«التحول الرقمي» .. كيف تستخدم المنصات الإعلامية قواعد البيانات لتحقيق أعلى الإيرادات؟

قبل شهور، أصدرت «ديلويت (Deloitte)»، وهي واحدة من أكبر شركات الخدمات المهنية في العالم، دراسة شاملة تحلل طرق استخدام قواعد البيانات الخاصة بالجمهور في التحول الرقمي لمؤسسات الأخبار والإعلام المختلفة، وذلك من أجل تحسين أدائها وزيادة الإيرادات. وقد أجرت «ديلويت» مقابلات مع أكثر من 80 شخصًا يعملون في 50 منصة إعلامية وإخبارية من 16 دولة حول العالم، لمقارنة بيانات المنصات المختلفة، وبحث سبل تطويرها.

قامت الشركة بعمل مقياس لمدى نضج قواعد البيانات في المؤسسات المختلفة، لمساعدة الشركات على تقييم مدى نضج بياناتها، وتخطيط الطريق الأفضل لتحولاتها الرقمية. وفي السطور التالية نعرض لكم ملخصًا شاملًا لأهم ما جاء في هذه الدراسة.

استخدام وتحليل قواعد البيانات في التحول الرقمي

تعتبر قاعدة البيانات هي حجر الأساس في المؤسسات الإعلامية والإخبارية؛ إذ تطمح الشركات إلى تكوين شبكة ضخمة من بيانات الجمهور، للاعتماد عليها، سواء في توجيه المحتوى التحريري أو الحملات التسويقية. وقد  صنفت الدراسة ثلاثة أنواع من البيانات. أولًا «بيانات الطرف الأول»، وهي بيانات تجمعها المؤسسات بنفسها من قرائها في المقام الأول، و«بيانات الطرف الثاني»، وهي بيانات الطرف الأول نفسها؛ إلا أنها جمعت من مصدرٍ آخر بخلاف جمهور المؤسسة. وأخيرًا «بيانات الطرف الثالث»، وهي بيانات تشتريها المؤسسات من جهاتٍ خارجية.

يعتمد تصنيف بيانات الجمهور أولًا على الحساب الشخصي «Account»، بما فيه من معلومات مثل: «الاسم والبريد الإلكتروني والعنوان وسجل المعاملات». ثانيًا تحديد موقع القارئ أثناء تصفحه الموقع، عن طريق عنوان الـ«IP» الخاص بالحاسوب، والموقع الجغرافي الخاص بجهاز المحمول. ثم يأتي تاريخ التصفح، ما الذي يتصفحه القارئ على الموقع الإلكتروني بشكلٍ متكرر، وتوقيت التصفح. بعد ذلك تلعب بيانات «الطرف الثالث» دورها في تحديد نشاط المستخدم على مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية الأخرى التي يتصفحها.

في هذا القسم من الدراسة، جرى تقسيم وجهات النظر المختلفة حول طرق تحسين قواعد البيانات إلى أربعة أجزاء. كانت الثقافة هي الجزء الأول وتلعب دورًا هامًا في تحديد ما إذا كانت المؤسسة قادرة على استخدام البيانات لتحقيق استراتيجية شاملة للمنظمة، وخلق بيئة تعمل على إدارة البيانات واستخدامها في صنع القرارات أم لا.

وقد وجد باحثو الدراسة ثلاثة أنواع من الشركات الإعلامية. النوع الأول كان يصنف بـ«مهووسي البيانات»، إذ تعتمد المؤسسة بشكل كامل على قواعد البيانات، ولدى موظفي الشركة صورة واضحة عن كيفية استخدام هذه البيانات، ولماذا يستخدمونها. أما النوع الثاني من الشركات، فهي شركات على علم بالبيانات إلا أنها لا تعتمد عليها. والنوع الثالث استخدم البيانات أداة معرفة بهدف تقديم خدمة أفضل للقراء والجمهور.

«لا يوجد نهج واحد يناسب أهداف جميع المنظمات، إلا أن الأهداف التنظيمية التي تربط عادةً أبرز شركات الإعلام معًا كانت إما تعمل على تحسين الإيرادات عبر المشتركين، أو تسعى لأداء مهمة اجتماعية وذلك عن طريق التأثير في المتلقي وفي الطريقة التي يرى بها العالم».

يقدم البحث نظرة على كيفية إدارة البيانات، وذلك عن طريق مراكز القوة في المنظمات الإعلامية؛ إذ تعمل القيادات العليا على تعيين خبراء قادرين على مساعدة المنظمة في فهم البيانات ومواجهة التحديات في الظروف المختلفة، وتشير الدراسة إلى أن المؤسسات الإعلامية يجب عليها أن تدعم التعاون والعمل الجماعي، إضافةً إلى خلق آليات تدعم العمل متعدد الوظائف، ممن يملكون مهارات وخبرات متعددة ومختلفة.

