تصاعدت التوترات داخل مجلس التعاون الخليجي في يونيو (حزيران) 2017، عندما فرضت السعودية والإمارات، إلى جانب البحرين ومصر، شبه حصارٍ بري وبحري وجوي على قطر؛ بذريعة دعمها للإرهاب وعلاقاتها الوثيقة مع إيران. سياسيًّا، لزمت عمان الحياد طوال الأزمة، إما برفضها الانضمام إلى دول المقاطعة، أو إحجامها عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر. أما من الناحية الاقتصادية، فقد كان النهج العماني أكثر تحديًا لسياسة الجارتين الغاضبتين، السعودية والإمارات، وداعمًا لكسر العزلة الاقتصادية المفروضة على الدوحة.

بلغة المصالح، التي استخدمها جوناثان شانزر وفارشا كودوفور في دورية «فورين بوليسي»، يتضح أن: «سلطنة عمان، التي تعاني من ضائقة مالية، تحاول السير على حبلٍ مشدود، من خلال الحفاظ على حيادها رسميًّا، بينما تستفيد من العزلة المفروضة على قطر لتعميق علاقاتهما الاقتصادية».

لم يربح أحد.. كيف غيرت الأزمة الخليجية الخريطة السياسية العربية خلال عام؟

 

عمان تتعلم الدرس من أزمة قطر

تحت السطح، يحمل السعوديون والإماراتيون «ضغائن تاريخية ضد مسقط»، وفيما يرى البعض أن نهج عمان المستقل على الساحتين الدولية والإقليمية تسبب في إثارة التوترات داخل دول مجلس التعاون الخليجي على مر السنين، يتهم المسؤولون السعوديون السلطنة أحيانًا بـ«تقويض المصالح الجماعية للمجلس، عن طريق كسر الإجماع الخليجي والعربي، في قضايا إقليمية مثل: إيران والعراق وسوريا واليمن».

صحيحٌ أن النهج العدائي الذي اتبعته السعودية والإمارات داخل مجلس التعاون لا يزال مقتصرًا على قطر، إلا أن عمان بدأت تخشى -في ضوء التاريخ الخليجي المتقلب- أن ينالها من غضب الرياض وأبوظبي نصيب، حتى ولو أظهرا عكس ذلك الآن.

Embed from Getty Images

كما أن دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية والإمارات، خلال الأزمة مع قطر، أصاب مسقط بالصدمة؛ نظرًا إلى أن الدوحة تتمتع بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة دبلوماسيًّا وعسكريًّا، ما كشف للسلطنة أن الحليف الأمريكي لا يمكن الاعتماد عليه تمامًا، حين يجد الجد.

ناهيك عن الأسئلة الأكثر حساسية: ماذا لو نشب الخلاف غدًا داخل عائلة آل سعيد، أو امتد إلى الجيش والشرطة والنخبة الاقتصادية حول خليفة السلطان قابوس؟ وهل ستلتزم السعودية والإمارات الحياد، أم ستحاولان التأثير في مسار الأحداث مثلما حدث في قطر؟

وقتئذ ستحرص السعودية على ألا ترتمي عُمان بعد قابوس في أحضان إيران أكثر، وتتخلى عن حيادها الصعب. ولن تُمحى من ذاكرة العمانيين شبكة التجسس الإماراتية التي أعلنت السلطنة القبض عليها في يناير (كانون الثاني) 2011.

وعلى رأس قائمة المطالب السعودية الإماراتية الطويلة، أن تبدي عمان استعدادًا أكبر لوقف التجارة مع إيران، وإغلاق طرق التهريب إلى الحوثيين، وممارسة الضغط على قطر. ويمكن القول بأن السعودية والإمارات تمتلكان مجموعة متنوعة من وسائل الضغط المتاحة، والتي من بينها القدرة على تخريب علاقة مسقط بواشنطن، من خلال إقناع حليفهما في البيت الأبيض بأن السلطنة هي «الحلقة الضعيفة في استراتيجية الولايات المتحدة المناهضة لإيران»؛ من أجل إجبار عمان على التماشي مع استراتجياتهما الخاصة.

وحتى لو اختارت واشنطن الرقص على السلم، مثلما فعلت مع أزمة قطر في نهاية المطاف، يمكن لأبوظبي التدخل مباشرة بممارسة الضغط على المواطنين والشركات العمانية، سواء داخل دولة الإمارات (أكبر شريك تجاري لسلطنة عمان) أو على طول الحدود، ويمكن أن توقف الرياض وأبوظبي استثماراتهما في عمان، أو يؤخرا التحويلات النقدية.

لكن توظيف هذه الأدوات لن يكون سهلًا، إذ أثبتت السلطنة براعةً في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي شملت الهند والصين. ما يعني أن الرياض وأبوظبي يمكن فقط أن يدفعا مسقط إلى أحضان الآخرين إذا قررا التعامل بخشونة، وهو الموقف الذي لن يكون في مصلحة أحد. ناهيك عن «فشل الحصار، وتمكن الاقتصاد القطري، المدعوم باحتياطي هائل من من الغاز الطبيعي، من التعافي سريعًا»، حسبما يشرح بوبي غوش في تقريرٍ نشرته «بلومبرج» بتاريخ 5 يونيو 2019.

 

ويمكن القول بأن عمان اختارت «الوقوف في الوسط»، والمساعدة في استقرار الأوضاع الإقليمية؛ لأنها «لا ترحب بأي تغيير مفاجئ»، وتتجنب حدوث اضطرابات واسعة النطاق، وتأمل في الحفاظ على «الجغرافيا السياسية في المنطقة كما هي»، كما يقول محجوب الزويري، مدير «مركز دراسات الخليج».

في ضوء هذا التفسير، يمكن فهم أسباب وقوف عمان مع إجماع دول مجلس التعاون الخليجي لإرسال قوات درع الجزيرة إلى البحرين في 14 مارس (آذار) 2011، باعتبارها خطوة تساهم في إبقاء الوضع الراهن كما هو، بينما رفضت لاحقًا الانضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، باعتبارها مخاطرة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.

المقاطعة الرباعية تعزز العلاقات الاقتصادية بين عمان وقطر

متحديةً غضب السعوديين والإماراتيين، عمقت السلطنة علاقاتها الاقتصادية مع قطر، حتى بلغ حجم التجارة المتبادلة بينهما 702 مليون دولار، بزيادة نسبتها 2000%، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الأزمة، ما بين يونيو وسبتمبر (أيلول) 2017.

في تلك الأثناء، زادت سلطنة عمان صادراتها غير النفطية إلى قطر بنسبة 144% من يناير إلى سبتمبر 2017. وارتفعت الصادرات العمانية غير النفطية إلى قطر بنسبة 144% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2017.

في المقابل، أصبحت سلطنة عمان الوجهة الأولى للصادرات القطرية غير النفطية بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2017، إذ حصلت على حوالي 35% من إجمالي الصادرات القطرية.

وبفضل 513 شركة عمانية قطرية مشتركة تعمل في كلا البلدين (توجد 361 شركة منها في قطر)؛ شهدت الاستثمارات المتبادلة بين البلدين نموًا ملحوظًا في جميع المجالات، بما في ذلك الزراعة والثروة الحيوانية والنقل والاتصالات والطاقة والسياحة والتعليم.

تعمقت العلاقات الاقتصادية والتجارية أكثر بعد مذكرة التفاهم التي وقعها البلدان في يناير 2018، وبحلول نهاية العام، بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 4.1 مليار ريال، بزيادة نسبتها 101% منذ بدء الأزمة، وأصبحت عُمان في المرتبة 18 على قائمة أكبر الشركاء التجاريين لدولة قطر.

تُوِّجَ هذا التقارب بزيارة وزير الشؤون الخارجية لسلطنة عمان، يوسف بن علوي بن عبد الله، الدوحة في يناير 2019، إذ التقى نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.

أزمة قطر تجعل عمان مركزًا لوجيستيًّا رئيسيًّا

للتخلص من الحصار الجوي والبحري الذي فرضته دول الرباعية، نقلت قطر رحلاتها ومركز شحنها من دبي إلى ميناء صحار وميناء صلالة في سلطنة عمان، ما عزز مكانة عمان باعتبارها مركزًا لوجستيًّا.

Embed from Getty Images

أمير قطر

واستأجرت قطر الطائرات العمانية لنقل الركاب بعد أن رفضت السعودية السماح للطائرات القطرية بدخول مجالها الجوي. وبذلك أصبح الطيران العماني هو المستفيد الرئيس من إغلاق المجال الجوي الخليجي أمام الخطوط الجوية القطرية، وكان الحياد نعمةً لطائرات الدولة صديقة الجميع التي بمقدورها التحليق بحرية في سماوات الخليج.

وبينما تهدد هذه المتغيرات موقع دبي باعتبارها مركزًا ماليًّا في المنطقة، خدمت الأزمة طموحات عمان لأن تصبح مركزًا رئيسيًّا للخدمات اللوجستية، جزء من استراتيجية التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على قطاع النفط والغاز، الذي يتقلص باستمرار لكنه لا يزال يمثل نصف إجمالي الناتج المحلي للسلطنة.

اقتصاد صغير ونفط محدود.. السلطنة لا تمتلك «رفاهية الجنون»

في حين أن الحياد السياسي التي اختارته عمان ينبع من سياقها التاريخي والجغرافي، إلا أن التقارب الاقتصادي مع قطر مدفوعًا بوضعها الاقتصادي الهش؛ ذلك أن عمان لا تمتلك رفاهية الانخراط في هذه المناوشات، بينما هي في حاجة ماسة إلى حماية اقتصادها الصغير نسبيًّا مقارنة بمعظم جيرانها الخليجيين.

بلغ إجمالي الناتج المحلي للسلطنة 70.7 مليار دولار في عام 2017، مقارنة بـ686.7 مليار دولار في السعودية، و382.6 مليار دولار في الإمارات، و166.9 مليار دولار في قطر، و120.1 مليار دولار في الكويت.

كما أن احتياطيات النفط العمانية محدودة للغاية، وسوف تنفد في وقت أقرب من احتياطيات جيرانها. لذلك يبدو أن عمان فكرت سابقًا في أن تيمم وجهها شطر الغاز الطبيعي الإيراني؛ لتغطية استخدامها المحلي، وتصدير الفائض من غازها الطبيعي إلى الخارج. لولا أن الولايات المتحدة كانت حاضرة باعتراضاتها على الصفقة، فضغطت على عمان للحصول على الغاز من قطر بدلًا من إيران. وبالفعل انصاعت عمان، وبدأت في استيراد الغاز من قطر عام 2007، لكن هذه الواردات لم تغط طلب السلطنة المتزايد على الغاز.

بالإضافة إلى ذلك، أدى انخفاض أسعار النفط إلى عجز في ميزانية عمان خلال السنوات الأربع الماضية. فقد بلغ العجز 17% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015، وارتفع إلى 20% في عام 2016. صحيح أن العجز عاود الانخفاض إلى 13% في عام 2017، وإلى 7% في 2018، لكن الحكومة العمانية اضطرت خلال هذه الفترة إلى خفض الدعم على الإسكان والوقود والسلع العامة الأخرى، وأُجبِرَت على اقتراض أموال من الأسواق المحلية والدولية، وإصدار سندات بأكثر من 11 مليار دولار.

«فورين أفيرز»: سلطنة عمان.. كيف ينجح قابوس في السير على حبال السعودية وإيران معًا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد