في صباح الأحد 13 مارس (آذار) 2016، شهدت شوارع العاصمة المغربية، الرباط، طوفانًا من المتظاهرين، قُدرت أعدادهم، حسب وكالة المغرب العربي للأنباء (الوكالة الرسمية للمغرب)، بثلاثة ملايين متظاهر، وهو رقم لم تعرفه أي مسيرة احتجاجية في تاريخ المغرب، بما فيها مسيرات حركة 20 فبراير في ذروة احتجاجاتها.

شارك في التظاهرة الشباب والكبار، والنساء والأطفال من كل أنحاء البلاد، رافعين أعلام المملكة المغربية، ولافتات تشدد على «مغربية الصحراء»، مُرددين هتافات تقدح في الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

بداية القصة

جاءت التظاهرة المليونية، المدعومة من السلطة، تنديدًا بتصريحات للأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، وصف فيها «الصحراء» جنوب المغرب بـ«المحتلة»، ما أثار عاصفة غضب من قبل الرباط، التي اعتبرت أن تصريح بان كي مون يُعبّر عن موقفٍ «غير مُحايد».

وكان بان كي مون قد زار، السبت 12 مارس (آذار) 2016، مخيمات تندوف قرب الجزائر، حيث استقبله الصحراويون هناك بكثير من الشكوى، مستغلين منصبه الأممي. وخلال زيارته تلك أعرب عن «تفهمه لغضب الشعب الصحراوي، تجاه استمرار حالة احتلال أراضيه».

أثار التصريح حفيظة المملكة المغربية، إذ أبدت، في بيان رسمي لها، «اندهاشها الكبير للانزلاقات اللفظية، وفرض أمرٍ واقعٍ، والمحاباة غير المبررة للأمين العام الأممي بان كي مون، خلال زيارته الأخيرة للمنطقة»، مؤكدةً أن تلك التصريحات «مسيئة، وتمس بمشاعر الشعب المغربي قاطبة».

وتعتبر مشكلة الصحراء إحدى أقدم النزاعات الحدودية في العالم، والتي تجاوزت العقود الأربعة، دون أن يلوح حل في الأفق. يقترح المغربُ الحكمَ الذاتيَّ حلًّا للنزاع، بينما تصر البوليساريو على تقرير المصير عن طريق الاستفتاء. وخاضت البوليساريو حرب عصابات ضد المغرب طوال ثمانينيات القرن الماضي، إلى أن تم اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أممية سنة 1991.

وترعى الأمم المتحدة المفاوضات بين المغرب والبوليساريو، التي تسعى لإقامة دولة في الصحراء جنوب المملكة منذ عقود، إلا أن الوساطة الأممية فشلت في إيجاد حل للقضية. ويسعى كريستوفر روس، الموفد الأممي في المنطقة لاستئناف الجهود الدبلوماسية، سعيًا لإحياء المفاوضات من جديد بين المغرب وجبهة البوليساريو، لكن يبدو أن المهمة لن تكون سهلة، بعد غضب الرباط تجاه تصريحات بان كي مون.

تصعيد بين الخارجية المغربية والأمم المتحدة

لم تكتفِ الرباط بتعبيرها عن سخطها تجاه تصريحات بان كي مون، الذي وصف الصحراء بـ«المحتلة»، سواءٌ بدا ذلك من خلال المظاهرتين الشعبيتين، أو من البيانات الرسمية شديدة اللهجة، بل اتخذت تدابير فعلية تعزز موقفها الرافض، إذ أعلنت عن تقليص ملموس لمساهمتها المدنية والمالية في بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وهددت بالانسحاب كليًا من بعثة المنظمة الدولية لحفظ السلام (المينورسو).

ويُساهم المغرب بثلاثة ملايين دولار في تلبية حاجات قسطه من العاملين في المينورسو، وعددهم 250 فردًا، وهو ما من شأنه أن يؤثر في سير عمل البعثة، التي تسهر على مراقبة وقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو.

من جهته، عبر الأمين العام للأمم المتحدة عن «غضبه وإحباطه بسبب استهدافه بشكل شخصي»، خلال التظاهرة الشعبية صبيحة الأحد الماضي، مُردفًا أن «هذا الهجوم يعد إساءة للأمم المتحدة نفسها». وسبق للأمين العام للأمم المتحدة، في بداية خلافه مع الرباط، أن برر وصف الوضع بـ«الاحتلال»، بأنه جاء بمثابة «ردّ فعلٍ شخصيّ على الظروف الإنسانية الصعبة، التي يعيش في ظلها اللاجئون الصحراويون منذ فترة طويلة» على حد تعبيره.

كما ألغى بان كي مون أيضًا زيارة له كانت مرتقبة إلى الرباط، على خلفية الجدل المتصاعد بينه وبين الخارجية المغربية. ونفى متحدثه ستيفان جوداريك، للصحافيين أن يكون قرار المغرب بتخفيض مساهمته في بعثة المينورسو، قد يُعطلها، مؤكدًا أنّه «لا حديث عن انسحاب المينورسو».

وفي سياق الوضع المتوتر حول قضية الصحراء، قام الملك محمد السادس بزيارة دبلوماسية إلى روسيا، حيث التقى خلالها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي أكد في بيان مشترك له مع العاهل المغربي، أن «فيدرالية روسيا والمملكة المغربية، لا تدعمان أي محاولة لتسريع أو التسرع في قيادة المسلسل السياسي، ولا أي خروج عن المعايير المحددة سلفًا في القرارات الحالية لمجلس الأمن».

إلى أين يتجه الخلاف؟

بدأ المجتمع الدولي، خلال الآونة الأخيرة، مساعيه العازمة لإنهاء نزاع الصحراء الذي طال أمده وامتد لأربعة عقود، وفي ذات السياق يشدد بان كي مون على ضرورة الإسراع في بدء المفاوضات بين المغرب والبوليساريو، دون شروط مسبقة، وهو ما يُشعر المغرب بوجود مخططات مسبقة لاقتطاع قطعة من أراضيه.

ووسط الجو المشحون بين الخارجية المغربية والأمم المتحدة، لا تغلق الرباط الباب بشكل كلي أمام الوساطة الأممية، إذ أكد وزير الخارجية المغربي، صلاح الدين مزوار، عن «رغبة الرباط في استعادة الثقة والتوافق مع الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون)».

وبحسب مصدر ألف بوست، فإن الأمم المتحدة تنوي تقديم مشروع جديد، مستوحى من سياسة الكومنوِلث، لحل نزاع الصحراء، يقوم على الارتباط الحر، بحيث يدمج بين الحكم الذاتي المقدم من المغرب والاستفتاء الذي تصر عليه البوليساريو، كاقتراح لإرضاء الطرفين.

يذكر أن هذا النموذج من حلول النزاعات الحدودية نجده في كل من بويرتو ريكو، مع الولايات المتحدة والجبل الأسود مع صربيا، ويعول المغرب على فرنسا وروسيا لإفشال المشروع ومساندة الحكم الذاتي الذي اقترحه حلًّا للقضية، بينما تعارض الولايات المتحدة وبريطانيا الطرح المغربي وتؤيدان المشروع الأممي.

ويرتقب الشهر المقبل تقديم الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، تقريره الخاص حول نزاع الصحراء لينظر فيه مجلس الأمن، إذ يتخوف المغرب أن يتحول النزاع إلى القانون السابع للميثاق الأممي، والذي يعني انتقال الخلاف من الوساطة إلى بداية فرض الحل.

وتبقى الخلافات، التي اتخذت طابعًا شخصيًا، بين المغرب والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ثانوية، بالمقارنة مع جوهر المشكلة التي طال أمدها أكثر مما يجب، مما يرتد سلبًا على مسيرة التنمية بالمنطقة واستقرارها. وما يزيد القضية تعقيدًا هو أنه حتى الآن لم يتم التوصل إلى حلول طرفي النزاع حول الصحراء، ولا يبدو أن هناك مقاربة ما يمكن أن ترضي الجانبين في نفس الوقت، بالنظر إلى موقف الجانبين من القضية.

المصادر

تحميل المزيد