منذ نحو خمسة أشهر، وتحديدًا في الخامس من يونيو (حزيران) 2018، أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا بمناسبة يوم البيئة العالمي، وذكرت فيه أن أقل من عُشر كمية البلاستيك المصنوع حول العالمي فقط يجري تدويرها، التقرير ذكر شراء مليون زجاجة شرب بلاستيكية حول العالم كل دقيقة، وأن نحو 5 تريليونات من الأكياس البلاستيكية تستخدم في أنحاء العالم سنويًّا، هذا العدد الذي يستطيع تغطية مساحة تصل إلى ضعف مساحة فرنسا، بينما قال التقرير الذي اعتبر بمثابة مراجعة شاملة للإجراءات الحكومية للحد من انتشار المواد البلاستيكية؛ أن آفة البلاستيك وصلت إلى جميع أرجاء العالم، وتعد الآن الكارثة الأكبر على وجه الأرض.

الأمم المتحدة ذكرت أن 9% من واقع 9 مليارات طن بلاستيك ينتجها العالم يتم تدويرها، بينما ينتهي مصير نحو 91% من هذه الأطنان إلى القمامة أو في البيئة عمومًا. وعلى مستوى أكبر مصادر مخلفات البلاستيك بالنسبة للدول؛ تنتج الصين أكبر كَم من البلاستيك، يليها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما على مستوى نصيب الفرد الواحد، فإن الولايات المتحدة تتفوق على الصين، ثم اليابان والاتحاد الأوروبي، لكن بعيدًا عن كون الصين ضمن أكبر منتجي عبوات البلاستيك، لماذا يعد دور بكين جوهريًّا في تفاقم هذه الأزمة في الوقت الحالي؟

كارثة.. الصين لم تعد سلة نفايات العالم!

خلال العقود الأربعة الأخيرة كانت الصين تقدم خدمة ذهبية للعالم من خلال استيراد المخلفات البلاستيكية وإعادة تدويرها، لكن بعد صدور قرار حظر معظم واردات المخلفات البلاستيكية في ديسمبر (كانون الأول) 2017، والتي كانت الصين تستوردها بغرض إعادة التدوير من عدة دول مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، أصبح الأمر مختلفًا.

بحسب دراسة أجراها باحثون من جامعة جورجيا فإن الصين استوردت خلال الفترة بين عامي 1988 وحتى 2016، نفايات بلاستيكية تقدر بنحو نصف القمامة البلاستيكية حول العالم.

واردات الصين تلك تنوعت بين زجاجات المشروبات الغازية ذات الاستخدام الواحد، وأغلفة الطعام، والأكياس، بينما كشفت الدراسة أنه بحلول عام 2030 ستتراكم نحو 111 مليون طن متري من النفايات البلاستيكية حول العالم، بسبب القرار الصيني، أي أن موقف الصين سيضع كثيرًا من بلدان العالم في كارثة حقيقية، وظهر هذا التكدس بالفعل مؤخرًا في أوروبا وأمريكا.

وبالرغم من أن الصين قدمت هذه الخدمة المجانية للعالم على مدار هذه السنوات، وقد يبدو موقفها الجديد بمثابة انتقام من العالم، إلا أنها في الواقع التزمت بتعهدها لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة منذ عام، عندما وقع نحو 200 دولة على قرار للأمم المتحدة للقضاء على التلوث الناجم عن إلقاء مخلفات بلاستيكية في البحار والمحيطات. إذ قال إريك سولهيم، رئيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة، حينها إن بكين -أكبر مستورد لمخلفات البلاستيك- قد بدأت السعي للحد منها.

من جانبها ترى آمي بروكس، طالبة الدراسات البيئية في جامعة جورجيا، أن «القرار الصيني جاء مع تحسن نوعية الحياة هناك، إذ قررت بكين خفض انبعاثاتها، في محاولة أن تكون بلد أقل تلوثًا». إلا أن قرار الصين أن تكون أقل تلوثًا يعني بشكل أو بآخر أننا سنكون أمام عالم أكثر تلوثًا، لأن بكين ظلت بمثابة «سلة نفايات العالم» مدة عقود، وذلك من خلال استيراد النفايات البلاستيكية وتدويرها.

 

«النفايات» كنز يلهث العالم وراءه من دون العرب

 

وتُظهر بيانات تجارة السلع التابعة للأمم المتحدة، أن الصين وحدها تستورد نحو نصف نفايات البلاستيك العالمية منذ عام 1992 وحتى الآن، إذ استوردت نحو 106 ملايين طن متري من النفايات البلاستيكية خلال هذه الفترة، بينما شكلت واردات الصين وهونج كونج أكثر من 72% من جميع النفايات البلاستيكية ، إلا أن 63% من النفايات التي تدخل هونج كونج يتم تصديرها إلى الصين.

Embed from Getty Images

السؤال الآن: ما الذي سيحدث مع الدول التي كانت تعتبر الصين الحل الوحيد لهذه الأزمة، وعلى رأس هذه الدول كل من أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي؟ خاصة أن الجمارك الصينية تشن حملة قوية ضد تهريب المخلفات التي أصبحت إحدى أولوياتها هذا العام.

 

ما الذي حدث لنفايات البلاستيك حول العالم بعد الحظر الصيني؟


منذ بداية العام الجاري باتت المراكب التي تحمل النفايات البلاستيكية تضطر إلى العودة للولايات المتحدة أو شحن حمولتها إلى مواني أخرى، معظمها في آسيا، لكنها تباع بسعر أقل، من الأسعار التي كانت تحصل عليها في الصين. إذ إن أكبر سوق لاستيراد مواد إعادة التدوير الأمريكية والأوروبية قد تم إغلاقها، وهذه المواد متراكمة حاليًا في البلاد.

وفي الوقت الحالي زادت الهند وتايلاند وفيتنام وإندونيسيا وارداتها من المواد القابلة لإعادة التدوير الأمريكية، لكن هذه الواردات لا تزال أقل من نصف ما تستهلكه الصين، خاصة في الوقت الذي يعيش فيه العالم حقبة النفط الرخيص، وهو الأمر الذي يجعل إنتاج البلاستيك أرخص من إعادة التدوير، وبالتالي كانت النتيجة هي أن أسعار البلاستيك انخفضت في جميع المجالات.

 

العودة إلى الأصل.. «فخار أكثر بلاستيك أقل»

وتكافح شركات النقل الأمريكية للعثور على مشترين جدد للمواد البلاستيكية، إذ إن هناك فائضًا كبيرًا من نفايات إعادة التدوير في الولايات المتحدة، وهذا الأمر أيضًا موجود في كثير من الدول الأوروبية مثل ألمانيا التي كانت تعتمد على الصين كذلك في التخلص من هذه النفايات.

وبحسب المصلحة العامة للجمارك الصينية، فقد تراجعت واردات الصين من النفايات الصلبة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري، إذ إن إجمالي واردات نفايات البلاستيك والورق والمعادن بلغ 17.27 مليون طن خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، منخفضًا بنسبة 51.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وبالرغم من هذا الانخفاض الكبير، ما زالت كثير من الشركات تستورد البلاستيك بشكل غير قانوني، إلا أن بكين تواصل التعهد بأنها ستلاحق هذه المخالفات، للوصول إلى إنهاء هذه الواردات إنهاءً تامًا بحلول نهاية 2019، خاصة أن بنك التنمية الصيني، الذي يعد أكبر مؤسسة للتمويل التنموي في العالم، عزز من تمويله الأخضر من خلال الكشف عن نظام الائتمان الأخضر وزيادة القروض، وإصدار السندات الخضراء. فبنهاية أكتوبر الماضي تجاوزت موازنات القروض الخضراء لبنك التنمية الصيني ما قيمته 1.8 تريليونات يوان، بما يمثل 17% من إجمالي القروض التي قدمها، وهو الإجراء الذي سيقلص كثيرًا من الواردات المهربة.

Embed from Getty Images

الإجراءات الصينية وضعت الكثير من الدول أمام مأزق كبير، مما يُجبرها على البحث عن حلول أخرى بعيدًا عن الصين للتخلص من النفايات البلاستيكية، لكن هل هناك حلول أو بدائل جاهزة؟


بعيدًا عن الصين.. ما هي البدائل الممكنة للسيطرة على هذه الكارثة؟

المعطيات المذكورة خلال هذا التقرير تجعلنا نقول إننا نعيش واقعًا كارثيًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما أنها تضعنا أمام أسئلة مخيفة، أبرزها: كيف يمكن للأسواق النامية -التي تنتج الآن ما يقرب من نصف البلاستيك في العالم- أن تتخلص من هذه النفايات، إذا كانت دول مثل الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة حتى الآن على الوصول إلى هذه المرحلة؟

يرى دامييل هورنويغ، الأستاذ المشارك لنظم الطاقة والعلوم النووية بمعهد التكنولوجيا التابع لجامعة أونتاريو، أن الموقف الصيني قد يفسد جزءًا كبيرًا من نظام التجارة العالمي، إذ إن حركة النفايات وخاصة البلاستيك جزء لا يتجزأ من هذا النظام، خاصة أن البديل الذي لجأت إليه الدول التي كانت تعتمد على الصين، وهو إرسال هذه النفايات إلى جنوب شرق آسيا، إلى دول مثل الفلبين وفيتنام، لم يعد مضمونًا، بعد أن بدأت هذه الدول في المعاناة من ارتفاع هائل في إنتاج النفايات البلاستيكية، ناهيك عن عدم امتلاكها بنية تحتية لإدارة هذه الصناعة، وهو ما يجعل مصيرها مثل الصين من فرض قيود مماثلة على هذه الواردات.

 

 

ماذا نفعل بالمخلفات غير إلقائها في سلة المهملات؟ إليك 7 مواقع ترشدك إلى «إعادة التدوير»

ربما يرى البعض أن حل الأزمة بسيط، فيمكن لهذه الدول إرسال هذه النفايات إلى مدافن نفايات محلية أو حرقها، لكن عندما نتكلم عن أن الهدف في النهاية يتعلق بالبيئة فإن الوسيلتين لهما الآثار الكارثية نفسها، بينما يمكن القول إن الحل أبسط من ذلك، وهو تجنب استهلاك أو إنتاج المواد ذات الاستخدام الواحد من الأساس، إذ إن الاعتماد على زجاجات وأكياس يمكن إعادة استخدامها، سيؤدي في النهاية إلى تقليل حجم النفايات البلاستيكية المنتجة سنويًّا حول العالم، لكن لو فرضنا أن الدول المتقدمة استطاعت الوصول إلى هذا الهدف الصعب هل يمكن أن تصل إليه الأسواق الناشئة؟

بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة فإن أكثر من 60 دولة حظرت أو فرضت رسومًا على منتجات البلاستيك التي تستخدم لمرة واحدة، مثل الأكياس أو العبوات المصنوعة من البوليسترين، كما تواصل المنظمة دعوة دول العالم لتحسين تصنيف المخلفات، وإعادة تدويرها، وتوفير حوافز اقتصادية لدعم بدائل البلاستيك صديقة البيئة.

على الجانب الآخر، يعتقد البعض أن عدم تجنب إنتاج هذه المواد ليس الحل، خاصة أن صناعة التدوير تقدر بمليارات، إذ يرون أن الحظر الصيني فرصة أكثر منها أزمة، إذ يقدر المدير التنفيذي لقسم إعادة التدوير في شركة «بيفا» البريطانية، القيمة المالية الإجمالية للنفايات التي يتم تدويرها سنويًّا بنحو 200 مليار دولار، كما أن 10% من المواد المعاد تدويرها يستخدم في القطاع التكنولوجي، والذي يعد القطاع الاقتصادي الأهم حول العالم حاليًا.

ويرى محللون أن الحظر الصيني قد يمثل لدول جنوب شرق وجنوب آسيا مثل الفلبين وإندونيسيا وتايلاند وماليزيا والهند وباكستان فرصة للتركيز على هذه الصناعة، لكن كما ذكرنا فالأمر ليس بهذه السهولة بسبب البنية التحتية غير الجاهزة أولًا، علاوة على أن تكلفة تصدير النفايات إليها لن تكون مثل التكلفة الصينية، إذ إن أغلب النفايات التي كانت تذهب إلى الصين كانت تأتي في السفن المحملة بالبضائع الصينية، التي لا ترغب بعد إفراغ حمولتها في الدول المتقدمة، في العودة إلى الصين فارغة، فتقبل بنقل تلك النفايات بمقابل مادي بسيط، وهذه بالطبع ميزة لا تتوفر إلا للصين.

 

ليس البر والبحر والجو فقط.. حتى الفضاء امتلأ بقمامة البشر

 

بينما ترى الأمم المتحدة أن الدول المتقدمة ستضطر في النهاية إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لإدمانها استخدام البلاستيك بدلاً من شحن المشكلة إلى الصين، إذ يمكن أن يحفز الحظر الصيني الاستثمار الذي تشتد الحاجة إليه في مرافق إعادة التدوير المحلية، وكذلك الابتكار في تصنيع البلاستيك لجعل المنتجات أكثر ملاءمة لتطويعها في أغراض أخرى.

وبحسب استراتيجية البلاستيك التابعة للمفوضية الأوروبية، فإنها تسعى لجعل جميع العبوات البلاستيكية قابلة لإعادة التدوير، أو يمكن إعادة استخدامها بحلول عام 2030، موضحة أن هذا الأمر يمكن أن يخلق 200 ألف وظيفة، ولكن عند مضاعفة قدرة إعادة التدوير أربعة أضعاف.


كوكاكولا وبيبسي ونستله.. مصادر جبال النفايات البلاستيكية في العالم

 

رغم المساعي العالمية للسيطرة على هذه الكارثة تواصل بعض الشركات تعقيد الأزمة أكثر، فبحسب مسح قطاعي شامل نشرته منظمة «جرينبيس» الدولية -منظمة السلام الأخضر- فإن الشركات الكبرى المصنِّعة للسلع الاستهلاكية السريعة، هي المسبب الرئيسي لأزمة التلوث البلاستيكي، كما أنها لا تملك خططًا لكبح الإنتاج، بحسب المنظمة.

وقالت المنظمة إن الشركات الأربعة الأولى التي تحقق أعلى مبيعات للمنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الأحادي هي: «كوكاكولا» و«بيبسي كولا» و«نستله» و«دانون»، وتم تحديد هذه العلامات التجارية بعد القيام بـ239 حملة تنظيف من التلوث البلاستيكي في 42 دولة حول العالم، بينما رصدت المنظمة كذلك نحو سبع شركات أخرى تقف وراء التلوث البلاستيكي.

 

هل يُصبح المغرب مقلب نفايات أوروبا؟

وتبقى مساهمة «كوكاكولا» أضخم من غيرها، إذ عثر على مخلفاتها في 40 من أصل 42 دولة، وكانت العلامة التجارية التي تحتل المراتب الثلاثة الأولى في القارات الست، بينما تقول «كوكاكولا» إنها مستعدة للقيام بدورها في المساعدة على مواجهة هذا التحدي، إذ تعهدت بجمع وإعادة تدوير زجاجة أو عبوة معدنية مقابل كل واحدة تبيعها بحلول عام 2030.

Embed from Getty Images

ويمكن القول بأن الأزمة قد استفحلت بشكل ملحوظ بعد أشهر قليلة من الحظر الصيني الذي لم يقطع سوى نصف طريقه، ومن المنتظر أن يكتمل العام القادم، وهو الأمر الذي يعجل مسؤولية الدول المتقدمة في الوصول إلى حلول سريعة لهذه الأزمة، خاصة أن أكثر دولة متقدمة في العالم -الولايات المتحدة- لا يتم فيها تدوير سوى 24% من مخلفات البلاستيك فقط، فهل سيتغير هذا الوضع قريبًا؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!