لأول مرة ينخفض معدل الكلور، ويستجيب له الأوزون. نعم الأوزون هذه الطبقة المثقوبة منذ أكثر من عقدين، ومثال نادر للإضرار بالبيئة العالمية، جرى معالجتها بنسبة 2% عما كانت عليه عام 2000، وفي التقرير الصادر عن الأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، يتوقع خبراء تغير المناخ التئام الثقب الذي كان بحجم أمريكا الشمالية، إذا استمرت إجراءات التخفيض الحالية من الانبعاثات المسببة للثقب، ولكن هذه النتيجة تطرح سؤالًا آخر متعلقًا بتأثير ذلك في تغير المناخ.

ما الذي يحدث في طبقة الستراتوسفير؟

يتجلى ثقب الأوزون فوق القطب الجنوبي في كل شتاء؛ إذ يسهل رصده، وخاصة في شهر سبتمبر(أيلول)، حين تعمل أشعة الشمس العائدة من الأرض على تحفيز دورات تدمير الأوزون بما تحويه من الكلور والبروم. الأوزون هو غاز يشكل طبقة رقيقة ولكنها مهمة لكوكبنا، وتقع طبقة الأوزون في طبقة الستراتوسفير، وهي طبقة شفافة تسمح بنفاذ الضوء للأرض، وتمتص جزيئات الأوزون الأشعة فوق البنفسجية عالية الطاقة، والمضرة، والتي لولا الأوزون لكانت انتشرت على سطح الأرض، وكسرت الروابط العضوية التي تعمل على استمرار الحياة الطبيعية، وهو بالفعل ما حدث قبل نحو 30 عامًا، عندما اكتشف العلماء وجود ثقب هائل في طبقة الأوزون فوق القطب الجنوبي في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وأعادوا السبب إلى إنتاج المصانع مركبات الكلوروفلوروكربون.

Embed from Getty Images

ويشكل غاز الأوزون حزامًا أو درعًا للأرض يمتد من 9.3 إلى 18.6 ميلًا فوق الأرض، أي أنها تتوسط تقريبًا طبقة الستراتوسفير التي تشغل ما بين 6.2 أميال إلى 31 ميلًا فوق سطح الأرض، ويهدد هذا الدرع مركبات الكلوروفلوروكربون، وهي مركبات عضوية طويلة العمر، تحتوي في تركيبها على الكربون والكلور والفلور، وترتفع إلى الستراتوسفير، حيث يجري تكسيرها بفعل أشعة الشمس فوق البنفسجية، لتطلق ذرات الكلور التي تعمل على تدمير جزيئات الأوزون. وتعرف هذه المركبات بالاسم التجاري «فريون»، وتؤثر بالسلب على طبقة الاستراتوسفير التي تحمي الحياة على سطح الأرض، عن طريق امتصاص الأشعة فوق البنفسجية الضارة، والتي يمكن أن تتسبب في سرطان الجلد وعتامة العين أو الماء الأبيض على العين، وإضعاف جهاز المناعة وتدمير الحياة النباتية، وتعطل الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى الأرض الدورة التناسلية للفيتوبلانكتون، وهي كائنات وحيدة الخلية وتشكل الدرجة السفلى من السلسلة الغذائية.

.

بالصور، آثار تغير المناخ على كوكبنا

العالم يتحرك نحو إنقاذ الكوكب

وقعت دول العالم على بروتوكول مونتريال بشأن المواد التي تضر طبقة الأوزون في عام 1985، بعد عامين على اكتشاف ثقب الأوزون فوق القطب الجنوبي. ونص البروتوكول على سعي الدول ضبط إنتاجها للمركبات المستنفدة للأوزون، ثم جاءت التعديلات اللاحقة على البروتوكول بالتخلص التدريجي من كل مركبات الكلوروفلوروكربون، في انتصار للعمل العالمي المتضافر من قبل الحكومات.

Embed from Getty Images

لولا هذا البروتوكول لكان جزء كبير من طبقة الأوزون جرى تدميره بحلول عام 2065، ما كان سيصحبه عواقب أكثر من مدمرة بعد اختفاء الطبقة التي تحمي الكرة الأرضية من الأشعة فوق البنفسجية، وستشمل العواقب أضرارًا على البشر والحيوانات والنباتات. فقد حقق بروتوكول مونتريال نجاحًا كبيرًا في حظر إنتاج المواد المستنفدة للأوزون، وتأكد خبراء تغير المناخ من هذا السبب بعد بقياس معدل تواجد هذه المواد على سطح الأرض منذ ذلك الحين في فترات بعيدة تعود إلى ما قبل ثمانينيات القرن الماضي، التي كان يجري فيها إنتاج المواد المستنفدة للأوزون على السطح بأنماط شديدة الكثافة. ولكن بمجرد توقيع البروتوكول وبدء سريان اللوائح، انخفض بالفعل مستوى إنتاج المواد المستنفدة، وظهر هناك مؤخرًا أمل أن يساعد البروتوكول في الحد من تغيير المناخ في المستقبل، من خلال استهداف مركبات الهيدروفلوروكربون والكلوروفلوروكربون، المستخدمين في الغالب في التبريد، مع تأثيرهما الكبير في أزمة الاحتباس الحراري أكبر بعشرات الآلآف من المرات عن ثاني أكسيد الكربون.

كيف سيؤثر التغير المناخي على جيبك؟

مستقبلنا يبدو أكثر إشراقًا

كان العلماء بحاجة إلى معرفة ما إذا كان الانخفاض في مركبات الكربون الكلوروفلورية مسؤول عما حدث، إذ يوجد الكلور في عدد من الأشكال الجزيئية، ومعظمها يصعب قياسه، حتى وبعد أن زادت نسبة الكلور مقارنة بغاز الأوزون المتاح في طبقته، وأصبح يتفاعل بدلًا منه مع الميثان مكونين حمض الهيدروكلوريك، وهو غاز لا يمكن قياس نسبته إلا في شهر أكتوبر تقريبًا، عندما تتحول جميع مركبات الكلور وتتوحد إلى مُركب واحد.

Embed from Getty Images

نشرت وكالة ناسا دراستها التي تناولت أول دليل مباشر على التئام ثقب الأوزون بسبب حظر المواد الكيميائية. وكانت هي الدراسة الأولى التي تستخدم قياسات التركيب الكيميائي داخل ثقب الأوزون؛ فللمرة الأولى أظهر العلماء مدى انخفاض مستويات مركب الكلوروفلوروكربون المدمرة للأوزون عبر الرصد المباشر للأقمار الصناعية، وقد أدى هذا إلى انخفاض درجة الضرر المؤثرة على طبقة الأوزون بنسبة 20%، إذ جرى حساب التغيرات التي طرأت على طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية، في فصل الشتاء الجنوبي، والذي يبدأ في شهر يوليو(تموز) وينتهي في سبتمبر، وذلك كل عام منذ 2005 إلى 2016، أي منذ العام الأول الذي أجرى فيه القمر الصناعي أورا، والتابع لوكالة ناسا، قياسات للكلور والأوزون لتحديد كيفية تغير وضع الأوزون والمواد الكيميائية المضرة من عام لآخر باستخدام القياسات المستمرة منذ إطلاقه منتصف عام 2004. تعمل هذه النوعية من الأقمار الصناعية في الأوقات التي تصبح فيها الشمس ساطعة لقياس انبعاث الغازات في الغلاف الجوي، بينما يستحيل عليها فعل ذلك فوق القارة القطبية الجنوبية في فصل الشتاء، إلا أن أورا صُمم لفعل ذلك في الظلام عندما تكون طبقة الستراتوسفير هادئة ومستقرة، ودرجات الحرارة منخفضة وثابتة.

 

هل انتهت رحلة إنقاذ الأرض؟

ما حدث لطبقة غاز الأوزون يبشر بالخير من ناحية اتفاق المجتمع العالمي وتعاونه لحل أزمة تربط كل من يعيش على وجه الأرض، ولكن ما زالت هناك مشاكل تهدد طبقة الأوزون لم يتم حلها بالفاعلية نفسها؛ فرغم نجاح بروتوكول مونتريال في خفض إطلاق المواد التي تضر الأوزون، كان هناك تباطؤ في التحكم بانبعاثات الكلوروفلوروكربون، وكان السبب في ذلك جمهورية الصين، وهي إحدى الدول الموقعة على البروتوكول، وجرى اكتشاف ذلك بتحقيق من وكالة التحقيق البيئي (The Environmental Investigation Agency). وجد التحقيق أن هناك 18 مصنعًا بالصين ما زالوا يصنعون المركبات المحظورة ويجري بيعها في صورة مواد بلاستيكية رخيصة تدخل في مواد البناء على الطراز الحديث، وهي الأنشطة التي قد تؤخر من حل أزمة الأوزون لنحو 11 عامًا فوق المتوقع.

Embed from Getty Images

هناك أزمة أخرى إذا تعمقنا في المجهودات التي تُبذل من أجل التئام طبقة الأوزون، ففي حين تبدو مشكلتا المناخ وتآكل طبقة الأوزون منفصلتين، إلا أن هناك بعض التداخلات الهامة؛ إذ لا يعرف الكثيرون أن التئام طبقة الأوزون قد يحمل نتائج سلبية على كوكبنا في الوقت الحاضر. فالتئام الأوزون يعني ارتفاع درجة حرارة الكوكب، وخاصة القطب الجنوبي، لأن طبقة الأوزون تحبس الحرارة بدرجة أكبر قليلًا عن الطبيعي، وهذا الارتفاع في درجة الحرارة سيؤثر على هذه المنطقة التي تعاني بالفعل من تغير مناخي تسببت فيه الأنشطة البشرية، بينما تمتد آثاره السلبية لتطال تلك البيئة الجغرافية وغيرها من الأنظمة البيئية في نواحي مختلفة من العالم.

«فورين أفيرز»: اختفاء 28 ألف نهر في الصين! سيناريوهات تغير المناخ المرعبة تتحقق

 

المصادر

تحميل المزيد