2,117

«طِر بي إلى القمر»، من أكثر الأغاني الكلاسيكية الرومانسية شهرةً للمطرب فرانك سيناترا، ولكن ما لا يعرفه الكثير من محبي هذه الأغنية، أو من يتملكهم الشغف تجاه تجربة السفر للفضاء الخارجي؛ لكونها تجربة مثيرة ورومانسية وحالمة كما يصورها لنا خيالنا، أن السفر إلى الفضاء يحوي بين طياته الكثير من الأشياء المقززة والقاسية التي يتعرض لها رائد الفضاء يوميًا، والتي تجعل حياته اليومية قاسية ومقززة، وفي أسوأ الأحوال قد تقضي على حياته، ولذلك فإذا كنت تنوي الادخار بغرض الذهاب في رحلة إلى المريخ، فإنا ننصحك بقراءة هذا التقرير أولًا؛ لتكون مستعدًا لما ستواجه في الفضاء.

التغيرات التي ستحدث لجسم الإنسان بعد قضاء عام كامل في الفضاء

1- مركبة الفضاء.. منزل لم يُنظف لأسابيع

عندما ترى أفلام توثّق رحلة رواد فضاء خارج الكوكب، فالصورة التي نراها من داخل مركبة الفضاء تظهر فيها المركبة مكانًا نظيفًا ومتطورًا، ومن ملابس رواد الفضاء تشعر وكأن تلك المركبة مكانًا معقمًا خاليًا من أي «فيروس» أو «بكتيريا»، ولكن ما تراه عيناك مجرد خدعة؛ فالبكتيريا ترعى في هذا المكان دون القدرة على تحجميها، ولكنك لا تراها بعينك المُجردة.

Embed from Getty Images

مركبة الفضاء تحوي بكتريا كمنزل لم يُنظف لأسابيع، والأخطر أن انعدام الجاذبية الذي يتسبب في قدرة البكتيريا على الانتشار أسرع، هو نفسه ما يُضعف قدرة المضادات الحيوية على أداء دورها في محاربة تلك البكيتريا، إذا أصابت أحد رواد الفضاء.

 وهذا لأن تلك البكتيريا تزيد قوتها بنسبة قد تصل إلى 73% عن قوتها على كوكب الأرض. وهذا ما أكده رائد الفضاء ريك ماستراتشي في دراسة أجراها بنفسه لاكتشاف طبيعة عمل البكتيريا في انعدام الجاذبية، والتي أكدت أن خطورة البكتيريا في الفضاء تصلح فكرة لفيلم رعب جديد عن حياة الفضاء؛ لأن رائد الفضاء إن لم يكن حريصًا في هذا الشأن، فقد تقتله الإصابة بعدوى أحد أنواع البكتيريا، ولذلك تضع وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» نظامًا غذائيًا، وتمرينات رياضية يومية، غرضها الحفاظ على صحة رائد الفضاء، وحمايته من تلك البكتيريا.

2- المُخاط والتهابات الجهاز التنفسي

على كوكب الأرض حيث الجاذبية التي تتحكم في كل شيء، يعمل جسد الإنسان وفق نظام مُحكم يوفر له الصحة الجيدة والحماية من الكثير من العدوى، حتى وإن لم تُدرك ذلك. وكمثال بسيط قد لا تعطي له أهمية في حياتك اليومية العادية، ولكنه قد ينقذ حياة رائد فضاء؛ هو التفريق التلقائي للمُخاط من الأنف للحلق، دون أن تبذل مجهودًا يذكر؛ الأمر الذي يخفف الضغط على الجيوب الأنفية، ويتركها نظيفة لا تحمل أي عدوى.

Embed from Getty Images

ولكن حينما تنعدم الجاذبية لا يعمل المُخاط وفقًا لهذه القوانين، وهذا قد يمثل خطرًا على حياة رائد الفضاء، وفقًا لمهمات أبولو التي أطلقتها ناسا، والتي حاولت من خلالها – ضمن أشياء أخرى- معرفة المشاكل الصحية التي قد تواجه رائد الفضاء في الرحلات المأهولة للفضاء.

 ومرض التهاب الجهاز التنفسي من الأمراض الشائعة في تلك النوعية من الرحلات، وعلى الرغم من كونه مرضًا غير قاتل على الأرض، فقد طوّر أحد رواد فضاء في بعثة أبولو 13 مرض الحصبة الألمانية كمضاعفات لالتهاب الجهاز التنفسي؛ وهذا يعود لأن الجاذبية تمنع تصريف المُخاط تصريفًا جيدًا؛ مما يؤدي إلى عدم فعالية عقاقير ومزيلات الاحتقان، ويخزن الجسم الفيروسات القاتلة داخله دون القدرة عل التخلص منها.

3- وجه منتفخ.. وسيقان طير

عندما تتوفر الجاذبية للإنسان تمنح جسده الطريقة السليمة لعمل الدورة الدموية؛ فتتدفق الدماء من الرأس نحو القدمين، وهذا الأمر نتعامل معه يوميًا دون أن نفكر في قيمته، ولكن تلك المنحة لا تتوفر لرائد الفضاء؛ لأن الدماء لا تستطيع أن تسير في مسارها السليم من تلقاء نفسها، بل تحتاج الجاذبية نظامًا لتحديد مواقع جريانها السليمة.

شاهد التمرينات الرياضية التي يمارسها رائد الفضاء للحفاظ على عضلاته من هُنا.

لمدة قد تصل إلى أسبوع كامل يظل وجه رائد الفضاء منتفخًا وضاغطًا على رقبته مؤثرًا سلبيًا على تنفسه وراحته الجسدية، ولايتوقف الأمر عند ذلك؛ فالدم – الذي لا يجد طريقه إلى القدمين ويتجه إلى المخ ليضغط على رأس ووجه رائد الفضاء – يترك القدمين دون السوائل التي تمنحها القدرة على التماسك والحركة، فعلى عكس الوجه تنكمش القدمين وتضعف قدرة رائد الفضاء على التحكم فيها: في ظاهرة يطلق عليها رواد الفضاء «سيقان الطير»؛ الأمر الذي يدفع رواد الفضاء لممارسة الرياضة يوميًا للحفاظ على عضلاتهم من الضمور.

4- دوار الفضاء.. هل تشعر بالغثيان؟

إذا قرر سائق تلك السيارة القيادة مسرعًا في شوارع أرضها متعرجة؛ تهتز السيارة بك، وتحدث هزة قوية تؤثر على أمعائك سلبيًا وتشعر بالغثيان فورًا، ونفس الأمر يحدث بطريقة مختلفة حينما تكون مسافرًا في البحر؛ فتصيبك حالة من الإعياء يُطلق عليها «دوار البحر»، والذي يجعلك تفرغ ما في أمعائك، ويتركك هزيلًا لا تستطيع الحركة أو التنفس جيدًا، وللفضاء تأثير مشابه، ولكنه أكثر قوة.

هذا التأثير السلبي يطلق عليه رواد الفضاء «a stomach-churning experience» أو خضخضة الأمعاء، وهي التأثيرات الأكثر شيوعًا أثناء السفر بالفضاء، فهي تصيب 50% من رواد الفضاء، وتحدث حينما تتلقى الأذن الداخلية إشارات مختلطة بسبب انعدام الجاذبية في مركبة الفضاء، وهذا لأن الجاذبية على كوكب الأرض هي ما تمنح الأذن الداخلية القدرة على موازنة جسم الإنسان، ولذلك قد يرى رائد الفضاء الطريق أمامه ويدرك أن عليه التقدم للأمام، ولكن حينما يهم بالحركة يجد نفسه يتحرك يمينًا أو يسارًا؛ وهو ما يتركه شاعرًا بالغثيان والدوار طوال الأيام الأولى في الرحلة، والتي قد تصل لأسبوع كامل، وهو أمر لا علاج له سوى الوقت؛ فعادًة تتنهي أعراضه بمرور الأيام الأولى.

5- التبول اللاإرادي.. ليس حالمًا أيضًا

مرة أخرى علينا الشعور بالامتنان لوجود الجاذبية الأرضية في حياتنا على كوكب الأرض؛ فهي لها دور كبير في اللحظة التي تقرر فيها أن تذهب لدورة المياة لإفراغ المثانة؛ لأن البول حينما يتجمع في المثانة، فإن الجاذبية هي ما تجعله يتجه للقاع؛ فتشعر بهذا الثقل الذي يخبرك أنها اللحظة المناسبة، ولكن في الفضاء الأمر يختلف.

Embed from Getty Images

في الفضاء تمتلئ المثانة، ولكن البول لا يتجه للقاع، فلا يضغط على العصب الممتد على بطانة المثانة، والذي يعطي إشارة للجسم حينما تكون نصف المثانة ممتلئة، ولذلك تمتلئ مثانة رواد الفضاء عن آخرها دون أي إنذار مسبق، وبالتالي يحدث التبول اللا إرادي فجأة، وفي بعض الحالات يحدث الأسوأ تمامًا: وهو انغلاق مجرى البول، ولذلك فإن الوجود في الفضاء قد يجعل من عادة يومية بسيطة مثل التبول عذابًا قاسيًا.

6- الشعور بالعطش في الفضاء قد يكون مقززًا

عندما يخبرك أحدهم أنه صنع لك جهازًا يعمل على راحتك، وقد تكلف هذا الجهاز ما يزيد عن 250 مليون دولارًا أمريكيًا فهل يمكنك أن ترفض هدية بمثل تلك القيمة؟ كلمة «لا» ستكون صعبة في هذا الموقف. ولكن ماذا لو كانت مهمة تلك المنحة هي تحويل البول إلى مياه نقية؛ حتى يشربه رائد الفضاء أثناء تواجده في الفضاء الخارجي، وليس على رائد الفضاء القلق؛ فهو لن يشرب بول شخص غريب، بل سيشرب البول الذي أخرجه هو بالفعل لا إراديًا.

Embed from Getty Images

في المرة الأولى التي عمل فيها هذا الجهاز، كان في محطة فضاء دولية، وبثت الكثير من القنوات في العالم تلك اللحظة مباشرة لرواد الفضاء وهم يستخدمون هذا الجهاز الذي كلف العالم الملايين من أجل توفير المياه لرواد الفضاء بطريقة ذكية، ولكنها مقززة بالنسبة للبعض، وصرح رائد الفضاء الأمريكي مايكل بارات أثناء البث أن الأمر مُفرح لكل فريق العمل بالمحطة الفضائية، وأنها لحظة «احتفال» على حد قوله.

7- بعد كل هذا.. رائد الفضاء ربما لا يعود سليمًا

ما يتعرض له رائد الفضاء من إشعاعات وجراثيم وإجهاد وانعدام جاذبية قد يصيبه بظاهرة تصيب رواد الفضاء تسمى «اكتئاب جهاز المناعة». وهي ما تعرض جهاز مناعة رائد الفضاء لخطر شديد، وفي دراسة أجرتها ناسا في العام 2014 أكدت أن تلك الظاهرة قادرة على إيقاظ فيروسات كامنة في جسم رائد الفضاء وإعادة إحيائها بعد قضاء بضعة أيام في الفضاء، مثل الجدري المائي.

Embed from Getty Images

والأخطر من تلك الظاهرة، هو زيادة خطر الإصابة بالسرطان لرائد الفضاء؛ لتعرضه لإشعاعات خطيرة خارج المجال المغناطيسي الوقائي للأرض، وقد بدأت ناسا بالانتباة لهذا الأمر، والحد من تعرض رائد الفضاء لكميات كبيرة من تلك الإشعاعات القاتلة.