في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الحالي عُقد مؤتمر المناخ في مدريد بمشاركة كبرى دول العالم وكان الغرض الرئيس من المؤتمر التحذير من نقطة «اللاعودة» فيما يخص التغير المناخي نظرًا لما حاق بالكرة الأرضية من تغيرات قد تؤدي إلى نتائج كارثية على الأجيال التالية. وبالنظر إلى ما حدث في آخر 10 سنين من كوارث طبيعية أو من صنع الإنسان: يبدو أن نقطة «اللاعودة» هذه قد لا تتعلق بالمناخ فقط، وإنما بالبشر أيضًا، إن استمروا على نفس الوضع في العِقد القادم.

من حرب دامية في سوريا اعتُبرت أسوأ الكوارث الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية إلى زلزال وموجات مد في تسونامي باليابان خلّف الكثير من القتلى، وأحدث تسريبًا إشعاعيًا، مرورًا بحرائق غابات الأمازون، نستعرض في هذا التقرير أبرز الكوارث التي حدثت في العقد الأخير.

أسوأ الكوراث

1- زلزال هاييتي.. زلزال دمّر البشر والحجر والشجر (2010)

بدا يوم الثلاثاء 12 يناير (كانون الثاني) طبيعيًا لممثل الأمين العام للأمم المتحدة في هاييتي السيد هادي عنابي  الدبلوماسي التونسي الكبير، الذي كان في مهمة تقليدية إلى مقر الأمم المتحدة هناك، كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة و53 دقيقة عصرًا حين شعر عنابي بهز أرضية كبيرة، نظر حوله فتبين له أنها لم تكن قنبلة أو صاروخ، وإنما زلزال شديد استمر لمدة دقيقة كاملة لينهار مبنى الأمم المتحدة بالكامل وتظلم الدنيا أمام عينيه. بعد ستة أيام ستتأكد وفاة عنابي مع 200 فرد من الأمم المتحدة في هذا الزلزال الذي يُعد واحدًا من أسوأ الكوارث التي حدثت في تاريخ البشر.

قبل هذا التاريخ بعامين وبالتحديد في شهر مارس (آذار) عام 2008 اجتمع علماء في سانت دومينغو عاصمة جمهورية الدومينيكان المجاورة لهاييتي وأصدروا دراسة حذروا فيها من خطر حدوث زلزال كبير في الصدع الموجود بالجزيرة. في منطقة أخرى من العالم ربما كان هذا التحذير ليؤخذ على محمل الجد، لكن اجتماع الفقر وضعف الموارد مع النظام السياسي غير المستقر في هاييتي لم يستطع أن يفعل شيئًا تجاه هذا التحذير الذي حدث تمامًا بعد عامين لكن بشكل أعنف بكثير مما وصفه العلماء.

لم يكن مطلع العِقد الماضي رحيمًا بأهالي عاصم هاييتي الفقيرة بورتو برنس إذ حدث فيها زلزال مدمر بلغت شدته 7.0 درجات على مقياس ريختر وأصاب غالبية أجزاء المدينة ذات البنية التحتية الضعيفة فدمرها عن آخرها. هرع السكان والأهالي إلى الشارع خشية انهيار المباني على رؤوسهم، كانت قوة الزلزال التدميرية كبيرة للغاية، استمر دقيقة واحدة، انهار مقر الأمم المتحدة فيها والبرلمان والسجن المركزي وخلّف وراءه سحابة غبار هائلة غطت المدينة بأسرها، بعد ساعات انزاح هذا الغبار ليكشف عن حجم المأساة.

فيديو يظهر لحظة وقوع الزلزال

220 ألف قتيل و3 مليون مفقود وجريح، وانهيار البنية التحتية لبورتو برنس بالكامل، إضافة إلى حدوث مأساة إنسانية في مرحلة ما بعد الزلزال على من بقي من أهالي المدينة أحياءً؛ نظرًا للظلام الدامس الناتج عن انقطاع الكهرباء وتعفن الجثث وغياب الموارد والمؤن الغذائية.

هب العالم لمساعدة هاييتي، وأعلنت دول العالم عن إرسال مساعداتها إلى البلد الفقير كما أعلن الرئيس الأمريكي السابق أوباما عن أكبر عملية إنقاذ في تاريخ الولايات المتحدة بإرسال جنود المارينز ومعداتهم الثقيلة للمساهمة في عمليات المساعدة معلنًا أن مساعدات بلاده لهاييتي ستستمر لشهور وربما لسنوات.

2- اليابان.. «تشيرنوبل» من صنع الطبيعة (2011)

تشتهر اليابان بكونها موطن للكثير من الزلازل والبراكين نظرًا لطبيعتها الجغرافية إذ إنها تقع على طول المنطقة المسماة «الحزام الناري» على حافة المحيط الهندي. وهي المنطقة التي تحدث فيها غالبية زلازل وبراكين العالم  لكن زلزال يوم الجمعة 11 مارس عام 2011 كان الأسوأ في تاريخ البلاد ورابع أكبر زلزال في العالم منذ اختراع مقياس الزلازل إذ وصلت شدته إلى تسع درجات على مقياس ريختر.

اندلع الزلزال على عمق 29 كيلومترًا تحت البحر بالقرب من جزيرة «سنداي» شمال شرق طوكيو. أدّى الزلزال إلى مقتل 20 ألف شخص وتباعد طبقتي الأرض وتبعه موجات مد بحرية «تسونامي» بارتفاع 10 أمتار أدت إلى زيادة حجم الكارثة لكن هذا لم يكن الشيء الوحيد المخيف في الأمر.

لا يزال البشر يتذكرون جيدًا ما حدث في ثمانينيات القرن الماضي في مفاعل «تشيرنوبل» بأوكرانيا حين انفجر المفاعل فأدى إلى حدوث تسريب إشعاعي كبير كاد يدمر المنطقة بأسرها.

الأمر نفسه حدث في مفاعل «فوكوشيما» باليابان؛ إذ وقع انفجار أدى إلى حدوث انهيار في سقف وجدران المبنى وحدث تسرب إشعاعي نتج عنه زيادة نسبة الإشعاع مرة، لكن لحسن الحظ هذه المرة أن الحكومة تعاملت مع الأمر بحرص وشفافية واستطاعت السيطرة عليه، لكن الزلزال وتوابعه أمرٌ لن ينساه اليابانيون بكل تأكيد.

3- الحرب السورية.. كل شيء غال إلا القتل بالمجان (من 2011 حتى الآن)

نحن لا نتحدث هنا عن أسوأ أزمة إنسانية خلال آخر 10 سنوات فقط، بل هي بحسب ما أسمته الأمم المتحدة «أسوأ أزمة إنسانية في القرن الواحد والعشرين».

أمرٌ بالطبع لم يكن يدور بخلد أطفال درعا حين استيقظوا صباح يوم السادس عشر من فبراير (شباط) عام 2011 ليذهبوا إلى مدارسهم وهم يتشاورون عن أي الطرق التي تصلح لهم للتعبير عن رأيهم، كما رأَوْ في مصر وتونس فاتفقوا على الخروج في المساء، بعدما تسللوا إلى المدرسة وكتبوا على الجدران كتابات تجاوزتها ليسمع بها العالم بأسره.

اندلعت الأحداث في سوريا، كتابات وأطفال، ومن ثم اعتقال لهؤلاء الأطفال، أهالي يبحثون عنهم فيجابون باختفائهم للأبد، مظاهرات احتجاجية، رصاص على المظاهرات، حمزة الخطيب وإبراهيم قاشوش، انشقاق في جانب من يطلقون الرصاص، اعتقالات تزداد، قمع وقصف، براميل متفجرة، وكيماوي، أطراف أجنبية تتدخل، ظهور «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» والقضاء عليه، سقوط حلب ومن قبلها بابا عمرو، اعتقالات تزداد أكثر، وأطراف تتدخل أكثر، وحرب، والنتيجة؟

لتُسفر هذه الكارثة عن 570 ألف قتيل، بحسب آخر إحصاء من المرصد السوري لحقوق الإنسان بينهم ما لا يقل عن 20 ألف طفل، و12 ألف امرأة، وأكثر من 13 مليون لاجئ داخل وخارج البلاد.

