في ذروة قوة الصين التاريخية، وتحديدًا في القرن الرابع عشر، الذي يراه بعض المؤرخين مرحلة شهدت فيها الصين صعودًا اقتصاديًا كان يمكن أن يوصلها إلى قيام ثورة صناعية مبكرة في العالم، إلا أن كل ذلك بدأ بالتفكك والتحلل، ليشهد الاقتصاد الصيني منحدرًا مستمرًا حتى خمسينات القرن الماضي. 

تشير التقديرات إلى أن الصين كانت تمثل 30% من اقتصاد العالم في القرن الرابع عشر، بينما لم تمثل بريطانيا في ذلك الوقت إلا 1% من اقتصاد العالم، وبالرغم من انحدار نسبة الصين في الاقتصاد العالمي، إلا أنها ظلت نسبة مرتفعة لم تنخفض عن 20%، حتى القرن الثامن عشر، ثم أصبحت صغيرة جدًا بالمقارنة التاريخية في عام 1950، وهو العام اللاحق لعام تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وعندها كان اقتصاد الصين يمثل 3.8% فقط من الاقتصاد العالمي. 

وقد عادت الصين في العقود الأربعة الماضية إلى الصعود المتسارع اقتصاديًا وسياسيًا على مستوى العالم بقيادة الحزب الشيوعي الصيني الذي ما زال يرسم خطوط الإستراتيجية الصينية بهدف إعطاء الصين مكانة أكبر سياسيًا واقتصاديًا، ولم تنس في رحلة صعودها أن تألقها تاريخيًا كان مرتبطًا بما عرف باسم طريق الحرير، وهي عدة طرق تجارية، ربطت ما بين الشرق الأقصى عمومًا والصين خصوصًا، مع كل من أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

ففي عام 2013 قدّم الرئيس الصيني الحالي تشي جين بينج تصورًا لإحياء حديث لطريق الحرير؛ باسم «مبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative» لتكون المبادرة أداة صينية؛ تهدف رسميًا إلى تطوير الاتصال بين آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، بمشروع يتفرع إلى مجالات تجارية ورقمية وصحية وغيرها، تجعل الصين مركزًا لها، تنطلق منها خطوط الربط، ويدور حولها حزام التنمية والتطوير.

الحزام والطريق.. إمبراطورية البنية التحتية والتجارة 

منذ إعلان الرئيس الصيني تشي جين بينج عام 2013 رؤيته لمبادرة الطريق والحزام، وحتى عام 2020 أنفقت الصين ما يقارب 200 مليار دولار، مع توقعات بأن تتجاوز الكلفة الإجمالية للمشروع حد الترليون دولار بحلول عام 2027، مع تركيز المشروع على الاستثمار في الدول الناشئة، التي تعتبر أكثر احتياجًا للاستثمارات الضخمة في البنية التحتية.

يقدر «بنك آسيا للتنمية Asian Development Bank» أن النقص في احتياجات أعضائه لتمويل البنى التحتية يبلغ أكثر من 900 مليار دولار كل عام، على فرض احتساب استثمارات البنى التحتية الاجتماعية المتعلقة بالاستثمار في قطاعات مثل الصحة والتعليم، أما بدون الاستثمار في مثل هذه القطاعات، فإن الفجوة التمويلية تنخفض إلى 460 مليار دولار سنويًا. 

تساعد المبادرات المشابهة للحزام والطريق في ملء الفجوة التمويلية عند البلدان المشاركة، ومساعدة كثير من الدول الناشئة، دون أن يعني ذلك أنّ الصين تقدم خدماتها مجانًا؛ فبطبيعة الحال تتوقع الصين عائدًا ضخمًا لها مقابل الاستثمار في البنى التحتية في الدول الواقعة ضمن مجال مشروعها. 

للصين إمكانيات ضخمة للاستفادة من المشروع، ولا يقتصر الأمر على العوائد المباشرة من الاستثمار الخارجي في الطرق والموانئ ومحطات توليد الطاقة، بل يتعدى ذلك إلى فتح أسواق كثيرة أمام الشركات الصينية للتصدير، خصوصًا مع الاتجاه المتصاعد نحو «الحمائية Protectionism» في العالم، والذي عمقته جائحة كورونا.

المشروع يفتح إمكانيات تصدير أكبر للصين، رغم الاتجاه العالمي الأكبر لتقليل التجارة، عن طريق فتح شراكات تجارية مع بلدان عدة، كما يمكن للمشروع أن يرفع من استخدام العملة الصينية عالميًا، وذلك ضمن الجهود الصينية لجعل اليوان عملة عالمية، باعتمادها وسيلة للتبادل مع بعض الدول المشاركة، كل ذلك بالإضافة إلى المركزية الصينية في آسيا، ومركزية الصين بالنسبة للدول المشاركة في المشروع، وما لذلك من فوائد سياسية. 

مع بداية عام 2021 أصبح عدد الدول المشاركة في المشروع 140 دولة، بينهم دول في الاتحاد الأوروبي مثل إيطاليا، وحلفاء آخرين للولايات المتحدة، مثل السعودية والإمارات، ولكن هل تنحصر مبادرة الصين بالاستثمار في بنى تحتية متعلقة بالاتصال التجاري المباشر فقط؟ فالحديث عن طرق التجارة منحصر بالخطوط البرية والبحرية، وما يتعلق بها من طرق وموانئ، ولكن المبادرة الصينية تتعدى مثل هذا الاتصال إلى بناء شبكة اتصالات رقمية، بتشييد بنى تحتية تكنولوجية ترتبط بالصين وتجعلها مركزا تكنولوجيًا في العالم، وتفرض فيها على الدول المشاركة معايير الصين ومنتجاتها، فيما بات يعرف بـ«طريق الحرير الرقمي (Digital Silk Road)».

طريق الحرير الرقمي.. سياسة الصين لكسر الاحتكار التكنولوجي

يحتكر لاعبون قليلون مجال البنية التحتية التكنولوجية، من ربط شبكات العالم بالألياف البصرية تحت البحر، وشبكات الجيل الخامس اللاسلكية، ومراكز تخزين البيانات وأنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية. وتتبع هذه الشركات للولايات المتحدة الأمريكية أو لدول حليفة لها في الأغلب. 

تُستخدم أسلاك الألياف البصرية تحت البحرية لربط دول العالم ببعضها عبر المحيطات، فهي وسيلة نقل المعلومات والبيانات بين الدول والقارات، وربط شبكاتها اللاسلكية ببعضها البعض، بينما تعتبر شبكات الجيل الخامس اللاسلكية أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا لربط شبكة الخلوية ببعضها البعض لا سلكيًا، رافعة سرعة نقل البيانات في الشبكة إلى مستويات غير معهودة.

تقدم هذه البنى التحتية نظامًا متكاملًا؛ يبدأ بنقل البيانات والمعلومات بين القارات بشبكة سلكية مكونة من الألياف البصرية، ثم نقل لا سلكي عن طريق الشبكات الخلوية داخل كل بلد أو منطقة، وتبنى معها مراكز لتخزين البيانات، ويضاف إلى النظام المسؤول عن نقل وتخزين البيانات، أنظمة الملاحة عن طريق الأقمار الصناعية، مثل نظام «GPS» المملوك للولايات المتحدة الأمريكية.

مشروع طريق الحرير الرقمي ليس مجرد مشروع بنى تحتية عادي، بل هو حل سياسي للصين للخروج من خطر المركزية الأمريكية في النظام الرقمي العالمي، وبناء مركزية للصين في المجال، تكسر الاحتكار الغربي عمومًا، والأمريكي خصوصًا، لكي لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية محاصرة الصين تكنولوجيًا إذا ما قررت في يوم من الأيام ذلك.

فبينما تتمتع شركات أمريكية بامتيازات احتكارية للبنى التحتية في العالم، ترغب الصين بإحلال عمالقة التكنولوجيا الصينيين، مثل «هواوي» و«علي بابا» محل شركات «أمازون» و«مايكروسوفت» و«فيسبوك»، التي تمتلك أو تؤجر وحدها أكثر من نصف أسلاك الألياف البصرية تحت المحيطات، وتنقل هذه الأسلاك 98% من بيانات الإنترنت في العالم.

وتخشى الصين أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تسعى إلى محاولة إيقاف الصعود الصيني، وفي حال عدم قدرة الصين على كسر كل الاحتكارات التكنولوجية الغربية، فستكون مهمة الولايات المتحدة الأمريكية أسهل كثيرًا، ففي حال قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات على من يبيع التكنولوجيا الأكثر تطورًا «Cutting-Edge Tecnologies» للصين، قبل تمكن الصين من صناعة هذه التكنولوجيا محليًا، فإن مسيرة الصعود الصيني قد تمنى بفشل كبير، أو تضطر إلى تقديم تنازلات ضخمة للولايات المتحدة الأمريكية مقابل هذه التكنولوجيا.

لذلك تسعى الصين إلى كسر الامتيازات الاحتكارية الأمريكية في هذه المجالات، حتى ولو كانت احتمالية مثل هذه العقوبات ضعيفة، فإن الصين لن تحتمل استمرار الاعتماد على التكنولوجيا الغربية يمكن قطعها بالعقوبات والحرب الاقتصادية لاحقًا.

أعلنت الصين عن مشروع طريق الحرير الرقمي عام 2015 جزءًا من سياستها الخارجية ضمن مشروع الطريق والحزام، وبدعم حكومي وتنفيذ من قبل عمالقة التكنولوجيا الصينيين؛ حتى وإن لم يكونوا مملوكين للدولة، في تبادل للمصالح بين الحكومة الصينية وقطاعها الخاص.

وحتى الآن وقّعت الصين رسميًا اتفاقيات لتقديم استثمارات متعلقة بمشروع طريق الحرير الرقمي لـ60 دولة، ويُرجح أنّ هناك دولًا أخرى وقعت اتفاقيات دون الإعلان عنها، وقد أنفقت الصين على هذه المشاريع مبلغًا يقدّر بـ79 مليار دولار حتى عام 2018، ويتوقع أن تبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع 200 مليار دولار، موزعة على استثمارات حول العالم، تضم دولًا منافسة للصين، مثل الهند، وأخرى شهدت معارضة للمشاريع الصينية فيما سبق مثل ماليزيا.

تقضي الخطة النهائية بأن تقطع أسلاك الألياف البصرية البحر الأحمر مرورًا بقناة السويس، لتصل إلى أوروبا، وتتفرع أيضًا إلى شرق أفريقيا، ومن ثم ربط أمريكا الجنوبية بغرب أفريقيا، لتصبح القارات الأربع: آسيا انطلاقًا من الصين، وأوروبا عن طريق الشرق الأوسط، وأفريقيا وأمريكا اللاتينية متصلة جميعها، باستخدام خطوط لا تملكها الولايات المتحدة الأمريكية، ولا تسيطر عليها أي من شركاتها أو حلفائها. 

في حين أن شركة «هواوي» تسعى لفوز سباق شبكات الجيل الخامس «5G» في العالم، في استكمال للنهج الصيني الرقمي في العالم، وتكامل مع شبكات أسلاك الألياف البصرية الرابطة للقارات، ومع أنها واجهت حربًا أمريكية في سنوات حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إلا أن هواوي ما تزال تفوز في السباق، فهي المزود الأساسي للشبكات في أمريكا اللاتينية، وفي أغلب أفريقيا وآسيا، وتحقق اختراقات مهمة في أوروبا أيضًا؛ وكل ذلك رغم الحرب الأمريكية ضد شركة «هواوي».

وبطبيعة الحال فإن استخدام البنى التحتية الصينية، والقبول بالخدمات المقدمة من عمالقة التكنولوجيا الصينيين، يعني توفير موطئ قدم للصين في تلك الدول مستقبلًا، فتشييد شبكات الجيل الخامس في بلد ما يعني استمرار وجود «هواوي» في ذلك البلد لصيانة الشبكة باستمرار، ولتحديثه لأجيال أخرى لاحقًا، وذلك ينطبق أيضًا على أسلاك الألياف البصرية؛ ما يعني حصة سوقية دائمة للصين وشركاتها، وتغلغلًا صينيًا في مجالات تكنولوجيا المعلومات وأمنها، بما في ذلك الجوانب الدفاعية السيادية للدول؛ لكون الصين المزود الأساسي للخدمة والبنى التحتية.

التكنولوجيا في السياسة الخارجية الصينية

تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية 750 قاعدة عسكرية في 80 دولة حول العالم، يتركز جزء مهم منها في آسيا عمومًا، وحول الصين خصوصًا، وتمتلك الولايات المتحدة أيضًا أضخم سلاح بحرية في العالم، يعطيها اليد العليا للتحكم بمحيطات وبحار العالم، ومعها طرق التجارة العالمية الأساسية، والمضائق التي تعبر منها نسبة ضخمة من تجارة العالم، يخولها أن تكون شرطي العالم، والمتحكم بأمنه وأمن تجارته. 

وبالإضافة إلى السيادة الأمريكية العسكرية، التي تعطيها سيادة على مستوى السياسة الخارجية والتجارة العالمية، تعد الولايات المتحدة الأمريكية مهد أضخم الشركات ذات الامتياز الاحتكاري التكنولوجي في العالم؛ فشركات مثل «جوجل»، و«إنتل»، و«أمازون»، و«سيسكو»، و«فيسبوك»، و«مايكروسوفت»، لها السيادة الكبرى في مجالات اختصاصها في العالم. 

تمثل الهيمنة الأمريكية في كل هذه المستويات عائقًا، أما صعود الصين كقوة عالمية، لضرورة أن تصطدم نهاية بالقوة العالمية الحالية، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، فعلى مستوى صعود الصين اقتصاديًا تحتاج إلى التجارة، فهي ضمن شكل التجارة العالمي الحالية تحت رحمة قوة الولايات المتحدة الأمريكية، وسيطرتها على طرق التجارة العالمية، وخصوصًا في البحار والمحيطات.

وينطبق الأمر نفسه على مستوى التكنولوجيا، فالامتيازات الاحتكارية الأمريكية قد تسمح للولايات المتحدة الأمريكية أن توقف تقدم الصين إذا ما وصل الصراع بينهما إلى مرحلة فرض العقوبات، أو الحصار الذي قد يكون له جانب تكنولوجي، بمنع بيع التكنولوجيا المتطورة للصين.

في المقابل تحاول الصين بناء مركزية صينية، وخلق حلول للخروج من المركزية الأمريكية في العالم، فعلى مستوى التجارة يهدف مشروع الحزام والطريق إلى خلق بنية تحتية للنقل البري، من شرق آسيا وحتى أوروبا، بعيدًا عن طرق التجارة التقليدية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم فهي محاولة إحياء لطريق الحرير التاريخي.

وكذلك فإن خط الحرير الرقمي بالنسبة للسياسة الخارجية الصينية، لأهمية التكنولوجيا في العالم الحديث، ومركزيتها في بسط النفوذ السياسي، والاقتصادي، والعسكري أيضًا، ولأن الشركات الأمريكية تمتلك امتيازات احتكارية على مستوى العالم في التكنولوجيا، فإن ذلك يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية تستطيع استخدام امتيازاتها هذه في الإضرار بمصالح الصين، وفي لجم قدرات الصين على الصعود كقوة عالمية.

يخدم مشروع خط الحرير الرقمي الصين بهدف كسر الامتياز الاحتكاري، وخلق مركزية صينية تكنولوجية في العالم، قد تفضي نهاية إلى قدرة الصين على منافسة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم على أساس التنافس الحر، أو حتى على أساس اقتسام العالم بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، فتسيطر الصين في مجال التكنولوجيا على قسم من العالم، مركزه في آسيا، ويمتد حتى أمريكا اللاتينية، بينما تسيطر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها على ما تبقى.

المصادر

تحميل المزيد