فيما ظل مصير العشرات مجهولًا، وسط نفي رسمي مستمر لوجود اخفاء قسري في مصر، ولكن «ساسة بوست» تمكن من الوصول لأهالي عدد من الأشخاص، الذين اختفوا عن ذويهم عند فض اعتصام «رابعة»، قبل ثلاث سنوات، ولم يظهروا حتى اليوم، بحسب الأهالي.

آخر تحديث في 14 أغسطس (آب) 2017

في يوم 14 أغسطس (آب) 2013، فضت قوات الجيش والشرطة اعتصامي «رابعة» و«النهضة»، الذي نظمه معارضو بيان القوات المسلحة، الصادر في الثالث من يوليو (تموز) 2013، في «أسوأ واقعة قتل جماعي غير مشروع في تاريخ مصر الحديث»، على حد وصف منظمة العفو الدولية.

وقد أسفرت تلك الواقعة، عن مقتل ما لا يقل عن ألف شخص، وفقًا لرئيس الوزراء المصري آنذاك «حازم الببلاوي»، فيما ظل مصير العشرات مجهولًا، وسط نفي رسمي مستمر لوجود إخفاء قسري في مصر، ولكن «ساسة بوست» تمكن من الوصول لأهالي عدد من الأشخاص، الذين اختفوا عن ذويهم عند فض اعتصام «رابعة»، قبل أربع سنوات، ولم يظهروا حتى اليوم، بحسب الأهالي.

كم عدد المختفين يوم فض «رابعة»؟

تجدد وزارة الداخلية – والمسؤولون دائمًا – نفيها وجود حالات إخفاء قسري في مصر، وجاء النفي الرسمي الأخير على لسان اللواء «علي عبد المولى» – مساعد وزير الداخلية ـ في اجتماع له في أغسطس (آب) 2016، مع لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، قبل يومين من إفادة منظمة حقوقية مصرية بأن عدد المختفين قسريًا خلال شهر يوليو (تموز) 2016  فقط، بلغ 69 حالة، وفي نطاق زمني أوسع أفادت صحيفة «الإندبندت» البريطانية أن عدد المختفين قسريًا خلال عام 2015 بلغ 1840 شخص.

في الوقت الذي أفادت فيه اللجنة المصرية للحقوق والحريات، تسجيل 1400 حالة إخفاء قسري في الفترة من 2015 حتى 2017، وشهد يوليو (تموز) الماضي، بحسب اللجنة، تصفية 61 حالة خارج نطاق القانون، بالإضافة إلى العثور على ما لا يقل عن   24 شخصًا مقتولين بعد إخفائهم قسريًا، وأوردت صحيفة ميديل إيست آي تلك الأرقام نقلًا عن اللجنة المصرية للحقوق والحريات في تقرير لها نشرته في 10 أغسطس (آب) 2017.

وفي السادس من أغسطس (آب) 2017، أفادت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، التي تتخذ من القاهرة مقرًا، لها بتسجيل 254 حالة إخفاء قسري في الفترة من يناير (كانون الثاني) 2017، وحتى  يونيو (حزيران) 2017، ولم يظهر منهم سوى 47 شخصًا، بحسب تقرير صحيفة ميدل إيست مونيتور.

 

وتُعرف المواثيق الدولية الإخفاء القسري بأنه «كل محتجز أو معتقل أو مختطف بأيدي موظفي الدولة، أو بموافقتها ودعمها، وإخفاء مصيره ومكان وجوده»، ويعتبر جريمة ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي.

ويفيد المحامي «إبراهيم متولي» – منسق رابطة أسر المختفين قسريًا – لـ«ساسة بوست» أن القانون المصري لا يعرف مصطلح الإخفاء القسري، تلك الجريمة التي تختلف عقوباتها من دولة لأخرى، وتصل للسجن مدى الحياة في فرنسا، والسجن سبع سنوات في ليبيا، بحسب «متولي».

ومتولي هو أب لـ«عمرو» طالب الهندسة الذي اختفى في أحداث الحرس الجمهوري، التي وقعت في الثامن من يوليو (تموز) 2013، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 61 شخصًا، بحسب منظمة العفو الدولية، ولم يظهر عمرو حتى اليوم بحسب والده.

وتعمل الرابطة – بحسب متولي – على توجيه أسرها إلى الإجراءات القانونية والحقوقية، في سبيل البحث عن أبنائهم المُختفين، ويصف متولي رد فعل السلطات المصرية، سواء كانت وزارة الداخلية أو النائب العام، تجاه جهود بحث أسر الرابطة عن ذويهم بـ«السلبي»، مُشيرًا إلى أن النائب العام «لم يفتح تحقيقًا مجمعًا للوصول للفاعل الحقيقي».

ويقول متولي: إن عدد حالات الإخفاء القسري، منذ الثالث من يوليو (تموز) 2013، وحتى الآن قد تجاوز 4 آلاف حالة «ما بين من يتم تصفيتهم جسديًا، أو تُلفق قضايا ضدهم، أو يحكم  عليهم بالإعدام  أو بالسجن المؤبد أو عقوبة مخففة أو استمرار حبسهم»، مُستدركًا بأن معظم هؤلاء المختفين يظهرون في وقت لاحق «ما عدا عدد بسيط منهم لا يزال مختفيًا» بحسب متولي الذي أرجع ذلك الرقم لتوثيق عدد من المراكز الحقوقية، كالنديم والتنسيقية المصرية لحقوق الإنسان، ولفت إلى أن الرابطة  تواصلت بالفعل مع عدد من أسرهم تجاوز 200 أسرة.

 

وعن عدد المختفين منذ يوم فض «رابعة»، يقول متولي: إن 3 آلاف شخص اختفوا يوم الفض، وبتوثيق ذلك العدد تبين «ظهور عدد كبير منهم، سواء على ذمة قضايا أو بدون أو قتلى، ويبقى عدد 900 شخص، تعذر تجلية مصيرهم لرفض التحدث أو إنكار صلتهم بالحالة أو لكون الهاتف مُغلقًا»، كاشفًا أن الرابطة تمكنت من التواصل مع أهالي 22 حالة فقط، اختفوا يوم الفض، دون أن يظهروا حتى اليوم.

وخلال العام الرابع لاختفائهم أفاد متولي بزيادة هذا العدد بثلاث حالات أخرى، حالتان استطاعت الرابطة توثيقها، والثالثة وصل خبر بشأنها و«جار توثيقها»، ولم تتوقف جهود الرابطة خلال العام الرابع؛ إذ ساعدت الأهالي – بحسب متولي – في إقامة دعاوي قضائية أمام مجلس الدولة تطالب الحكومة بالإفصاح عن مكان المختفين قسريًا.

وفي الثالث من يوليو (تموز) 2017، أصدرت المحكمة الإدارية العليا حُكمًا لصالح  المختفين وذويهم، يُلزم الحكومة بالإفصاح عن مكان المختفي قسريًا إذا أبلغ ذووه عن فقده، وعلّق متولي «يعيب علي الحكومة عدم توقيعها على اتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي وقع عليها 141 دولة» مُستدركًا: «المحكمة اعتبرت أن الاتفاقية، بالرغم من عدم توقيع مصر عليها، فإنها ترقى إلى مرتبة القانون باعتبارها ضمن القانون الدولي الإنساني»

واستنكر متولي أنه بالرغم من ذلك الحكم «تستمر السلطات في الممارسة المنهجية لإخفاء المواطنين قسريًا بشكل مكثف، وأصبحت التصفية الجسدية والتعذيب وتلفيق القضايا وأحكام الإعدام والسجن المؤبد نتيجة طبيعية لهذا الإخفاء»، بحسبه.

 

«ارجع إحنا عايزينك» !

من بين الاثنين وعشرين حالة، كان «عمر حماد» (23 سنة) والمُلقب بـ«عمر كانو»، وعمر طالب بكلية الهندسة، جامعة الأزهر بالقاهرة، وتقول والدته «بدرية سيد»، (46 عام) من محافظة القاهرة، عنه إنه كان حارسًا لمرمى نادي الزمالك للناشئين، ومُغني «راب»، نافية لـ«ساسة بوست» وجود أي انتماء سياسي له.

«دلوقتي باقول أنا مصري، وأنا رافع راسي لفوق، جواكي باعيش في سكون» كان هذا عددًا من الجمل التي غنّاها عمر، ورفعها على قناته بموقع «يوتيوب»، في الثامن من يوليو (تموز) 2012، تحت اسم «رافع راسي»، وأظهر فيها فخره بوطنه، من بين عدد من الأغاني الأخرى، التي حملت أسماء: «حرر فلسطين»، «انتخابات رئاسية»، «صانع الثورات».

 

وفي صباح 14 أغسطس (آب) 2013، ذهب عمر مع أخته «مريم» (24 سنة) لاستطلاع نتيجته من كليته القريبة من ميدان «رابعة العدوية»، حيث يعتصم معارضو بيان القوات المسلحة الصادر في الثالث من يوليو (تموز) 2013، وتفرّقت عنه عندما دخل الكلية وانتظرته بالخارج، حيث بدأ إطلاق قوات الأمن لقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والخرطوش، كما تروي «بدرية»، التي قالت إن مريم ظلت تبحث عنه وتتواصل معه حتى رد على أهله ظهرًا، وتنقل والدته المحادثة الأخيرة معه:

«متخافوش أنا خرجت من الكلية، ولقيت جثث ومصابين، وأنا بانقل وبسعف الناس دي وبوديها المستشفى الميداني، قعدنا نعيط ونقوله ارجع ملكش دعوة.. ارجع احنا عايزينك، قال لنا: ما تخافوش أنا راجع»

ومنذ ذلك الحين لم يظهر عمر، كما تحكي والدته، التي تواصلت معه تلفونيًا ليرد بعض أصدقائه، الذين قالوا لها إنهم رأوه عصرًا مُصابًا برصاصة في ذراعه الأيمن، ورأوه عشاءً وهو يُقبض عليه بالقوة داخل مدرعة للجيش. وكان هذا آخر ما سمعته من هاتفه قبل أن يُصبح غير متاح. وعادت مريم إلى البيت «بمعجزة» كما تحكي لوالدتها، التي أشارت إلى أنها «تُعالج نفسيًا حتى الآن» منذ اختفاء أخيها التي «كانت مرتبطة به جدًا».

والدة عمر تحمل صورته في وقفة لأسر المختفين قسريًا أمام نقابة الصحافيين

وبعد انقطاع الصلة بعمر، تقول بدرية إنها اتّخذت كافة الاجراءات القانونية؛ بغية الوصول إليه، وأجرت تحليل الحمض النووي «دي إن إيه» على بعض الجثث غير واضحة المعالم، ولكن نتيجته كانت سلبية، وبحثت عنه في جميع المستشفيات والسجون، ولكن كل هذه الجهات أنكرت وجوده.

وبعد عام من جهود البحث عنه، تقول بدرية إنه وصل إليها خبر يفيد بوجوده بسجن «العازولي الحربي» الواقع بمعسكر الجلاء، بطريق القاهرة الإسماعيلية الصحراوي، الذي ذهبت إليه أكثر من مرة، وتحدثت مع مسجون جنائي هناك، قال لها إنه يسمع اسم نجلها يوميًا «بينادوا عليه في التمام»، وهو الأمر الذي تكرر أكثر من مرة وأكده محامي الأسرة.

وفي نهاية عام 2016، وقبل نحو تسعة أشهر، جاء خبر للأسرة يفيد بأن «عمر عايش في سجن العازولي» هذه المرة كان على لسان أحد العساكر بالسجن، الذي قال لبدرية « أبلغوا أهالي المختفين قسريًا إن فيه مدنيين كتير في سجن العازولي لا يعرف أحد عنهم شيئًا بسبب التشديد الأمني»، وتقول بدرية إن أكثر من فرد في جهات أمنية أكدوا ذلك.

«النيابة العامة: إحنا مالناش سُلطة على الجيش»

وأوضحت بدرية أنها ذهبت لوزارة الدفاع «مرارًا وتكرارًا» للسؤال عن نجلها، ولكن الوزارة أنكرت وجود مدنيين في سجونها، وفي إحدى المرات ضغطت على رائد بالقوات المسلحة وصممت أن ابنها في العازولي، حتى قال لها «أيوة فيه مدنيين في سجوننا..عايزة إيه؟» مُضيفة « وكأنه بيقول لي براحتنا نحبس.. نخفي ..نقتل محدش له عندنا حاجة!»

وخلال العام الرابع من اختفاء نجلها، لم تتوقف بدرية عن محاولة إيجاد ابنها المختفي؛ إذ ذهبت إلى وزارة الداخلية والتقت – بعد انتظار طويل – بنائب وزير الداخلية لحقوق الإنسان، الذي أخذ اسم نجلها بالكامل وتواصل مع المسؤولين الذين نفوا وجود ابنها في سجون وزارة الداخلية، ناصحًا إياها بالتركيز على وزارة الدفاع «طالما أنها متأكدة أن عمر اعتقل في مدرعة جيش في يوم الفض».

أخذت بدرية الخط من وزارة الداخلية ، وجددت شكاواها للنيابة العامة «لكن قالولي: إحنا مالناش سُلطة على الجيش»، بحسب بدرية التي لفتت بأنها قدّمت طلبات متعددة لمقابلة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي أووزير الدفاع صدقي صبحي، وأن مسؤولين بمكتب شكاوي وزارة الدفاع أخبروها بأن أحدًا منهم أو من ينوب عنهم سيرد عليها «ولا حد سأل فينا أو  رد علينا… شكلهم بياخدوا الطلبات وبيرموها في الزبالة»، بحسب بدرية التي انفعلت «نطالب مين؟ ونقول لمين؟ اظهروا ولادنا بقى كفاية كدة.. حسبنا الله ونعم الوكيل في كل ظالم».

ووجهت بدرية رسالة إلى الجهات الأمنية والسيسي والجيش «اظهروا ابني ولو عايزنا نسيب البلد هنسيبها.. بس كده حرام وكفاية ظلم وتعذيب لولادنا.. لماذا تنكرون  وجود أبنائنا واحنا متأكدين إنهم على قيد الحياة.. ولادنا محترمين ومؤدبين ومتعلمين.. ليه تحبسوهم وتضيعوا مستقبلهم خلف قضبان بدون ذنب ولا جريمة» واختتمت بدرية حديثها مع ساسة بوست «بعد أربع سنوات من إخفائه، مش هنيأس إننا نلاقي ابننا مهما طال الوقت، ولا هنفقد أملنا ويقيننا في الله إنه هيرده إلى أحضاننا ويُقر أعيننا بلقائه».

 

«ممكن يكون انضم لداعش»

ومن عمر، إلى «سعيد سيد رمضان» (52 عام)، وهو ترزي من محافظة الجيزة، وهو أب لثلاث فتيات وولد، لم يتعدَ أكبر أبنائه عمر 18 عام، ووصل عمر أصغرهم لـ10 أعوام، وليس لسعيد انتماء سياسي. أيد الدكتور «عبد المنعم أبو الفتوح» في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2012، وانتخب المعزول «محمد مرسي» في الجولة الثانية من الانتخابات.

وشارك مع أسرته في اعتصام رابعة العدوية، عقب بيان القوات المُسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013، وحتى فض الميدان في 14 أغسطس (آب) 2013 «دفاعًا عن صوته الانتخابي الذي سُرق في خمسة استحقاقات انتخابية»، كما تحكي زوجته «رشا محمد» (36 سنة) لـ«ساسة بوست». مُضيفة أنه في يوم الفض تركزت مهامه في نقل المصابين إلى المستشفى الميداني.

سعيد سيد رمضان

«الميدان كله محاصر.. أنا كويس، لكن الناس كلها بتموت والقتلى في كل مكان»، كانت هذه آخر الكلمات التي سمعها أهل رمضان منه قبل أن ينفد شحن بطارية هاتفه، وكان آخر من رأى رمضان، صديق له أُصيب بطلق ناري في ذراعه، نقله رمضان للمستشفى الميداني، وخرج للخيمة لشحن هاتفه، «ومن بعدها لم يره أحد مرة أخرى» بحسب رشا، التي لفتت إلى بدء بحثها عنه وسط جثث مسجد الإيمان، وفي استاد القاهرة حيث احتجاز عدد من المعتقلين، وفي قسمي أول وثاني مدينة نصر، ولم تجده.

وتتحدث رشا عن خطوات أكثر رسمية اتخذتها لإيجاد زوجها، بتحرير محضر فقد في قرية أوسيم التابعة لمحل اقامته، ذلك بالإضافة إلى تحرير محضر فقد واستعلام في مصلحة السجون، وعمل تحليل الحمض النووي «دي إن إيه» في الطب الشرعي، وتقديم شكاوى لمديريتي أمن القاهرة والجيزة، ووزارة الداخلية، ومجلس الوزراء، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ولمكتب النائب العام، «ولكن كل هذه الجهات أنكرت وجوده» بحسب رشا، التي لفتت إلى أن سكرتير النائب العام السابق «هشام بركات» رد على شكواها بقوله «ممكن يكون هرب خارج مصر وانضم لجماعات إرهابية، زي (تنظيم الدولة) في سوريا أو ليبيا أو العراق».

وتحمّل رشا وزارتي الداخلية والدفاع، مسؤولية اختفاء زوجها، ورفعت قضية في هيئة قضايا الدولة، تطالب فيها المحكمة بإصدار حكم يُلزم الجهات الأمنية في مصر بالإفصاح عن مكان وجود رمضان، لكنها رُفضت خلال العام الرابع من إخفاء زوجها، قبل أن تجدد الدعوة مرة أخرى، ولم يُبت بشأنها بعد.

ولم تتوقف رشا عن اتخاذ إجراءات البحث عن زوجها خلال العام الرابع من إخفائه؛ إذ  قدّمت بلاغات وشكاوي للنيابة العامة ومجلس النواب، لم يُرد عليها، ذلك بالإضافة إلى شكوى أخرى قدمتها رشا  لمجلس الوزراء، أعقبها تنظيم أهالي المختفين قسريًا وقفة أمام مقر مجلس الوزارء «وانتهت بأن رئاسة الوزراء ستبحث عن المختفين، ولكن دون جدوي»، بحسب رشا التي نفت وجود أية علامة على وجود زوجها رمضان، خلال الأربع سنوات الماضية، وتقول: إن السؤال الأساسي الذي يشغلها هي وأطفالها منذ اختفاء زوجها «هل مات رمضان، أم لا يزال على قيد الحياة؟»

 

إنت فين يا بني؟

«وأسيب الستات والأطفال دول لمين؟» هكذا رد «عبد الحميد محمد عبد السلام» (25 سنة)، من محافظة كفر الشيخ، عندما تحدث إليه والده هاتفيًا؛ مُطالبًا إياه بالخروج من ميدان «رابعة» يوم فض الاعتصام، ذلك الاعتصام الذي شارك فيه عبد الحميد «حفاظًا على صوته الانتخابي، واستكمالًا لثورة 25 يناير2011»، كما تحكي والدة عبد الحميد (54 سنة) لـ«ساسة بوست»، لافتة إلى دعمه للمعزول مرسي في جولتي الرئاسة، ونفت في الوقت ذاته انتماءه لأية أحزاب أو جماعات سياسية.

وتقول والدة عبد الحميد، إن نجلها يوم فض الاعتصام تواجد في محيط «رابعة»؛ لإغاثة الجرحى والمصابين، وظلوا يتواصلون معه هاتفيًا من حين لآخر، حتى الساعة السادسة مساءً، التي شهدت آخر مكالمة هاتفية بين عبد الحميد وذويه، وبعد ذلك أفاد أصدقاء له، بأنه قُبض عليه من أفراد الجيش والشرطة، ووثقوا شهادتهم في الشهر العقاري.

عبد الحميد محمد عبد السلام (25 سنة)

وعقب انقطاع الصلة بعبد الحميد، تقول الأم «لم نترك جهة مسؤولة، إلا وقدمنا لها بلاغات، من أول قسم الحامول بمحافظة كفر الشيخ، مرورًا بوزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، والحاكم العسكري، إلي شكاوى عده للمجلس القومي لحقوق الإنسان»، وعن نتائج تلك الجهود تُضيف الأم «بالطبع كانت ردودهم كلها سلبية، ولا يوجد أي تعاطف، بل صرح النائب العام الحالي إن بلاغاتنا (أخدت رقم، ودخلت الدرج بتاعه)، أي أن ذوينا الذين ذقنا المر في تربيتهم، أصبحوا مجرد أرقام في درج سيادته لا ينظر حتى إليها».

ومثل عمر، تقول والدة عبد الحميد إن أكثر من مسجون في سجن العازولي العسكري، قالوا إنهم رأوه، وسمعوا اسمه يُنادى عليه. وبعد ذلك تقدمت الأسرة، ببلاغات للنائب العام الذي «نفى الأمر فورًا دون أن يبحث فيه من الأساس، أو يتأكد من صحة المعلومة»، بحسب والدة عبد الحميد، التي أشارت إلى أنها تقدمت ببلاغ من مصلحة السجون للتثبت من صحة المعلومة، ولكن النائب العام ووزارة الداخلية ردوا بأنهم «ليس لديهم سُلطة على الجيش ومعسكراته»، لافتة أن كل الجهات التي لجأوا إليها أنكرت وجوده.

وتحكي والدة عبد الحميد، أن أبيه محمد عبد السلام (57 سنة)، ظل منذ اختفاء عبد الحميد يُسافر بشكل شبه يومي من وإلى القاهرة وكفر الشيخ؛ للبحث عن ولده، ولاتخاذ الإجراءات الرسمية، حتى أنهكه المرض ولازم الفراش وكان دائمًا يُردد «انت فين يا ابني أنت فين يا عبد الحميد؟» قبل أن يُفارق الحياة في 16 مايو (أيار) 2015 «عاجزًا حتى عن رؤية ابنه للمرة الأخيرة».

وبعد وفاة الوالد استمرت الأسرة في رحلة البحث عن عبد الحميد، وتقول والدته إنهم جددوا المحاضر والشكاوي التي قدموها لمجلس الوزراء ومجلس الشعب والنيابة العامة والمجلس القومي لحقوق الإنسان «ومفيش أي حد سأل فينا» على حد تعبير والدته، التي تساءلت من كل مسؤول عن إخفاء نجلها «أي قانون وأي دستور عندكم، يجعلكم تحطفوا شاب طالب حلم بالحرية بعد الثورة، بعيدًا عن أهله؟»

ثم أضافت بصوت متهدج وعيون دامعة « والده تحسر وتوفى بسبب غيابه، أنا دلوقتي أم ابني فين؟ (…) هل فيه تهمة في القانون والدستور تسمح بخطف ابني وإخفائه عني وعن والده لمدة أربع سنين؟ (…) الناس اللي ساجنين ابني دي ملهومش عيال.. مبيشوفوش إن ابني كدة محروم من أمه ومن أبوه، معندهومش رحمة خالص؟ يعني محصلناش إحنا الحيوانات؟ إحنا في دولة ولا في غابة؟» وناشدت «بالإنسانية» أي مسؤول عن إخفاء ابنها «طلعهولي (…) أنا وأسرته محتاجينه».

هارب ومطلوب للعدالة!

ومن عبد الحميد، إلى محمود «إبراهيم مصطفى أحمد عطية» (41 عامًا) من محافظة الغربية، الذي لا ينتمي لأحزاب سياسية، وشارك في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 منذ بدايتها، وقرر المشاركة في اعتصام «رابعة»، عقب أحداث النصب التذكاري والمنصة، يوم 27 يوليو (تموز) 2013 «التي قتلت فيها الشرطة ما لا يقل عن 82 متظاهرًا»، وفقًا لمنظمة العفو الدولية، وجاءت بعد يوم من طلب «عبد الفتاح السيسي»، وزير الدفاع آنذاك ورئيس الجمهورية الحالي، تفويضًا شعبيًا لمواجهة ما سمّاه بـ«الإرهاب والعنف المحتمل».

وفي الساعات الأولى من فجر يوم فض الاعتصام، تواصل محمود مع أهله يُخبرهم بفقدان هاتفه، واقتحام قوات الأمن للميدان، بحسب زوجته (34 سنة)، التي قالت لـ«ساسة بوست» إنه ظل يتواصل معهم على مدار اليوم، من هواتف مختلفة داخل الميدان، ليُخبرهم أنه لا يستطيع الخروج؛ لعدم وجود ممرات آمنة بسبب انتشار القناصة على العمارات «ظل الاتصال حتى5 مساءً، ثم انقطع الاتصال نهائيًا حتى اليوم».

محمود إبراهيم مصطفى أحمد عطية (41 عام)

وعقب انقطاع الاتصال بمحمود، تقدَّم أهله ببلاغاتٍ للنائب العام، وحرروا «محضر فقد» لوزارة الداخلية، ومحضر للمجلس القومي لحقوق الإنسان، ورفعوا قضية قبل عام في مجلس الدولة، ضد النائب العام ووزير الداخلية بصفتيهما، ولكنّ المحكمة رفضتها دون إبداء أيّ أسباب «غير أنها خطوة جديدة من أهالي المختفين قسريًا» بحسب زوجته التي لفتت إلى أنها تستعد لرفع قضية جديدة، وخلال أربع سنوات مضت أنكرت الأجهزة الأمنية وجوده.

اللافت أنه في الشهور الأولى من العام الماضي حررت أسرة محمود محضرًا للمجلس القومي لحقوق الإنسان؛ للاستعلام عن مكانه؛ باعتباره مُختفيًا من قوات الأمن منذ فضّ اعتصام «رابعة»، في 14 أغسطس (آب) 2013، ليخرج تقرير المجلس عن المختفين قسريًا في يوليو (تموز) 2016، ويذكر اسم محمود باعتباره هاربًا ومطلوبًا للعدالة على خلفية قضية أمن الدولة العليا رقم 1313 لسنة 2015، وتروي زوجته أن السبب وراء تلك القضية المطلوب فيها محمود، هو تلك القضية التي رفعتها ضد وزير الداخلية والنائب العام، للإفصاح عن مكانه.

وأشارت زوجة محمود إلى ذكر التقرير اسمين آخرين على أنهما هاربان، وظهروا عقب صدور تقرير المجلس بعد شهور طويلة من «الاختفاء»، وتقول زوجة محمود: إن كافة المراكز الحقوقية «خذلت أهالي المختفين قسريًا» بما فيها المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي اعتبرته «متسترًا على الكثير من الجرائم ومشاركًا ضمنيًا فيها» ، مؤكدةً أنها كانت دائمًا ما تذهب إليه لإيصال صوتها إلى الدولة ووزارة الداخلية «وكانت النتيجة عكسية ووقع علينا ظلم متعمد منهم».

موضحةً «مفيش ظلم أكتر من أنهم اعتبروا إنك مالكش حق فى البلد دى، ووجودك مرفوض وحقوقك ضائعة» ولفتت إلى أنها قدّمت بلاغات جديدة للنائب العام والمجلس القومي لحقوق الإنسان، خلال العام الرابع من اخفتاء زوجها لمحاولة معرفة مكانه «ولم يتم التحقيق فيها أو اتخاذ أي إجراء بشأنها».

عرض التعليقات
تحميل المزيد