4- كيماوي سوريا.. غاز تسرب إلى ضمير العالم فأحرقه (2013)

يقول علماء المخ والأعصاب: إن غاز السارين يتسلل ببطء إلى أنف الإنسان دون أن يراه، إذ إنه بلا لون ولا طعم ولا رائحة. ثم ينزل عبر مجرى التنفس إلى الرئة وسرعان ما ينتشر في الجسد ليقوم بتعطيل النواقل الكيميائية والتي تعمل بمثابة «مفتاح تشغيل وإيقاف» للغدد والعضلات؛ مما يؤدي إلى بقاء العضلات في صورة مستثارة طيلة الوقت؛ مما يجعلها تنقبض بشدة فيتشنج الإنسان وتنقبض عضلاته ومن بينها عضلات التنفس مما يؤدي إلى موته.

رحلة مرعبة لهذ الغاز، لكنها حقيقية تمامًا، وشاهدها العالم بأسره في العِقد الماضي يوم الأربعاء 21 أغسطس (آب) عام 2013 حين وصل الغاز إلى أنوف أطفال الغوطة الشرقية بينما هم نائمون. بالتحديد في الساعة 2.31 فجرًا. دخل الغاز مسالمًا إلى أنوف الأطفال الذين كانوا أكثر سلمية من مطلِقِه، ومن ثم إلى رئتهم ومن ثم أكمل رحلته المخيفة تلك حتى الموت في أجساد 1400 مواطن سوري غالبيتهم من الأطفال لم يطلقوا صرخة واحدة، في أعنف استخدام للسلاح الكيميائي منذ الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات.

بعد الموت تخرج رغاو كثيفة من فم المصابين بالغاز، كذلك تتبقى آثار الغاز في ملابسه نحو 30 دقيقة ما يجعل من يلمسه عرضة للإصابة به أيضًا، أما من كان حَسِن الحظ واستنشق كميات قليلة منه فإنه يُصاب بالغثيان والقيء والإسهال الشديد، لكن لم يكن هناك من هم حَسنِي الحظ في الغوطة الشرقية في ذلك اليوم.

Embed from Getty Images

صور هزت العالم لأطفال الغوطة

في الصباح هزّت المشاهد المرعبة لأطفال موتى يخرج الرغاء من أفواههم العالم. سرعان ما أدرك الجميع أن سلاحًا كيميائيًا تم استخدامه، كانت هذه الحقيقة مفزعة، فالعالم يدرك جيدًا معنى استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين لكن هناك فارقًا كبيرًا بين الإدراك والفعل.

اتهمت أمريكا والدول الغربية والجامعة العربية النظام السوري بالمسؤولية المباشرة عن المجزرة بينما نفى النظام وروسيا ذلك، وما بين هذا وذاك انتظر العالم رد فعل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي كان قد توعد الأسد بضربه عسكريًا إذا ما استخدم السلاح الكيميائي، لكن أوباما لم يفعل شيئًا وترك العالم ينتظر، كما ترك ديفيد كاميرون رئيس وزراء حليفته المقربة بريطانيا أربعة أيام كاملة عقب المجزرة دون أن يرد عليه المكالمة.

مضت الأيام والسنون، استُخدم الكيميائي مرة ثانية وثالثة، واستُخدمت أيضًا بقية أنواع الأسلحة في الحرب، رحل أوباما وكاميرون، لكن الأسد لا يزال حتى الآن باقيًا.. على رأس الحُطام.

5- حرب اليمن.. الكوليرا والجوع ينهشان أجساد الأطفال (من 2017 حتى الآن)

طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ طفلٌ

لا، ليس هذا خطأً في لوحة الكتابة التي كُتب بها التقرير، هذه كلمة طفل مكتوبة 85 مرة، الآن اضربها في ألف، يكون الناتج 85 ألف طفل. هذا هو مجموع الأطفال الذين ماتوا جوعًا في اليمن كما نشرت إذاعة «صوت ألمانيا» في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.

