نقلًا عن الخليج الجديد

شنت تركيا مؤخرا حملة لمواجهة الإرهاب واسع النطاق تستهدف شبكات تنظيم «الدولة الإسلامية» والأعضاء الذين تشك في انتمائهم لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه كل من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي كجماعة إرهابية. وقال الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» أن أنقرة لا تميز بين هاتين المجموعتين مشيرا إلى أن كلا منهما تمثل تهديدا للأمن القومي التركي بنفس القدر.

وبالرغم من الجهود المبذولة للخلط بين المجموعتين وتوصيف جميع العمليات في إطار الحرب على الإرهاب، فإن أسباب الحملة على كل «الدولة الإسلامية» وحزب العمال الكردستاني تبدو مختلفة. وبدأت تركيا في استهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» منذ مارس/أذار، أي قبل أربعة أشهر تقريبا من حملتها ضد حزب العمال الكردستاني. على النقيض من ذلك، بدأت حملة القمع الأخيرة ضد حزب العمال الكردستاني بعد كسر عملية السلام المدعومة من حزب العدالة والتنمية والتفجير الانتحاري المرتبط بـ«الدولة الإسلامية» ضد مجموعة من الشباب من ذوي التوجه اليساري في بلدة سروج الحدودية في أواخر يوليو/ تموز.

قام حزب العمال الكردستاني بإلقام اللوم على أنقرة في عملية التفجير. بحجة أن حزب العدالة والتنمية له صلات مع تنظيم «الدولة الإسلامية»، وأنه يستخدم التنظيم لمنع التقدم الكردي في سوريا المجاورة. هناك عدد كبير من أكراد تركيا يعتقدون أن حزب العدالة والتنمية يدعم تنظيم «الدولة الإسلامية»، مدعين ن أنقرة تستخدم الجماعات الجهادية كقوة بالوكالة لاستهداف حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وهو جماعة مرتبطة حزب العمال الكردستاني داخل سوريا، والتي تسيطر الآن على 265 ميلا من الأرض على طول الحدود التركية السورية.

وقد عمقت هذه الرواية التوترات الاجتماعية داخل تركيا. وساهمت بشكل مباشر في انهيار عملية السلام. انتقاما لتفجير سروج، قتل حزب العمال الكردستاني اثنين من ضباط الشرطة، الأمر الذي دفع أنقرة لإطلاق 300 ضربة جوية على الأقل ضد معاقل الحزب في كردستان العراق وجنوب شرق تركيا. شن حزب العمال الكردستاني عددا من الهجمات الانتقامية ضد أهداف مدنية وعسكرية، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن ستة وستين من أفراد الأمن التركي منذ 20 يوليو/ تموز.

العديد من أكراد تركيا يعزون قرار أنقرة باستخدام القوة إلى الانتكاسة الانتخابية الأخيرة لحزب العدالة والتنمية والحاجة إلى تقويض نداء الأغلبية الكردية الممثل في حزب الشعوب الديمقراطي. النجاح الذي حققه الحزب الكردي في الانتخابات التي جرت في 7 يونيو /حزيران منع حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة بمفرده للمرة الأولى منذ 13 عاما. وفشل حزب العدالة والتنمية في الحصول على شريك له في الائتلاف الحكومي ما يعني أن تركيا سوف تعقد انتخابات مبكرة في 1 نوفمبر/تشرين الثاني.

الهجمات ضد حزب العمال

استخدم «أردوغان» الغارات ضد حزب العمال الكردستاني لتقويض شعبية حزب الشعوب الديموقراطي، ودفع الجموع للتصويت لصالح حزب العدالة والتنمية مما يضمن للحزب استعادة الأغلبية البرلمانية. تؤكد البيانات أن تركيا قد ألقت القبض على عدد من الأفراد المرتبطين بحزب الشعوب الديمقراطي أكثر من أولئك المرتبطين بتنظيم «الدولة الإسلامية» والجماعات الجهادية الأخرى. اعتبارا من 18 أغسطس/ آب، اعتقلت الشرطة 1375 عنصرا تابعين للتنظيمات الكردية مقارنة بعدد 205 عنصرا مرتبطين بتنظيم القاعدة و«الدولة الإسلامية». من هؤلاء المعتقلين، تم القبض على 195 عضوا مرتبطين رسميا بحزب الشعوب الديمقراطي مقارنة بـ72 عضوا مرتبطين بالتنظيمات الجهادية وفقا لـ«نوح بليزر» الصحفي المقيم في إسطنبول. مع ذلك، قد يكون هناك أيضا المزيد من الاعتقالات ذات الصلة بتنظيم «الدولة الإسلامية» بعد سقوط تل أبيض لكن لم يتم الإبلاغ عنها.

في مواجهة «الدولة الإسلامية»

وتشير البيانات إلى أن التركيز على تنظيم «الدولة الإسلامية» قد ارتفع بشكل درامي مع بداية شهر يوليو/تموز. أجرت قوات الأمن 20 مداهمة في 19 مدينة مختلفة. وحافظت أنقرة على هذه الوتيرة حيث قامت بشن ما لا يقل عن 24 غارة في 19 مدينة مختلفة في شهر أغسطس/آب رغم أنه لم يتسن تحديد عدد الأشخاص الذين تم القبض عليهم واحتجازهم. وهذا يتماشى مع التحول الأخير في سياسة تركيا تجاه المقاتلين الأجانب. وقد نشرت أنقرة مؤخرا المزيد من القوات العسكرية على طرق عبور «الدولة الإسلامية» المعروفة على طول الحدود. وصارت تركيا تصنف كقوة مشاركة للولايات المتحدة في التحالف الدولي الهادف إلى مكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية». وبأخذ جميع هذه التطورات بالاعتبار، فإن هذه الاعتقالات تبدو مجرد أحد المفردات في مقاربة جديدة لأنقرة تجاه الجماعات المسلحة. وقبل هذه الحملة، تلقت أنقرة انتقادات متعددة بسبب سياساتها المتراخية على الحدود والإذعان المبالغ فيه لتواجد تنظيم «الدولة الإسلامية» داخل سوريا.

أهداف متباينة

وتزامن التركيز التركي على «الدولة الإسلامية» بسماح تركيا للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية. وقد بدأت الطائرات الأمريكية بأنواعها ضرب مواقع تنظيم «الدولة الإسلامية» من قاعدة إنجرليك ويشاع أن القوات الجوية التركية سوف تنضم بشكل مباشر إلى الحملة ربما خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة. وإذا كانت تركيا ستواصل ضرب الأهداف التابعة لحزب العمال الكردستاني فإن ذلك يعني أن تركيا ستكون قريبا مشاركة في الحرب الجوية على جبهتين. وإن كان ذلك سيكون في سبيل دعم أهداف سياسية مختلفة. السبب المعلن للضربات الجوية المحددة ضد حزب العمال الكردستاني هو إجبار المجموعة على نزع سلاحها والانسحاب من تركيا. ومع ذلك، في الأيام الأخيرة، تحول هدف تركيا إلى إجبار حزب العمال الكردستاني على إعلان وقف إطلاق النار من طرف واحد. ويفترض أن تقود نتائج الأمر إلى عودة تدريجية إلى طاولة المفاوضات واستئناف عملية السلام.

على النقيض من ذلك، فإن الضربات الجوية التي ستشارك فيها أنقرة كجزء من التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» سوف تسهم في دعم 3 سياسات متداخلة. أولا، تأمل أنقرة لإنشاء منطقة خالية  من تنظيم الدولة الإسلامية على طول حدودها مع سوريا . ثانيا، من خلال القيام بذلك، فإن تركيا تمنع المزيد من التمكين لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي المرتبط بحزب العمال الكردستاني والذي يتلقى الدعم المباشر من الولايات المتحدة ويسيطر الآن  على 265 ميلا من الأرض على طول الحدود التركية السورية. وثالثا: في غياب اتفاق مع الولايات المتحدة لفرض منطقة حظر الطيران الرسمية، فإن أنقرة تأمل أن زيادة الحركة الجوية على مناطق في شمال سوريا من شأنه أن يردع طائرات النظام السوري عن ضرب حلب. بالتالي خلق منطقة حظر جوي بحكم الأمر الواقع.

في كلتا الحالتين، فربما إن استخدام القوة قد لا يؤدي إلى تحقيق الهدف السياسي المطلوب. أولا: يبدو من غير الواضح كيف يمكن سحب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من تركيا، في غياب ضمانات من حزب العدالة والتنمية بأنها لن تكون مستهدفة من الجو. وطالب حزب العمال الكردستاني بإصدار قانون رمسي ينظم أمر الانسحاب المقترح منذ بداية محادثات السلام عام 2013، ولكن حزب العدالة والتنمية قد رفض اقتراح مثل هذا القانون في البرلمان إلى الآن. وبالنظر إلى التصعيد الحالي، فإن هذه المسألة من المؤكد أنها سوف تصبح أكثر إشكالية وربما تقوض الجهود الرامية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. ثانيا: استطاعت «الدولة الإسلامية» الصمود لمدة عامل كامل ضد الولايات المتحدة والضربات الجوية التحالف، مما يؤكد الحاجة إلى حل سياسي أكثر شمولا يهدف الى إنهاء الصراع السوري من أجل مواجهة أفضل للجماعة المتطرفة.

في سوريا، فإن الهدف النهائي المنشود هو هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» والإطاحة بنظام «الأسد». كذا الحفاظ على دولة مركزية قوية ملتزمة بضمان أن حزب الاتحاد الديمقراطي (الأكراد) لن يحصل على الاستقلال في سيناريو ما بعد «الأسد». داخل تركيا، تتمسك أهداف أنقرة بشكل وثيق باستئناف عملية السلام. ومن المؤكد أن المناخ السياسي شديد الاستقطاب في تركيا حاليا يسهم في تعقيد مهمة العدالة والتنمية في تليين مواقفه في مواجهة حزب العمال الكردستاني. فقد حزب العدالة والتنمية دعم الأتراك  المتدينين المنتمين إلى اليمين القومي. هؤلاء الناخبون يرفضون التسوية السياسية مع الحركة الكردية في تركيا،  غير أنهم لا يزالون متشككين من «أردوغان» بسبب دعمه السابق لعملية السلام. وهكذا فإن «أردوغان» لديه الحافز السياسي لمواصلة استهداف حزب العمال الكردستاني لإثبات معاداته للمطالبات القومية الكردية. على الرغم من ارتفاع عدد الضحايا والعنف في الجنوب الشرقي.

وتشير هذه الدينامية إلى استمرار التركيز التركي على جهود مكافحة الإرهاب خلال المدى القريب. تحول أنقرة مؤخرا في نهجها تجاه «الدولة الإسلامية» وبالمثل، فإن استئناف العنف ضد الدولة من قبل حزب العمال الكردستاني سوف يؤدي أيضا إلى استمرار الاعتقالات والعمليات العسكرية، والتي ستشمل حتما أعضاء في حزب الشعوب الديموقراطي إضافة لخلايا «الدولة الإسلامية».

في المستقبل المنظور، سوف تجد أنقرة نفسها تشن عمليات مكافحة الإرهاب مستقلة تهدف إلى تحقيق هدفين سياسيين مختلفين وبهدف تقليل المستويات المحتملة للعنف على المدى القريب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد