منذ أن ظهر الإنترنت في عالمنا وقد تحول هذا العالم الكبير إلى «قرية صغيرة» كما نقول دائمًا. في بداية الأمر هذا الانفتاح السيبيري كان مبهرًا ويمدنا بكل ما هو جديد عن الثقافات الأخرى، وفتح بابًا لتكوين الصداقات من أنحاء العالم وتسهيل عمليات البحث والتعلم، ولكن سرعان ما أخذت السياسة مكانها في هذا الانفتاح، إن لم تكن السياسة واحدة من أهم الأسباب التي ساهمت في ظهور الإنترنت من الأساس.

الفضاء الإلكتروني ليس بيئة ثابتة، بل على العكس هو حقل يتطور وتتبدل ملامحه مع كل تطور تكنولوجي جديد، وهذا لكونه يعمل على تخزين البيانات وتبادلها عبر الشبكات الإلكترونية، وعليه فإن العلاقة بين السياسة والإنترنت هي علاقة تأثير متبادل ومن ثم ظهرت مصطلحات مثل «الحرب الإلكترونية» أو «الدفاع الإلكتروني»، كما اعتبرت بعض أجهزة الأمن القومي أن الإنترنت أصبح المجال الخامس للحرب بعد الأرض والبحر والجو والفضاء الخارجي، وكأي ساحة حرب، يسعى البعض لوضع حدود لها، وهذا ما قد نفذته كوريا الشمالية وإيران من قبل، وتسعى الآن روسيا بكل جهدها لتنفيذ ما يطلق عليه الانفصال الإلكتروني، أو السيادة الإلكترونية.

السيادة الرقمية.. من حماية المواطن لحماية الحكومة

مصطلح السيادة الرقمية أو السيادة الإلكترونية، والذي يتطلب انفصالًا إلكترونيًّا عن العالم، قد يظن البعض أنه أمر لا يمس المواطن بشكل فردي، وأنه مصطلح يترتب عليه تغييرات من شأنها التأثير في المتخصصين التقنيين فقط، ولكن هذا ليس حقيقيًّا، فالسيادة الرقمية في أي دولة يكون لها التأثير في جميع المواطنين داخل حدود الدولة التي تطبق تلك السيادة.

أنت تجلس في منزلك تشاهد شبكة «نيتفلكس»، ومن الحين للآخر تمسك بهاتفك الذكي لتقوم بمشاركة منشور أعجبك، أو الرد على تعليق ظهر إشعاره فجأة على الشاشة، تلك لحظة قد تكون عادية في يومك، ولكن تلك التفاصيل الصغيرة التي تعيشها يمكنك أن تتخيل جهازًا ضخمًا يتغذى عليها ويحللها لتكون المعطيات اللازمة للشركات أو الدول التي تستهدفك باعتبارك مستهلكًا، أو مواطنًا يجب تمرير أيديولوجيات معينة له تفيد سياسات معينة أو خطة أوسع تجاه العالم.

بعض الدول ترى أن وجود بيانتها وبيانات مواطنيها على قارعة الطريق السيبراني؛ هي مخاطرة مجازفة للأمن القومي لهذا البلد، ولذلك بدأ مصطلح السيادة الرقمية في الظهور على الساحة. تعمل البنية التحتية للإنترنت على مبدأ تدويل الأجهزة المتصلة به، وتدفق البيانات والمعلومات دوليًا، ومنذ عام 2012 تسعى روسيا لزيادة الضوابط الوطنية في تدفق المعلومات بالبنية التحتية للإنترنت، خاصة مع الجو العام من انعدام الثقة السياسي المتزايد من قبل السلطة تجاه حركات الاحتجاج داخل البلاد، وتجاه شركائها الدوليين أيضًا في الخارج.

وبالفعل مررت روسيا بعض القوانين التي تسمح لها بالسيادة الرقمية داخل البلد، من خلال القانون الساري منذ عام 2017 والذي يطالب الشركات بمعالجة البيانات من المواطنين الروس وتخزينها في قاعدة بيانات وطنية.

وفي عام 2019 اعتمد في روسيا مشروع قانون بعنوان «عزل الجانب الروسي من الإنترنت»، ونصت المذكرة المصاحبة للقانون أن الغرض منه هو رد فعل تجاه «الطبيعة العدوانية لاستراتيجية الأمن السيبراني الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية» بحسب المذكرة الروسية، وركز هذا القانون على جانبين رئيسيين هما التحكم في «دي إن إس/ Dns»، وتوجيه حركة مرور المعلومات.

والـ«دي إن إس/ Dns» هو: اختصار لـ«Domain Name System» وهو نظام يعمل على تخزين المعلومات المتعلقة بأسماء نطاقات البيانات الموجودة في قواعد البيانات الموزعة على الإنترنت، ويعمل على ربط المعلومات والعناوين الإلكترونية بتلك النطاقات.

 وهذا يعني أن الدي إن إس يعمل على ترجمة اسم النطاق الإلكتروني إلى العنواين والتي نعرفها باسم «IP Adddress»،وهو العنوان الرقمي الذي تستطيع من خلاله جهة أمنية تحديد الجهاز الذي تُرسل منه بياناتك، وإذا كنت شاهدت اي فيلم امريكي يظهر فيه ضابطًا على باب مخترق انترنت هاو نجح في اختراق موقع الكتروني مهم يخص الأمن الوطني؛ فربما تكون سألت نفسك كيف عرفوا مكان منزله على أرض الواقع؛ والإجابة هي الـ«IP Adrees» والذي يولده نظام «DNS» بشكل تلقائي، وهو ما تريد روسيا السيطرة عليه لتنعزل عن الشبكة العالمية.

أما توجيه حركة مرور المعلومات فهي الآلية الرقمية التي تحدد المسارات في شبكة الإنترنت لإرسال البيانات من المرسل إلى مستلم واحد أو اكثر؛ ولذلك قامت روسيا بإنشاء نسختها الخاصة من الـ«DNS» حتى تتمكن من العمل في حالة تعطل الروابط أو الخوادم الموجودة في الخارج، بجانب التحكم في تدفق المعلومات الرقمية حصريًا إلى نقاط النوعية التي تسيطر عليها الحكومة.

 وبذلك تظل البيانات الرقمية المتبادلة داخل روسيا، في إطار الفضاء السيبيري الخاص بها، ولا تستطيع أي بلد أخرى أو شبكة أخرى الاطلاع على أي من البيانات الرقمية التي تخص المواطنين أو الجهات الحكومية في الدولة، وبهذا يتحول الإنترنت في روسيا – في حالة تطبيق السيادة الرقمية – إلى عالم مغلق مُحصن ضد التجسس أو الهجمات الإلكترونية.

بعد نجاح روسيا في ذلك، أصبح لديها شبكة رقمية محلية باسم «رونت» والتي تملك أكثر من بنية تحتية هدفها إنشاء شبكات دورها أن تحافظ على المعلومات المحلية داخل البلد، بينما تسمح لحركة الإنترنت الدولية من خلال نقاط تبادل معينة يمكن مراقبتها وتصفيتها.

 وأجرت روسيا بالفعل عدة اختبارات ناجحة لعزل الإنترنت المحلي عن العالمي، بعد أن مرر البرلمان القانون السابق ذكره، وفي نهاية العام 2019 أقرت روسيا قانون الإنترنت السيادي، وهو إجراء يمنح الحكومة الحق في مراقبة البيانات الرقمية وحظر الوصول إلى محتوى يعد «خطرًا» في نظر الأمن القومي، بجانب عزل الشبكة المحلية عن أي هجوم إلكتروني خارجي.

وفي الأيام القليلة الماضية صرح نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديميتري ميدفيديف أن روسيا أصبحت مستعدة تمام الاستعداد للانفصال الإلكتروني التام عن العالم، وأعلنت جاهزيتها للاستقلال عن شبكة المعلومات الدولية، وأكد ميدفيديف أن روسيا مستعدة «قانونيًا وتكنولوجيًا» لتلك الخطوة وستنفذ فورًا «إذا لزم الأمر».

هل تستطيع روسيا تنفيذ الانفصال الإلكتروني؟

 ومما شرحناه سابقًا، يمكنك إدراك أن تنفيذ هذا القرار لم يعد صعبًا على روسيا، خاصة وأنها فرضت سيادتها الرقمية داخل روسيا بالفعل، وقد جاءت تصريحات ميدفيديف على ضوء الاحتجاجات التي انتشرت في أكثر من 100 مدينة روسية منذ أيام نتيجة اعتقال المعارض الروسي أليكسي نافالني.

تلك الاحتجاجات التي تسببت في تغريم سبعة شركات للتواصل الاجتماعي بسبب عدم حذفها للمقاطع المصورة التي تروج للاحتجاجات، فإذا علمت تلك المجموعة الغاضبة في مدينة روسية ما أن هناك ثلاث مدن خرج المواطنين في شوارعها يحتجون، سيكون بمثابة تحفيز لهم للخروج أيضًا؛ الأمر بهذه البساطة، والحكومة لا تريد ذلك.

من الناحية النظرية تستطيع روسيا الانفصال إلكترونيًا عن العالم، لكن من الصعب على روسيا تنفيذ الأمر لأسباب تقنية واقتصادية واجتماعية تقف عائقًا أمام هذا الانفصال العالمي، فلو نفذت روسيا الانفصال سيكون هناك آثار سلبية يصعب توقع حجمها بسبب درجة الاعتماد المتبادل بينها وبين شبكات العالم، فروسيا على عكس الصين التي صممت شبكتها بمشروع محدد للغاية للحوكمة الداخلية المركزية، فروسيا لديها ما يزيد عن 3 آلاف مزود خدمة إنترنت وبنية تحتية متفرعة ومعقدة للغاية متصلة مع دول أجنبية متعددة.

ولذلك من الصعب على مزودي خدمات الإنترنت تحديد إلى أي مدى يمكنهم الاعتماد على مكونات البنية التحتية للبلدان الأخرى الواقعة خارج حدودهم، وهذا قد يؤي إلى مشكلات خطيرة وليس لروسيا فقط بل للبلدان الأخرى أيضًا.

هذا بالإضافة إلى المشكلات التقنية التي يمكن أن يواجهها المستخدم العادي، والتي تتجسد في بطء التصفح عبر الشبكة، أما من الناحية الاقتصادية، ونظرًا للبنية التحتية المعقدة للإنترنت الروسي واتصالاتها القوية ببقية العالم، سيكون تطبيق هذا الانفصال الإلكتروني مكلف ماديًا.

وفي عام 2019 عارضت غرفة الحسابات الروسية هذا التشريع موضحة أنه سيؤدي إلى زيادة الإنفاق العام لمساعدة العاملين في مجال التكنولوجيا وتعيين موظفين إضافيين في مراقبة الاتصالات الروسية، إذ سيتعين انشاء مركز للاشراف وادارة شبكة الاتصالات، كما صرحت وزارة المالية الروسية عن قلقها تجاه التكاليف الباهظة المرتبطة بالمشروع.

وبهذا نرى أن السيادة الرقمية لروسيا داخل البلد نفسها، قد يكون أهم من السيادة الرقمية التي تمنحهم الانفصال التام عن العالم، خاصة وأنه – ميدفيديف – صرح أن تنفيذ خطوة الانفصال الإلكتروني هو سلاح ذو حدين وأنه «لا يرى أي سبب للقيام بذلك»، وبالنسبة للعديد من المراقبين والحقوقيين، فالهدف من تطبيق السيادة الرقمية في روسيا ليس حماية روسيا ومواطنيها من تداول بياناتهم على مشاع الإنترنت، ولكن لفصل المواطنين الروسيين عن بعضهم البعض، والسيطرة على إمكانية التواصل فيما بينهم. 

بداية السيادة الرقمية جاءت من أوروبا، حيث طُرحت الفكرة للمرة الأولى وعرف وقتها العالم التنظيم الأوروبي العام لحماية البيانات، والذي ركز في البداية على التعامل مع البيانات الرقمية المتعلقة بالأفراد والشركات الأوروبية.

ولكن هذا المفهوم امتد مع الوقت ليشمل السيادة الرقمية في أنحاء العالم، وعلى مستوى فردي كان هدف هذا التنظيم تعزيز حق الافراد في ملكية بياناتهم وعدم اتاحتها لأي شركة أو جهة للتحكم فيها أو بيعها أو حتى تحليلها بهدف جنى الأرباح، ثم انطلق الأمر ليتحول لقضية أمن قومي في عصر الأنترنت، حيث تريد كل دولة حماية بياناتها وحدودها الإلكترونية تجاه أي دولة أخرى تسعى للتجسس عليها أو التحكم فيها.

سياسة

منذ 3 سنوات
دروس من موسكو.. كيف تخترق أقوى دول العالم دون أن تطلق رصاصةً واحدةً؟

وسرعان ما انخرطت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في حرب إلكترونية، إذ تمكنت في نهاية العام الماضي 2020 مجموعة من «الهاكرز» من سرقة بيانات من وزارة الخزانة والإدارة الوطنية للمعلومات الأمريكية، وحجم الاختراق كان شديد الخطورة لدرجة اضطرت مجلس الأمن القومي من عقد اجتماع بشأن الموضوع في البيت الأبيض، وفي هذا الاجتماع وجهت الاتهامات لروسيا، وهو ما ردت عليه روسيا في وسائل الإعلام الخاصة بها بأنها اتهامات ليس لها أساس من الصحة، ولكن على ضوء تلك المعركة، ربما يكون الانفصال الإلكتروني صعبًا ومكلفًا على روسيا، ولكنه سلاح تحب أن تلوح به في وجه أمريكا إذا قررت الانتقام على خلفية التهم التي وجهتها لروسيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد