بالأمس، كان العالم منغلقًا، لا يتيح لك سوى قليلًا من الاختيارات، وكنا مُقيدين بطبيعة أعمالنا التي تستوجب وجودنا بمقر العمل، خمسة أيام في الأسبوع وثمان ساعات في اليوم، أما السفر والترحال فكان متعلقًا بالإجازات السنوية ومدتها المحدودة التي لا تتعدى شهرًا واحدًا، ثم جاء بعد ذلك العصر الرقمي الذي غيَّر كل شيء، ونتجت عنه أعمال جديدة، لا ترتبط بمكاتب موضوعة حبيسة المباني الضخمة، بل تتيح لك العمل من أي مكان طالما تمتلك حاسوبك الخاص، وشبكة إنترنت قوية.

من هنا جاء مصطلح الرحل الرقميون أو «Digital nomads»، وهم مجموعة من الأفراد الرُحل يجوبون العالم حاملين حواسبهم معهم، أما وظائفهم؛ فهي كل المهن الحرة التي تستطيع أن تقوم بها عن طريق الإنترنت، بعضهم مصممو جرافيك أو كتاب أو صحافيون، والبعض الآخر مترجمون أو يعملون في مجال السوشيال ميديا أو يقومون بإعطاء بعض الكورسات والدروس عبر الإنترنت، ويعملون بطريقة حرة؛ إذ يتيح لهم ذلك الرفاهية اللازمة للسفر عبر العالم وفي نفس الوقت مزاولة مهنتهم وترتيب مواعيدهم بما يتناسب مع طبيعة حياتهم. إذ يمكنك بهذه الطريقة العمل من تايلاند أو من شاطئ البحر بجزر المالديف، تمامًا كما يمكنك العمل من المنزل.

يقول عن ذلك أر.إل. آدمز في مجلة «فوربس» الأمريكية أن البشر كانوا في بداية حياتهم بدوًا رحل لا يعرفون الاستقرار في مكانٍ واحد، يتتبعون النجوم والصحاري ويعيشون على الصيد، وذلك حتى نشأة المدن الحديثة التي خنقت أية فرصة للإنسان الحديث للتنقل بحرية من مكانٍ لآخر بين المراعي الخضراء؛ إذ تحول حلم الإنسان الحديث «الحلم الأمريكي» إلى حلم استحواذ على أفخم الماركات العالمية والسيارات والعقارات الفخمة، وأصبحت مواردنا المالية وطاقاتنا تبذل من أجل أن ندفع ثمن أشياء قمنا بشرائها بالفعل -القروض وكروت المشتريات كانت تدفع عوضًا عنا- حتى أصبحنا مُقيدين بالتزاماتنا غير قادرين على الخروج من عنق الزجاجة، ما بالك بالعمل الحر.

يضيف آدمز: «معظم الناس يريدون فك قيودهم، والخروج في مغامرة لاستكشاف العالم بحرية، يريدون حزم حقائبهم دون معرفة وجهتهم ويعبرون نصف الكرة الأرضية، إلا أن العُطلات البسيطة، أو حتى التخلي عن بعض الالتزامات للمكوث في بلدٍ ما لا تتيح ذلك إلا لبضعة أيام، نظرًا لطبيعة العمل التي تستوجب حضورًا ماديًا للفرد داخل مقر الشركة». ويرى آدامز أن الحرية الحقيقية تكمن في العمل الحر المتنقل، وأن الترحال الرقمي يتيح لك أن تجوب العالم دون حدود للالتزام بها، مع القدرة على العيش والعمل من أي مكانٍ بالعالم، وهي ذروة الحياة وهدفها النهائي، بحسبه.

الجميع يعودون إلى موطنهم الأصلي.. أشياء يجب أن تعرفها عن حياة «الرحالة الرقمي»

بعض الأفراد يظهرون العمل الرقمي إلى جانب الترحال كأنه عطلة لا تنتهي، يختلف معهم جوهانس فوكنر؛ إذ يقول: «إن كنت تريد أن تصبح رحالة رقميًا من أجل العمل على الشاطئ وأنت تحتسي مشروبك المفضل، أرجوك توقف، فالوضع مختلف بعض الشيء».

أحيانًا نهرب إلى غرف الفنادق المظلمة أو بارات الشواطئ الفارغة فقط للبحث عن اتصالٍ جيد بشبكة الإنترنت، وعندما نحتاج فعلًا لإنجاز العمل نبذل قصارى جهدنا للبقاء بعيدًا عن السياح من أجل مزيدٍ من التركيز، أن تجوب العالم في رحلةٍ طويلة وتصبح مُنتجًا في الوقت ذاته، هو تحدٍ حقيقي. *جوهانس فوكنر

يرى فوكنر أن العمل عبر الإنترنت قد يتيح لك السفر حول العالم ومشاهدة العديد من الأماكن المدهشة التي لطالما حلمت بها، إلا أنه في الوقت ذاته مرهق، وقد يتطلب في بعض الأحيان عدد ساعات أكبر من العمل الاعتيادي، لكنها كلفة السعادة. وقد كشفت دراسة حديثة بمعهد الاقتصاد الألماني في مدينة كولونيا، أن العمال المتنقلون في ألمانيا تزيد عدد ساعات عملهم عن 10 ساعات، لكن المثير للاهتمام حقًا أن هؤلاء العاملون يشعرون بمزيد من الاستقلالية عبر أداء العمل على هذا النحو، كما أن شعورهم بالرضا عن العمل مرتفع بالرغم من ذلك.

Embed from Getty Images

في بعض الأحيان قد يكون الأجر الذي تتقاضاه شهريًا عن عملك، بحسب فوكنر، أقل من ألف دولار، وهو أجر قليل نسبيًا ولن يتيح لك سوى السفر إلى البلدان ذات التكلفة المعيشية المنخفضة، مثل جنوب شرق آسيا، إلا أن طموحك أو هدفك الأساسي يجب أن يكون الاستقلال التام والذي يتيحه لك إدارة نشاطك التجاري الخاص، مما يجعلك في المستقبل قادرًا على تحمل تكلفة المعيشة في بلدان مثل ميونيخ ولندن وسان فرانسيسكو.

إذا كنت تنوي السفر حقًا فهذه أفضل 10 دول للسفر والاستمتاع بها في 2019

وعلى الرغم من أن العمل الحر وحياة الترحال بها الكثير من المميزات، إلا أنك لا تستطيع أن تفعل ذلك إلى الأبد، إذ يقول فوكنر أنه ومن بين الرحالة الذين قابلهم خلال رحلاته لم يفعل ذلك أحد إلى الأبد، فبعضهم استمر ستة أشهر قبل أن يعود لبلده الأصلي، والبعض الآخر استمر 10 سنوات، إلا أنه في الحالتين؛ فإن الجميع يصل في إحدى مراحل الحياة إلى الرغبة في الراحة وبعض الاستقرار، لذلك لا تهدر طاقتك، وحاول أن تصل بالاستقلال المادي إلى الحد الأقصى في مهنتك والذي يتيح لك العودة، وتحمل تكلفة الحياة سواء في بلدتك الأصلية أو أي دولة أخرى تختارها للاستقرار، فالبعض يعمل على إنشاء مواقعهم التجارية الخاصة عبر الإنترنت، ويقومون بتطويرها لسنوات من أجل الوصول إلى هذه المرحلة.

ما هي المهارات التي تحتاجها للعمل رحالة بدوامٍ كامل؟

إن كانت طبيعة الحياة تلك تناسبك، إليك بعض النصائح ممن سلكوا هذا الدرب من قبلك، لكن في البداية يجب أن تعرف شيئًا: «لا يوجد مسار واحد محدد للعمل المتنقل وحياة الترحال».

قم بتقليل روابطك بالمكان الذي تعيش فيه.. النصيحة الأولى

علاقة الفرد بالمكان الذي يحيا فيه ليست مقتصرة فقط على الأفراد الذين يشاركونه تلك الحياة من العائلة والأصدقاء والمعارف، بل يتخللها أيضًا عقود إيجار طويلة الأمد، وقرض سيارة، والكثير من الالتزامات المادية الأخرى، والتي تعمل على تقييده من المغامرة وعيش نمط حياة حر، ولذلك تكمن الخطوة الأولى في التخلص من تلك الالتزامات والقروض واشتراكات النادي الصحي والرياضي وإلغاء ديون بطاقات الائتمان.

