتوي على صندوق صغير يبلغ حجمه خمسة سنتيمترات طولًا وخمسة سنتيمترات عرضًا، وجاري العمل على تصغير حجم الصندوق ليكون أصغر وأخف، هذا الصندوق الصغير الملحق بالقلادة يحتوي على ما أطلق عليه فريدريك «فقاعة الروائح» والتي صُممت لرش رذاذ العطر المطلوب عند تلقي الأمر التقني، والغرض من تلك القلادة هو أن تكون تلك العطور الرقمية مخزنةً على جهاز صغير يمكن التنقل به.

شاهد لقاء لفريدريك من داخل معمل «scentronix» الهولندي:

ما يطمح له فريدرك من هذا الجهاز هو أن يرتديه المشاهد أثناء مشاهدة أي عمل درامي، وبرمجة القلادة من هاتفه على اسم الفيلم، فيستطيع الجهاز الذي يتمتع بذكاء «كارتو» نفسه؛ من صناعة العطر المميز الموجود في المشهد الذي تراه على الشاشة في لحظات ورشه في الهواء؛ فتشعر وأنت ترى المشهد وتسمعه أنك تشمه أيضًا.

هذا المشروع نظريًّا قابل للتنفيذ، لكن ما زالت هناك بعض العقبات التي تواجه فريدريك، مثل الحجم الصندوق الذي يجب أن يكون أصغر، وجودة الرائحة.

لكنه يؤكد في تصريحاته أن النموذج الأول يعد دليلًا على إمكانية تنفيذ هذا الجهاز، وأنه يسعى الآن إلى الحصول على براءة اختراع لكسب ثقة المستثمرين لتأمين التمويل المادي الذي يمنحه القدرة على تخطي تلك العقبات، وإخراج مشروعه كاملًا إلى النور.

تجربة فريدرك ليست الأولى من نوعها، التي تسعى لاستهداف حاسة الشم لدى المشاهدين أو الجماهير، فأهمية حاسة الشم أدركها البشر منذ عصر الإغريق، وسُجلت واقعة من هذه الحقبة في قصيدة تحكي عن هذا اليوم الذي غُمرت فيه أجنحة الطيور بالزيوت المعطرة لنشر الروائح الطيبة فوق رؤوس الضيوف أثناء واحدة من الولائم المهمة.

ففي عام 1916 جاءت المحاولة الأولى لإضافة العطر في التجربة السينمائية، ثم جاءت تجربة «Smellovision» أو  «Scentovision» في عام 1939 والتي كانت عبارة أن أنابيب موصلة بكراسي المشاهدين تستطيع أن تطلق من خلالها العطر الذي تريده بالتزامن مع مشهد بعينه يعرض على شاشة السينما، لكن هذا الجهاز لم يحصل على الاهتمام الدعائي الكافي في هذا الوقت، وبالتالي لم يحصل على التمويل الذي يمكنه من الخروج في شكل منتجٍ مستخدمٍ في جميع دور العرض.

لكن على جانب آخر، تحتاج تلك الطرق المُجربة في الماضي إلى التدخل البشري ولا تقدم إلا أعدادًا قليلة من العطور المعدة مسبقًا على يد البشر، كما أنها تطلب وجود المشاهد في دور العرض، بينما المشروع الذي يسعى فريدرك إليه، هو ذكاء اصطناعي مستقل، قادر على صناعة العطور بنفسه بناءً على المشاهد التي يحصل على المعلومات الخاصة بها من الفيلم، ويمكن للمشاهد أن يخوض هذه التجربة وهو جالس على أريكة منزله يشاهد فيلمه أو مسلسله المفضل على «نيتفلكس».

لكن.. هل سيتاح للبشر إرسال الروائح عن طريق الإنترنت؟

قديمًا وقبل اختراع الهاتف، إذا أخبرت أحدًا بأن هناك طريقة تنقل الصوت من مكان لمكان أيًّا كانت المسافة بين الصوت والمتلقي؛ لقال عنك إنك مجنون، وإذا كنت أعطيت هذا الشخص هاتفًا محمولًا وسمع من خلاله صوت أحد أحبائه الذي يعيش في مكانٍ بعيدٍ؛ فسيقول إنك ساحر أو مشعوذ. لكن الآن؛ يمكنك بضغطة زر واحدة أن تسجل رسالة صوتية وترسلها في اللحظة نفسها لشخص آخر قد تفصلك عنه بلاد وقارات، فهل ينطبق الأمر في المستقبل على الروائح؟

يقول ديفيد إدواردز، مهندس الطب الحيوي في جامعة «هارفارد» ومؤسس «Le Laboratoire»، المعروف بإنتاج أجهزة حسِّية مثل رذاذ الشوكولاتة الخالي من السعرات الحرارية: «إذا كانت الصورة تغني عن ألف كلمة، فيمكن للرائحة أن تغني عن ألف صورة»، موضحًا أن كل إنسان لديه الآلاف من مستشعرات الرائحة، ومن هنا جاءته فكرة الـ«Ophone» .

تخيل أنك وشريك حياتك تتشاركان في حب رائحة القهوة، وسافر شريكك لبلدٍ بعيدٍ وتناول في أحد المقاهي فنجانًا رائعًا من القهوة وأراد أن يشاركك تلك اللحظة، الطبيعي أن يرسل لك صورته، لكن «Ophone» الموضوع بجوارك على المنضدة في منزلكم، يمنحه فرصةَ إرسال تلك الرائحة لك، فيخبرك هذا الهاتف بأن هناك رسالة لك من شريكك، تضغط لاستقبالها فتصدر رائحة القهوة التي اختار أن يرسلها شريكك، ويستطيع هذا الهاتف، الذي يستخدم نظام أندرويد، أن يرسل روائح أخرى مثل المخبوزات ورائحة البحر والزهور.

يمكن لشريكك الذي يمتلك نسخة «OPhone» مزج الروائح  – كما هو موضح في المقطع المصور بالأعلى – ومطابقتها ثم إرسال تركيبتها في رسالةٍ، سيتم إعادة إنشائها على جهازك!

وعندما أطلق الجهاز للمرة الأولى في عام 2014 كان يحتوي على 356 رائحةً يمكنك مزجها وإرسالها عن طريق الهاتف، بشرط أن يكون المستقبل للرسالة يملك الهاتف نفسه.

الاهتمام العلمي والأبحاث التي تسعى إلى وصول البشر لإرسال الروائح عن طريق الإنترنت، أو أن تكون حاسة الشم عاملًا مشاركًا في مشاهدة الأعمال الدرامية سواءً في دور العرض أو المنزل، تعمل على قدمٍ وساقٍ في أكثر من بلدٍ.

ومن خلال ما نراه الآن من تطور علمي في وسائل التواصل، لم يعد هذا الأمر مستحيلًا، وقد يأتي اليوم الذي تشاهد فيه مسلسل «فريندز» وتستطيع «شم» طعام مونيكا جيلر، أو تشاهد فيلمًا وثائقيًّا عن الحرب العالمية الثانية فتشم رائحة البارود والتفجيرات، وهذا المشهد الذي ترى فيه الممثل يقف على البحر يستنشق رائحة اليود ويتنهد باستمتاع؛ ستكون مشاركًا فيه ليس بالنظر والتمني فقط، بل بحاسة الشم لديك أيضًا.

علوم

منذ 5 شهور
الذكاء الاصطناعي يحاصرنا.. هل تطيح الروبوتات بالأطباء النفسيين قريبًا؟

المصادر

تحميل المزيد