“عبد الرحمن لم يقتل بسبب ما فعله، بل بسبب الشخص الذي قد يصبح عليه ذات يوم”، بهذه الجملة يختتم الصحفي الأمريكي جيرمي سكايهل، فيلمه التوثيقي عن الحروب القذرة، فيلمه عن قتل الأبرياء في أفغانستان واليمن والصومال بواسطة الأمريكان دون سبب، فيلمه عن القتل الذي يجعل شبابًا وأطفالاً يكرهون أمريكا أيما كراهية ويقررون الانتقام لذويهم، الأمر الذي قد يفسر قتل عبد الرحمن الفتى ذو الـ16 عامًا، إنها الحروب القذرة Dirty Wars.


عبد الرحمن أنور العولقي، ابن أحد أشهر المطلوب قتلهم، اليمني أنور العولقي، وأنور العولقي الذي اغتيل في غارة أمريكية بواسطة طائرة دون طيار في اليمن بسبب تصريحه بالعداء لامريكا وحثه على حربها لم يكن الانتهاك الوحيد لحقوق الإنسان هناك، لكن أيضًا قُتِلَ ابنه عبد الرحمن بعد أن قرر الذهاب للمكان الذي تم قصف أبوه فيه، قُتِلَ دون سبب أو اتهام مثل أبيه.


طائرة امريكية دون طيار، غير معلوم شرعية تحليقها فوق بلد كاليمن التي لا توجد حرب أمريكية معلنه فيها، لتقصف مناطق، يتحدث عنها الإعلام الامريكي على أنها مأوى للإرهاب والإرهابيين، ليموت أناس لهم حكاياتهم وقصصهم، ولا سبيل لمعرفة سبب حدوث ذلك أو متى سيتوقف!!


إنه فيلم الحروب القذرة للمخرج ريك رولي، الفيلم الذي كان على قائمة الأوسكار مع أربعة أفلام أخرى هذا العام، والفيلم مبني على معلومات وحوارات ضمها كتاب يحمل نفس اسمه “الحروب القذرة Dirty Wars” للصحفي ومقدم الفيلم جيرمي سكايهل.


الفيلم كإخراج وتصوير وبناء فني لا شك أنه يمثل طفرة ونقلة نوعية في عالم الأفلام الوثائقية، وتحديدًا تلك القائمة على طريقة التحقيق، فطوال 87 دقيقة – مدة الفيلم – أنت لست أمام عرض معلوماتي ومشاهد مسجلة في الخلفية كما في أغلب الوثائقيات التقليدية، بل مشاهد تكاد تشعر من فرط صدقها – وأحيانًا جمالها – أنها لفيلم روائي، مشاهد تدخّل في تكوينها مهندس ديكور ومخرج.

أربعة اطفال قد يكونوا خير تقسيم لما يتناوله الفيلم

الأولى من أفغانستان


لا تحكي ذات الـ5 سنوات أمام الكاميرا سوى أنهم قتلوا جدها، لكن لماذا قتلوه وكواليس وأسباب حدوث ذلك؟ هذا ما يجيبه الجزء الأول من الفيلم، فنتيجة اشتباه قوات أمريكية في إيواء عائلة أفغانستانية لإيرانيين، هاجموا المنزل وقتلوا 5 أفراد بينهم امرأتان حوامل، ليعودوا بعدها وقبل أن يتم دفن الجثث ليخرجوا رصاصهم من الأجساد. ويصرحوا للإعلام أن القتلى سقطوا نتيجة حادثة شرف.

في اليمن


نحن أمام من تكاد تتعلم الكلام وهي تحكي ماذا فعلت طائرة أمريكية دون طيار بأقاربها، فقد قتلت الطائرة أبوها وإخوتها، وقطعت الشظايا يدي الأخ الناجي وأمها.


لكن كانت قصة طفل اليمن الرئيسية لـعبد الرحمن أنور العولقي، الذي لقي حتفه بعد أسبوعين فقط من قتل أبيه بنفس الطريقة، القصف عن طريق طائرة دون طيار.

الصومال في مقابل أمريكا

تتبع أمريكا طريقة مختلفة للقضاء على من يمثلون تهديدًا لها في الصومال – طبقًا لما يسرده الفيلم – وهي استخدام “أمراء الحروب”، كوسطاء من الصومال نفسه، فيحاربون “الإرهاب” بعد أن تمدهم أمريكا بالمال والسلاح.


لنجد بعدسة التبيان بين الحال الصومالي والأمريكي صورة للشباب الصومالي وهو يلعبون الكرة على أرض غير صالحة وقت المغرب، وفي مقابلها الفتيات الأمريكيات يأخذن صورة تذكارية أمام “صرح الديمقراطية” من وجهة نظرهم، البيت الأبيض.



طالبان أمريكا


“توصلت إلى نتيجة على مر السنين بأننا نزيد عدد خصومنا أكثر مما نقتل ارهابيين” هكذا يحكي سكايهل في آخر فيلمه، خاصة بعد جزء كبير من الفيلم قضاه في البحث والتقصي عن فرقه اغتيالات تُدعى “جاي سوك JSOC”، وكيف قامت هذه الفرقة بتنفيذ المئات من عمليات الاغتيال ضد المدنيين، أشهرهم عملية قتل أسامة بن لادن. وأنها تتلقى أوامرها من البيت الأبيض مباشرة دون وسيط. وأنه رغم عدم شرعية ما تفعله إلا أن أول ما سئل عنه قائد تلك الفرقة في مبنى الكونجرس عقب عملية بن لادن ومعرفة العالم بوجود فرقة بهذا الاسم كان “هل أنت مستعد لتوسيع عملياتك في أنحاء العالم؟”.

نقد موجه للفيلم


بينما يرى البعض إبداعًا في إدخال طرق التصوير السينمائي والتلفزيوني للوثائقي، فآخرين وجدوها مفتعلة وغرضها التغطية على قلة مصادر المعلومات والشهادات والأدلة الكافية لموضوع حيوي ومهم كهذا، أيضًا متابعة الكاميرا لمقدم الفيلم، أثناء تمثيله مشاهد جمع الأدلة، وتفكيره أثناء انتقاله بالمواصلات، جعل من سكايهل بطل الفيلم، مع كون المفترض في الوثائقيات أن الأبطال هم أصحاب المآسي والمشاكل التي يسعى الفيلم لتسليط الضوء عليها.


عرض التعليقات
تحميل المزيد