Embed from Getty Images

أما الخطوة الثانية فتكمن في الانضمام إلى مجتمع يضم الرحالة الرقميين، وستجد ضالتك في موقع «Indie»، أو موقع «Unsettled»؛ إذ سيوفر ذلك لك الكثير من المعلومات التي تحتاجها عن الأعمال المتاحة، وطرق تنمية مهاراتك، كما ستتيح لك البدء في العمل الرقمي الحر، كما يمكنك العمل بدوامٍ جزئي في البداية قبل أن تودع وظيفتك القديمة، وذلك لاختبار قدراتك.

«تعرف على مهاراتك»، هي النصيحة الثالثة؛ إذ يعد معرفة المهارات التي تمتلكها وكيفية إدارتها واستثمارها عبر الإنترنت هو حجر الأساس لخوض هذه المغامرة، أما المهارات التي تحتاج إليها فتبدأ من معرفتك الجيدة باستخدام الحاسب الآلي والإنترنت، وتشمل بعد ذلك مهارات العمل عن بعد الشائعة، مثل: «الكتابة المحترفة والتسويق والتصميم والتصوير الفوتوغرافي، كما أن تعليم اللغة الإنجليزية عن بعد هو خيار واسع لمن يتحدثون تلك اللغة بطلاقة».

دليلك المبسط للسفر والإقامة والعمل في تركيا

بعدما تحدد وجهتك في درب العمل الحر عن طريق الإنترنت، قم باختيار إحدى مواقع التوظيف التالية، واعثر على الوظيفة التي تناسبك، أنشئ حسابًا على موقع مثل: «We Work Remotely» أو «Remote Ok»، وستجد العديد من الوظائف التي تناسب كافة المهارات من المحاسبة والاستشاريين إلى المصورين الفوتوغرافيين، كما يمكنك البدء ببعض الوظائف السهلة مثل خدمة العملاء والكتابة والتحرير والنسخ، ومن ثم تنمية مهاراتك الأخرى لتحقيق ربح مادي كبير.

إذا كنت تخشى السفر في البداية دون عملٍ مستقر ودائم، يمكنك التقديم في إحدى الجامعات بالخارج، سيعطيك ذلك بعض الشجاعة التي تحتاجها للسفر دون خسائر، كما يمكنك العمل في العطلات وذلك حتى تستقر في عملك الحر الجديد، ويصبح مصدرًا جيدًا للدخل بالنسبة إليك.

«قم بعمل خطة جيدة والتزم بها»، تخطيطك الجيد لرحلاتك وتنظيمك لعملك هما حجر الأساس للاستمرار دون فشل، ولذلك حاول تأمين أكثر من خطة صالحة للاستخدام، ومن ثم قم بتحديد وجهتك الأولى، وكن صادقًا مع نفسك بخصوص الأشياء التي تحتاج إليها في موقعك الجديد، بيت مريح وإنترنت جيد على سبيل المثال، وكن واقعيًا بخصوص الموازنة بين دخلك واحتياجاتك؛ إذ يجب أن تتضمن خطتك تفصيلًا واضحًا لتكلفة معيشتك في موقعك الجديد من طعام وشراب وإيجار وحتى وسائل ترفيه.

بمجرد أن تؤمن عملك الحر، ويبدأ في ضخ الأموال عليك؛ يمكنك حينها البدء في قاعدة عملك المستقل، أنشئ موقع الإنترنت الخاص بك لتسويق أعمالك، وقم ببناء قاعدة عملائك الخاصة وسمعتك، لتصبح في حد ذاتك علامة تجارية، وحينها تستطيع فعلًا العمل من أي مكانٍ بالعالم دون القلق حول النفقات بل والادخار أيضًا.

مجتمعات الرحالة.. أكثر من مجرد مواقع إلكترونية

يعد موقع «unsettled»، من المواقع الخاصة بلم شمل العاملين عن بعد والرحالة حول العالم، باعتباره مجتمعًا مصغرًا، يتوق كل فرد فيه للتعرف على أفرادٍ آخرين يحملون نفس الأفكار والتوجهات والتجارب، إلا أنه قد خرج في الآونة الأخيرة، من مجرد بوتقة صغيرة تجمع ذوي الثقافات المختلفة، إلى شركة ناشئة تقوم بتنظيم تجارب تعاونية لمدة 30 يوم حول العالم؛ للأشخاص المبدعين ورجال الأعمال وغيرهم من المهنيين الذين يسعون للجمع بين العمل والسفر وإعادة تعريف أنفسهم. وتعد الشركة واحدة من عشرات البرامج الجديدة لسياحة العمل والتي تهدف إلى مساعدة العمالة المتنقلة حول العالم.

كانت تلك البرامج خير داعم لهؤلاء الذين لا يريدون التضحية بوظائفهم ومنازلهم لاختبار حياة المغامرة لمدة شهرٍ كامل، فتقول عن ذلك ستايسي شاسولاس والتي انضمت إلى إحدى برامج «unsettled» في بوينس آيرس الخريف الماضي: «كانت فرصة لتغيير إيقاعات الحياة»؛ إذ انضمت ترايسي مع شريكها تيرون نيلاند -36 عامًا- إلى البرنامج، وكان الاثنان على الرغم من حبهما للسفر والمغامرة إلا أنهما أرادا الحفاظ على وظائفهما في بلدهما الأم، وفي نفس الوقت اختبار نمط الحياة هذا وإن كان يناسبهم.

Embed from Getty Images

كان مفهوم «غير مستقر» والذي سميت عليه الشركة يرمز إلى عدم الاستقرار في مكانٍ واحد، وكأن العالم هو منزلك، وهو مفهوم جديد إلى حدٍ ما على البيئة المهنية، إلا أن الاهتمام يتزايد الآن بمثل هذه المنصات، وعدد العاملين عن بعد والرحل يتزايد كل يوم بشكلٍ ملحوظ.

وتشير «النيويورك تايمز» إلى أن الزيادة في عدد العاملين عن بعد يعود بشكلٍ كبير إلى التكنولوجيا المحسنة، والتغير الكبير في سوق العمل الذي يشهده العالم الآن، هذا بالإضافة إلى رحلات الطيران الرخيصة، وتشمل قوائم الرحالة على مواقع الإنترنت تقسيمًا للوجهات التي من الممكن أن يقصدها العاملين عن بُعد على أساس عدة عوامل مثل: «تكلفة المعيشة وسرعة الإنترنت والطقس».

كما لم تعد فكرة تجمعات الرحالة والعاملين عن بعد قاصرة على تجمعات المواقع الإلكترونية؛ إذ ظهرت شركة مثل «Roam»، وهي عبارة عن مجموعة من العقارات المشتركة للمعيشة والمنتشرة في كثير من البلدان مثل: «ميامي وبالي ومدريد ولندن»، كلها موجهة إلى العمالة عن بعد، ممن يحتاجون مكانًا موثوقًا به ومريحًا للمكوث فيه عبر مدن مختلفة، وكل موقع من هذه المواقع يحتوي على مناطق مشتركة للمعيشة وقاعات اجتماعات للعمل مزودة بخدمات إنترنت سريع، وغالبًا ما تحتوي على أنشطة اجتماعية، ويتم تقديم هذه الخدمات بأسعارٍ معقولة نسبةً إلى أسعار الفنادق والشقق التقليدية.

يتسع مفهوم العمل المتنقل الآن ليشمل العالم باعتباره قرية صغيرة فعلًا كما وعدتنا العولمة، وتشير «النيويورك تايمز» إلى أن التجربة يجب أن تكون محدودة في البداية للاستكشاف لمدة شهر، وإن أعجبك نمط الحياة فإن فرصة العيش في دولة أجنبية والتفاعل مع السكان المحليين وتجربة ثقافتهم، أمر لا يقدر بثمن.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد