هل حقًا يعيش إنسان العصر الحديث حالة اغتراب شبه مطلقة، وإحساس مفرط بالعزلة في مجتمع انفرط فيه عقد العلاقات الاجتماعية، وفقد فيه كل شيء قدسيته؛ مما  أدى إلى انقطاع صلته بالخالق؟ أم أن الإيمان قد انمحى من نفوس البشر في عصر غاب عنه الأنبياء وندر فيه الرقباء على أفعالهم مما جعلهم ينسون – أو يتناسون – خشيتهم من الله ويمضون في حياتهم بلا مبالاة شديدة، دون انتظار ثواب أو عقاب على أفعالهم؟ قد تكون إجابة تلك الأسئلة في قصة، «الكلب الذي رأى الله»، للكاتب الإيطالي الكبير دينو بوتزاتي.

اعتبر معظم النقاد أن بوتزاتي – الذي يعد واحدًا من أهم الأدباء الإيطاليين – يحاكي أسلوب كافكا من حيث نجاحه في التركيز على العدمية التي ألقت بظلال داكنة على مجتمع فقد صلته بالإله، وبالتالي عاش الإنسان حالة اغتراب شبه دائمة لدرجة القول بأن ما كان لأعمال بوتزاتي أن تكون، لولا مرور شهاب فرانز كافكا في سماء الحداثة الأوروبية.

وعلى الرغم من ذلك؛ فقد قال بوتزاتي بعد زيارته لمدينة براغ – حيث يتواجد قبر كافكا –  أن كافكا لم يسبب له أبدًا عقدة نقص، كما يدعي النقاد، بل عقدة ضجر وسأم، إذ كتب ساخطًا ما يلي: «يقولون أنني أقلد كافكا ولكنني أقول: إنها الحياة».

قد يبدو ضجر بوتزاتي هنا مبررًا حين نعلم أنه ما كتب قصة أو رواية، أو حتى مقالًا، إلا وطاردته تهمة محاكاة كافكا، ولكن يبدو أن النقاد وقتها قد أغفلوا شيئًا هامًا ألا وهو أن كلا الكاتبين قد خبرا رعب الإنسان في القرن العشرين وهو يشاهد المجتمعات الصناعية الحديثة وهي تمشي بخطوات ثابتة نحو الإنكار الكلي لفكرة الإله وبالتالي أصبحا مهووسين بهذه الفكرة في كتاباتهما، وهذه الفكرة عينها يناقشها بوتزاتي في قصته القصيرة التي نناقشها فيما يلي.

 الأديب الإيطالي دينو بوتزاتي

بسوء نية خالصة ترك العجوز «سبيريتو» مخبزه ليرثه ابن أخيه «ديفندينتي سابوري» بشرط واحد، وهو أن يلتزم ديفنديتي بتوزيع خمسين كيلو جرامًا من الخبز الطازج على الفقراء في مكان عام ولمدة خمس سنوات.

لابد أن العم الخبيث قد ضحك كثيرًا وهو يتخيل وجه ابن أخيه الذي يُعد من أبرز الملحدين السبابين في البلدة، وهو يقوم بفعل الخير على مرأى ومسمع من الناس، وهكذا اضطر ديفندينتي للموافقة على هذا الشرط الذي بدا له غبيًا وغير أخلاقي، واختار الفناء الصغير الواقع خلف مخبزه ليكون مكان توزيع الخبز على شرذمة شرهة من الفقراء، ولم ينس يومًا أن يصب اللعنات بصوت عال على روح العم الراحل.

بلدة لا تفعل الخير

في الأيام الأولى تعمد أصدقاء ديفندينتي تقديم المنبه كي لا تفوتهم متعة مشاهدته وهو مضطر لفعل الخير علنًا وإمطاره بوابل من السخرية والتعليقات اللاذعة، لكن يبدو أن ديفندينتي لم يكن أقل مكرًا من عمه الراحل؛ إذ ابتكر طريقة ليسرق بها كمية كبيرة من الخبز؛ ففتح في السلة المخصصة للتوزيع بابًا صغيرًا وألصقها بالحائط.

وفي وقت التوزيع، كان ديفندينتي يتعلل بأن المخبز في حاجة إليه، ويتسلل في خفية إلى المخزن، ثم يصعد فوق أحد المقاعد ويفتح نافذة تقع أمام سلة الخبز مباشرة، ثم يفتح باب السلة ويسلب من قاعها أكبر كمية خبز ممكنة. الغريب في الأمر أنه لم يستطع أحد من سكان البلدة المتربصين به ملاحظة هذا الأمر؛ لأنه كان منطقيًا أن تفرغ السلة بسرعة نظرًا للسرعة التي يتم تسليم الخبز بها للفقراء الجائعين.

عصر الكفر بالمعجزات

في الصيف ذاته الذي توفي فيه العم العجوز «سبيريتو»، علم الناسك العجوز «سيلفيسترو» أن أهل بلدة «تيس» لا يؤمنون بالله، ولا يخافونه، ولذلك قرر أن يقيم على مقربة منها؛ عله يفلح في ردهم إلى الطريق القويم. اتخذ الناسك من أطلال كنيسة قديمة تقع على ربوة عالية منعزلة بالقرب من نبع ماء مسكنًا له، وانتظر طويلًا أن يأتيه أحد من أهل البلدة، لكن دون جدوى، وهكذا ظل الناسك وحده يناجي الأحجار والطيور ويرسل صلواته الحارة يوميًا من أجل أرواح هؤلاء الخطاة، ولكن ما من فائدة؛ فعلى الرغم من أن بركات الناسك قد ظهرت لهم جليًا لم يكلف أحد من أهل البلدة نفسه عناء الصعود إلى الربوة للقاءه.

من بعد قدوم الناسك بدأ سكان البلدة في رؤية أنوار غريبة ليلًا لدرجة أنه بدا لهم أن الغابة تحترق في أول الأمر، إلا أنهم سرعان ما فطنوا إلى أن هذا ما كان سوى وميض أبيض يأتي متهاديًا من ناحية الربوة التي يعيش بها الناسك، وعندما قرر أحدهم أخيرًا الصعود إلى الربوة، بدافع الفضول، لاكتشاف مصدر الضوء تعطلت دراجته النارية في منتصف الطريق فعاد أدراجه من فوره ولكنه قال إنه شاهد من بعيد هالة من نور تشع من حيث يعيش الناسك، ولكنه لم يكن نور نار، إنه نور الله!

قابل أهل البلدة كل ذلك بلامبالاة شديدة، بل إنهم أصروا على أن الناسك يشعل النيران يوميًا؛ لأنهم لم يعودوا يؤمنون أبدًا بالمعجزات، إلا إنه ذات صباح لاحظ «ديفندينتي سابوري» أن كلبًا ضالًا قد دلف وسط حشد المتسولين والتقط رغيفًا من السلة في هدوء وكأنه يأخذ شيئًا من حقه، ولم يجر هاربًا كما تفعل الكلاب، ولكنه ابتعد بهدوء.

عبثًا حاول سابوري الإمساك بالكلب على الرغم من أنه كان يأتي في ميعاد ثابت كل صباح ويرحل في هدوء كما جاء، ولم تفلح الحجارة التي ألقاها في اتجاه الكلب في النيل منه، وكان هذا يزيد من ضحك المتسولين مما يشعل غضب سابوري، حتى قرر تتبعه ذات يوم ليرى أين يذهب برغيف الخبز، ولشد دهشته اكتشف أنه يذهب إلى خارج البلدة باتجاه ربوة الناسك.

هناك على الربوة لم تخرج الشتائم العديدة التي أعدها سابوري بداخله عندما رأى الناسك؛ فمن يدري ربما يقيم معه صداقة سرية تعود عليه بالنفع يومًا، أو ربما يأتي هذا العجوز بمعجزة فيولع به الشعب ويصبح هو صفي القديس ويتقلد منصب العمودية على سبيل المثال. على الرغم من أن سابوري أخبر الناسك أن الكلب يستطيع أخذ رغيف يوميًا تنفيذًا لهذه الوصية اللعينة – على حد قوله – إلا إنه لم يكن ليتحمل أن يقل شأنه في أعين أهل البلدة أكثر من ذلك، ألا يكفي أنه يطعم المساكين علنًا حتى يطعم الكلب.

في اليوم التالي استيقظ سابوري باكرًا ونادي الكلب – جاليوني – بصفارة تعرف عليها الكلب وسحبه، وهو ممسك بالرغيف في يده، إلى كوخ صغير وضع فيه الرغيف كي يخبر الكلب أن عليه في المستقبل أن يبحث عن طعامه هنا، وهكذا كان جاليوني يأخذ الرغيف يوميًا إلى الناسك إلى أن استيقظت البلدة كلها ذات ليلة على صوت مصاريع نوافذهم وهي تفتح ورأوا أنوارًا عظيمة مهيبة لم يشهدوا مثلها من قبل، وفي الصباح انتشر بتثاقل خبر مجهول المصدر أن الناسك العجوز قد مات ليلًا متجمدًا من البرد.

«الكلب الذي رأى الله»

حيث إن دفن الموتى إجباري بقوة القانون؛ فقد أُجبر اللحاد على الذهاب إلى مكان الناسك لدفنه، وهناك وجدوه مستلقيًا على الجليد وبجانبه كلبه يبكي. من بعدها لم يشاهد أحد جاليوني ثانية، حتى أن سابوري قد اندهش عندما ذهب للكوخ ووجد الرغيف مكانه، وهكذا ظن أهل البلدة أن حكاية الناسك قد انتهت، إلا أنهم فوجئوا بكلب هزيل يمشي مترنحًا في الشوارع، إنه كلب الناسك الذي كان معه وقت موته.

عبثًا حاول سابوري والآخرين التظاهر بعدم المبالاة؛ إذ كانوا يرتعبون خوفًا في قرارة أنفسهم؛ فمن يأمن لكلب قد رأى الله من وجهة نظرهم. في الأيام التالية لم يبد الكلب بنفس هزاله السابق، فكان جليًا أن أحدهم يعتني به ويطعمه في الخفاء – الحقيقة أن البلدة كلها كانت تفعل ذلك لأسباب خفية؛ فربما كانوا يخافون الله حقًا، وربما أرادوا شراء رضاه بثمن بخس دون أن يعرضوا أنفسهم للسخرية.

أصبح جاليوني كابوسًا مقيمًا لأهل البلدة أجمعين فلا أحد يجرؤ على التعرض له وعندما تأتي سيرته يتظاهر الجميع بالانشغال في أمور أخرى، فلا أحد يجرؤ على أن يتحدث بالسوء عن كلب رأى الله. لم يقتصر الأمر على هذا فقط، بل إن جاليوني أصبح رقيبًا عليهم، فعندما حاول سابوري فتح باب السلة خفية ليسرق الخبز؛ رأى شيئًا أسودًا يتحرك، ولم يكن هذا الشيء سوى جاليوني الذي أخذ يحدق فيه بعينيه الكبيريتين.

عبثًا حاول سابوري تبرير الأمر، إلا أن جاليوني قد استدار ومشى في هدوء، أيمكن أن يخبر الله بهذا الأمر؟! من يدري فهذا كلب قد رأى الكثير! أصبح الرجال يسترقون السمع قبل القيام بأي إثم، وإن حدث وقاموا بخطيئة ما، فإنهم يتراجعون فور رؤيتهم لجاليوني؛ فها هو السمسار يعتذر لزوجته بعدما نهرها بشدة بسبب فلسين، أما المحاسب «فيديريتش» فقد مزق الخطاب الذي كان يكتبه إلى سيده، صاحب المصنع، ليخبره فيه أن كاتب الحسابات على علاقة بعناصر إرهابية وألقاه في النيران، عندما وجد جاليوني فجأة في حجرته.

أما البستاني فإنه قد ادعى أنه كان يقصد منزل مسجل العقود، عندما رأى الكلب على أعتاب السلم الخشبي المؤدي لشقة «فلورا» الحسناء الخليعة، فقال بصوت عال موجهًا كلامه إلى جاليوني «في الظلام دائمًا ما يحدث خطأ»، وبالنسبة لسابوري، فقد امتنع تمامًا عن سرقة الخبز؛ إذ قال لنفسه: إن هذا الكلب يعرف الكثير، ومن الممكن أن يبلغ عنه، ويفقد بذلك إرثه.

مضت الأيام وجاليوني يتجول في البلدة وعيناه تسائل كل مخطئ عن معاصيه، ولم يدر المتسولون لم أصبحوا يحصلون على خبز أكثر من المعتاد، وكان عجيبًا أن يُسمع صوت رنين العملات المعدنية في صناديق الصدقات من جديد، والأعجب أن «ماتينو» الأحدب استطاع – لأول مرة – أن يسير مطمئنًا في شوارع البلدة، دون أن يقذفه أحدهم بالحجارة أو يضربه بالعصا. تغير كل شيء إلا أن سكان البلدة – التي كانت ظالمة – لم يستطيعوا أبدًا أن يعترفوا لأنفسهم أنهم يخشون أن يسيء كلب – مجرد كلب – الحكم عليهم فكانوا دائمًا ما يختلقون لبعضهم البعض الأعذار عندما يقومون بفعل الخير أو يتورعون عن فعل الشر.

عم الخير البلدة وقلت الجرائم طوال فترة حياة الكلب، حتى إنهم لم يستطيعوا أن يتنفسوا الصعداء حين وجده صبي الفران ميتًا؛ فهم قد تغيروا جذريًا، وبات الرجوع إلى الوراء مستحيلًا، فمن يجرؤ على التصريح بأنه كان يمتنع عن المعاصي لأنه يخاف من كلب؟! فهذا الأمر يبعث على الضحك والسخرية في أعينهم، إلا أن المفاجأة الكبيرة كانت يوم دفن الكلب؛ إذ اقترحوا أن يتم دفنه بجوار الناسك، وعندما ذهبوا هناك وجدوا هيكلًا عظميًا صغيرًا فوق قبر الناسك بالضبط، لقد كان هيكلًا عظميًا لكلب!

هكذا انتهت قصة، الكلب الذي رأى الله، التي أثار فيها دينو بوتزاتي واحدة من أعمق الفكر الإيمانية، وهي أن البشر كثيرًا ما يتهربون من الاعتراف بوجود رب، بالرغم من أنه يشعرون بوجوده، بل يخشونه كثيرًا. قد يبدو من المثير للدهشة هنا أن بوتزاتي قد اختار كلبًا ضالًا ليكون مبعوثًا من عند الله ليراقب هؤلاء العصاة ويذكرهم بوجوده دائمًا، إلا أنه اختار هذا الكلب الضعيف بالذات ليشير إلى أن الإنسان يستشعر وجود الله دومًا، ولكنه يتناسى وجوده ويتمادى في معاصيه لمجرد عدم وجود رقيب مباشر يذكره دائمًا بوجوده وبأنه يراقبهم دومًا.

إن أهل البلدة الذين يفتخرون بمعاصيهم وسبهم للدين علنًا بمناسبة ومن غير مناسبة، ويسبون الفقراء، والحيوانات قد خافوا خوفًا حقيقيًا من مجرد كلب صغير ضال، لماذا؟ لأنه – في اعتقادهم – قد رأى الكثير. إنه رأى الله الذي ينكرون هم وجوده، ويتناسون أنه يراهم دائمًا، إنهم يفسرون أفعالهم لكلب صغير، ويطعمونه يوميًا طمعًا في رضا الله الذي كان سيرضى عنهم بالامتداد المنطقي لخط الرواية حتمًا، لو عاملوا الفقراء برفق، وتجنبوا السباب ومضايقة الضعفاء.

الأهم في هذه القصة أنها تشير إلى حقيقة هامة من وجهة نظر الكاتب، وهي أن الناس – كل الناس – بمقدورهم أن يكونوا صالحين تمامًا، مثل الناسك فقط لو أرادوا هم ذلك؛ إذ إن كونك صالحًا لا يشترط أبدًا أن تكون ناسكًا مثل العجوز «سبيريتو»، بل يكفي أن تكون مثل سابوري الجديد، سابوري الذي تغير وعرف الحق وأدى للفقراء حقهم، سابوري الذي ذاق لذة الفضيلة وبدى رجوعه إلى حياته الماجنة المنفلتة السابقة أمرًا مستحيلًا.

المصادر

إبراهيم العريس. صحراء التتار لدينو بوتزاتي: العدو الذي لن يصل. جريدة الحياة عدد 7 كانون الثاني 2016
سليمان عز الدين. دينو بوتزاتي .. معاناة طويلة من عقد كافكا. ملحق الخليج الثقافي
Policini, Valentina. Dino Buzzati and Anglo-American Culture: The Re-use of Visual and Narrative Texts in his Fantastic Fiction. Cambridge Scholars: UK, 2014 AD.
عرض التعليقات
تحميل المزيد