تقول الأمم المتحدة: «إن اليمن هي أكبر مأساة إنسانية في العالم، اندلعت الحرب فيها عقب سيطرة الحوثيين على الحكم فتدخلت دول من الخليج لمحاربة الحوثيين. وبين شقي الرحى حدثت المجاعة التي أودت بحياة 85 ألف طفل من الجوع وتهدد حياة 5 مليون طفل آخر إن لم يتوفر لهم الغذاء بشكل عاجل».

Embed from Getty Images

طفل يمني على كتف أمه

لا يزال الصراع مفتوحًا في البلاد حتى الآن على كافة مصارعه، ومعه تبقى أفواه أطفال ما كان يُسمى «اليمن السعيد» مفتوحة أيضًا، في انتظار ما يسد رمقها.

6- الأمازون.. رئة الأرض تحترق (2019)

يدرس الأطفال في المدرسة الابتدائية أن الأشجار والمساحات الخضراء مهمة ليس فقط من أجل منظرها الجمالي، وإنما لكونها الكائنات الحية الوحيدة التي تستطيع أن تأخذ غاز ثاني أكسيد الكربون وتُخرج الأكسجين فيما يُسمى بعملية البناء الضوئي.

معلومة لا تخفى على أي طفل، لكنها غابت أو ربما غُيبت عمدًا من عقل الرئيس البرازيلي اليميني يائير بولسانارو المناهض للبيئة والذي يلقي خطابات تشجع على قطع الأشجار كما يتهمه المعارضون. الرئيس الذي وقف ساكنًا في البداية عندما اندلعت حرائق غابات الأمازون التي تنتج 20% من أكسجين الأرض، ثم أنكر حدوث الحرائق بالشكل الذي يتم تصويره في وسائل الإعلام، ثم حين هب العالم للكتابة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسم (#prayforamazon)؛ اتهم المنظمات البيئية بالتسبب في الحرائق وبالتحديد الممثل الأمريكي ليوناردو دي كابريو.

انتفض العالم والأمم المتحدة في محاولة لمساعدة البرازيل في إطفاء الحرائق الأمر الذي رفضه الرئيس البرازيلي في البداية، ثم وضع شروط لقبول المساعدة في عمليات الإطفاء، كما تراشق بالألفاظ مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اعتبر الحرائق أزمة دولية يجب التعامل معها بشكل فوري.

Embed from Getty Images

تُعد غابات الأمازون أكبر غابة مطيرة في العالم وتحتوي داخلها على نحو 400 مليار شجرة ما يجعلها تمثل حائط دفاع كبير في مواجهة ظاهرة «الاحتباس الحراري» التي تعصف بالكرة الأرضية ويزداد خطرها يومًا بعد يوم.

تحدث الحرائق بشكل طبيعي في شهور الجفاف لكن هذه المرة ازدادت بشكل كبير نظرًا لقطع المزارعين آلاف الأشجار وتجريف مساحات شاسعة من الغابات نظير الحصول على منافع مادية وصناعية دون النظر إلى الآثار البيئية الكارثية الناتجة عن الأمر والتي تمس كل إنسان على وجه الأرض.

اندلع نحو 74 ألف حريق في غابات الأمازون عام 2019 وشملت ثماني دول؛ ما أدى إلى تدمير رقعة شاسعة من الأشجار، وهو أكبر حريق تشهده هذه الغابات منذ بدأ البرازيل في عملية الإحصاء عام 2013، كما يوضح المعهد البرازيلي الوطني لبحوث الفضاء أن نسبة الحرائق ازدادت هذا العام 83% للحد الذي أمكن فيه رؤية الدخان من الفضاء!

«الفلبين» أكثرهم دموية.. أكثر 5 دول قمعًا للمدافعين عن البيئة

المصادر

تحميل المزيد