تنصح الدراسة بدمج فرق البيانات مع موظفي تكنولوجيا المعلومات (IT) وذلك من أجل خلق بنية تحتية من البيانات قادرة على التقاط البيانات ذات الصلة بالأغراض التسويقية، وأخرى ذات صلة بالجمهور والقراء، وهو الأمر الذي يساعد فريق التحرير بالمنصات الإعلامية لفهم سلوك القارئ وتحسين الأداء العام للمحتوى. وفي الوقت ذاته يساعد فريق التسويق على إدارة حملات تسويقية ناجحة قائمة على نوعية المتلقي.

Embed from Getty Images

«إن أبرز الشركات الإعلامية لا تعتمد فقط على جمع وتحليل بيانات الجمهور، بل تعمل على صنعها وذلك من خلال إجراء بعض التجارب والاختبارات وتبني استراتيجيات جديدة، من أجل توليد ردود أفعالٍ حقيقية»، فبحسب الدراسة تستطيع من خلال التجريب جمع بيانات جديدة تساعد في اتخاذ القرارات، واختبار أفكار جديدة وتحليل تأثيرها على الجمهور، بما في ذلك اختبار العناوين والتنسيقات والأسعار والعروض.

في الدراسة جرى رصد مجموعة من المهارات التي يجب أن تتوفر في الأفراد من أجل ضمان تحول رقمي ناجح، وقد ركزت الدراسة على الأشخاص ذوي الخبرة والمتخصصين في البيانات، مثل المهندسين التقنيين المسؤولين عن بناء النظام التقني الذي من خلاله تتدفق البيانات.

بعدها يأتي دور محللي البيانات لجعلها صالحة للاستخدام في الحملات التسويقية والمبيعات. ومن ثم يأتي دور إدارة البيانات وتطوير الأعمال، ممن يعملون على تثقيف شركاء العمل بأهمية البيانات وأهدافها، وهم مسؤولون عن إدارة فرق البيانات والتأكد من إنتاجيتهم ما يناسب احتياجات العمل. هنا يأتي دور مسؤولي البيانات، في التأكد من الإجراءات القانونية والمخاطر الأمنية المرتبطة باستخدام بيانات العملاء.

هناك دور آخر، تشير إليه الدراسة، خاص بتثقيف الموظفين بتكنولوجيا البيانات؛ إذ لا تعد منصة البيانات شيئًا يمكن استخدامه بسهولة أو الوصول إليه من قبل العاملين، وهنا يأتي دور التكنولوجيا في خلق أدوات تضع الخدمة الذاتية في الاعتبار، مما يتيح للعاملين الوصول إلى البيانات طوال الوقت، بشكلٍ مستقل، وكشف أنماط جديدة، واستخدام البيانات المتاحة في اتخاذ القرارات الخاصة بهم سواء تحريريًا أو تسويقيًا.

أما بالنسبة إلى الأدوات التكنولوجية، فهناك «المستودع المركزي للبيانات»، بحسب الدراسة، هو أداة تكنولوجية. بحيرة من البيانات جمعت بواسطة مصادر متعددة، وجرى تخزينها بطريقة منظمة، يسهل الوصول إليها.

«نظام إدارة البيانات (DMP)»، هو أداة أخرى تمكن الشركات من تقسيم الجمهور إلى شرائح. و«نظام إدارة علاقات العملاء (CRM)»، هو السجلات التي تحفظ اتجاهات وتفاعلات المستخدمين والمشتركين (Subscribers)، وهي أداة تمكن رجال الأعمال من مراقبة ورصد الأنشطة الكلية داخل الموقع.

«نظام إدارة المحتوى (CMS)»، وهو أداة تعمل على تخزين وتحديث جميع جوانب المحتوى حتى نشره، إضافةً إلى التحكم في توجيه المحتوى إلى الشريحة المعنية من الجمهور. أما «نظام الحوسبة السحابية»، فإنه نظام يتيح تخزين المعلومات عن طريق مجموعة من الخوادم، عوضًا عن خادم محلي، ويساعد في تنظيم البيانات بطريقة يسهل الوصول إليها.

البيانات الضخمة.. أو كيف ترسم الأرقام الطريق إلى المستقبل؟

تحسين مشاركات القراء

في الدراسة، جرى الإشارة إلى بعض الطرق التي يمكنك اتباعها من أجل تحسين مشاركات القراء وتوجيهها؛ إذ كان هناك دور هام تلعبه قاعدة البيانات في مهمة التحرير وإدارة المحتوى، وهذا الدور يعتمد إلى جانب تحليل البيانات الخاصة بالجمهور على رؤى الجمهور وتحليل عميق لسلوك القارئ تجاه المحتوى. مما قد يساعدك في اختيار القصص وطرق روايتها، وكيفية إدارة المحتوى التحريري بطريقة تلبي احتياجاته اللحظية.

Embed from Getty Images

ينصح الباحثون في هذا الجزء بضرورة العمل جنبًا إلى جنب مع المحررين صناع المحتوى، وذلك من أجل تحديد الأولويات في غرف الأخبار. هذا إضافةً إلى أخذ «إعادة التدوير» في الاعتبار، عن طريق تحليل بيانات القراء ممن يزورون مقالًا آخر في الموقع بعد الانتهاء من المقال الأول.

إلى جانب تحديد الهدف الذي تسعى المؤسسة لتحقيقه من وراء «إعادة التدوير». فبعض المؤسسات تسعى لإطالة المدة التي يقضيها القارئ متصفحًا الموقع الإلكتروني. والبعض الآخر يعطون الأولوية للمحتوى، وذلك من أجل تحفيز المستخدمين على شراء الخدمة، وتحويلهم إلى مشتركين دائمين بمقابل مادي.

«عندما يأتي الأمر إلى إعادة التدوير، صنفت 67% من المؤسسات موضوع البحث أنفسها باعتبارها مؤسسات ناشئة أو نامية»

قسم البحث المؤسسات الإعلامية إلى أربعة أنواع، منها مؤسسات ناشئة. تلك التي لا تعمل على تقسيم القراء إلى شرائح، ومنها مؤسسات نامية. وهي التي تعمل على تحليل الشرائح المختلفة من الجمهور بطريقة تقليدية من أجل عمل تخطيط عام للمحتوى. أما النوع الثالث والذي أطلقت عليه الدراسة «المؤسسات الناضجة»، فتعمل على تحليل شرائح الجمهور بطريقة مفصلة، وتعتمد أنماط تحليلها على البيانات الشخصية والسلوكية.

بعد ذلك تأتي المؤسسات الرائدة، وهي التي استطاعت تكوين قاعدة بيانات ضخمة متاحة لفرق العمل المختلفة قائمة على تشريح جميع القطاعات بطريقة مفصلة لإدارة المحتوى. يشير البحث إلى أن بعض المؤسسات في طريقها من مؤسسات نامية إلى أخرى رائدة، وظفت فريقًا من الخبراء، كانت مهمته التعاون مع المحررين لتحديد «الشعارات (Tags)» الصحيحة لكل جزء من المحتوى، والتنبؤ بردة فعل القارئ تجاه هذه العلامة أو الشعار.

سعى بعض الناشرين إلى تطوير تقنية خاصة تدعم التعلم الآلي (ML) والذكاء الاصطناعي (AI)، وذلك من أجل مراقبة الجمهور وإجراء تخطيطات مختلفة للمحتوى، بناءً على السلوك الجماهيري. كان الهدف النهائي هو الحصول على مستوى عالٍ من التخصص يناسب كل قارئ على حدة.

سياسة دفع القراء مقابل الخدمات الإخبارية

تتجه أغلب المؤسسات الصحافية حاليًا نحو تفعيل خاصية الاشتراك بمبلغٍ مالي كل شهر، ليتمكن القارئ من متابعة المحتوى الكامل للموقع الالكتروني، وليس مجرد قطع مختارة منه. أغلب المؤسسات الكبرى سعت إلى حجب قطع المحتوى ذات القيمة العالية للمشتركين فقط، في الطريق لجعل المحتوى حصريًا مدفوع الأجر، فما هي سياسة المؤسسات الرائدة التي دفعت القراء لشراء ثمن الخدمة؟

Embed from Getty Images

تجيب الدراسة عن هذا التساؤل، قائلة: «تستخدم الشركات الرائدة نظم تحليل بيانات متقدمة، تعمل على تشريح طبقات المستخدمين سلوكيًا وشخصيًا وذلك من أجل تحديد نوعية العروض المناسبة والأسعار تلقائيًا». تعمل الشركات، بحسب الدراسة، على وضع رؤى الجمهور في الحسبان أثناء ترتيب العروض الخاصة بالأسعار والخصومات، وتساعد قواعد البيانات الضخمة في تحديد وتطوير الاستراتيجيات المناسبة للتعامل مع ردات فعل الجمهور المختلفة، وبناء صورة متكاملة عن الدوافع الخاصة بالأفراد للاشتراك في المنصة الإخبارية والحفاظ على اشتراكاتهم.

تشير الدراسة إلى أن تحليل البيانات، ينتج عنه رؤى وخصائص ذات صلة، تساعد على تحديد عوامل ميل القراء نحو الاشتراك مدفوع الأجر.  بعض القراء يميلون للاشتراك فقط في قطاعاتٍ معينة، البعض الآخر يميل إلى الاشتراك في المنصة ككل. ومن خلال دراسة القطاعات المختلفة للمنصة الإعلامية يمكنك تحديد الأسعار. سواء كانت معتمدة على طبقة القارئ وشريحته أو سعر موحد يشمل الطبقات كلها.

تسعى المؤسسات الحالية، بحسب الدراسة، نحو استقطاب القراء على المدى الطويل، عوضًا عن ارتباطات المدى القصير، وذلك عن طريق مهارات تحليل الإشارات السلوكية للقارئ، مثل المدة التي يقضيها متصفحًا للموقع وعدد المشاهدات ونوع الاشتراك. تلك البيانات توجه عملية صنع القرار نحو استراتيجية الدخل الأفضل، والعروض الترويجية المناسبة ودعم العملاء.

تضيف الدراسة: «إذا كانت القصص السياسية الطويلة تستقطب مشتركين جدد، فإن المؤسسة تعمل على زيادة القصص السياسية المجانية، من أجل تحفيز القراء على الاشتراك». هذا إضافةً إلى تطوير واستهداف منتجات تتجاوز فكرة المنتج الإخباري الأساسي بناءً على رؤى القراء واهتماماتهم، مما يهدف إلى خلق مصدر دخل جديد إضافةً إلى إيرادات المحتوى التقليدي. بعض الشركات استعانت ببعض الخدمات المساعدة، مثل الاستماع إلى الموسيقى والإعلانات المبوبة والألعاب، إضافةً إلى التجارة الإلكترونية وخدمات بيع السيارات المستعملة.

قواعد البيانات طريق إلى «الإعلانات»

تسعى العديد من المنصات الإعلامية حاليًا إلى استخدام قواعد البيانات الضخمة التي كونتها من أجل جذب المعلنين، وتحقيق قدر أكبر من الإيرادات. تستخدم المؤسسات البيانات السلوكية للقراء وتفضيلاتهم لاختيار نوعية الإعلانات المناسبة لشرائح الجمهور المختلفة. بحسب الدراسة، تمكنت إحدى الشركات من تحقيق تطورات مذهلة خلال خمس سنواتٍ فقط؛ إذ وبفضل جهودها الإعلانية، استطاعت تخفيض الاعتماد على بيانات «الطرف الثالث»، وزيادة الإيرادات في الوقت ذاته.

Embed from Getty Images

من خلال تطوير وتعزيز خصائص جمع بيانات «الطرف الأول»، واستخدام بيانات «الطرف الثالث» من أجل ملء الفجوات، ومن ثم تحليل البيانات كاملة وتقسيمها إلى شرائح بناءً على الخصائص المشتركة مثل: «النوع والسن والموقع ومستوى الدخل»، ومن داخل تلك الطبقات تقسم البيانات إلى شرائح أخرى أكثر تخصصًا، قائمة على «الاهتمامات المشتركة». وعبر قواعد البيانات وفرق عمل المبيعات والتسويق يمكنك أن تقدم للمعلنين جوانب أخرى عن جماهيرهم المستهدفة لم يدركوها.

تتجه أغلب المؤسسات الإخبارية والإعلامية إلى إنشاء حملات تسويقية تعمل على ربط المحتوى بالمنتج الإعلاني، من أجل استقطاب شريحة أكبر من الجمهور المستهدف، مما يرضي المستخدم ويلبي احتياجات المعلنين في الوقت ذاته. كما تعمل على أخذ ثقافة التسعير في الاعتبار، وذلك عن طريق تحديد الأسعار تبعًا لشريحة المتلقي مع الحفاظ على قيمة المنتج الأصلية، وتحديث قائمة الأسعار بشكلٍ دوري حسب متغيرات السوق.

تنصح الدراسة بإنشاء قاعدة بيانات خاصة بسياسة التسعير ومقارنتها بأسعار المنتجات ذاتها في المنصات المختلفة، إلا أن الأمر لا يتوقف هنا؛ إذ تعد قاعدة بيانات التسعير أداة هامة تساعد على التنبؤ بأسعار السلع المستقبلية، وعمل رؤى ودراسات تساعد المؤسسة في كسب الأسواق التنافسية لعالم الإعلانات. وتستند التوقعات على حجم المبيعات عبر السنين والأسعار ومخزون السلع لدى المعلن. وهو ما يمكن الناشر من تطوير استراتيجية التسعير بشكلٍ مستمر، والمنافسة.

«التوصيل بالقبلة».. تكنولوجيا المستقبل في نقل البيانات بين الهواتف الذكية

الإعلانات المبرمجةالبيانات الرقميةالبيانات الشخصيةالتسويق عبر مواقع الإعلانات المبوبةتجارة البياناتتحليل البياناتتطور الإعلاناتتكنولوجيا المعلومات

المصادر