مع صباح اليوم التالي لتوزيع الحكومة المصرية لإخطارات الترحيل على أهالي الشريط الحدودي، بدأت مروحيات الأباتشي والآليات العسكرية تدك مناطق شرق رفح التي تم إخلاؤها ودخلت حيز المنطقة العازلة في رفح بشمال سيناء.

الصور المؤلمة لعملية التهجير التي ينقلها الإعلاميون والنشطاء لا تقتصر على صورة امرأتان من سيناء، واحدة مريضة وتعلق المحلول في يديها، وبجوارها سيدة أخرى تبكي، ولا على مشهد أطفال نيام على أثاثهم في برد سيناء الليلي أو صورة ثالثة لطفلة “حافية القدمين”، ومن ورائها مجموع يحمل زاده ورحاله تاركًا أرضه ومنزله بعد أقل من 24 ساعة من قرار الترحيل.

تدمير المنازل المقدرة بـ “تسعمائة منزل” ومعاناة أهالي سيناء جراء هذا القرار جاء بالتزامن مع تنفيذ الخطة الأمنية لمجابهة “الإرهاب” في سيناء، والتي صدق عليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي السبت الماضي في جلسة طارئة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك في أعقاب الهجوم على نقطة ارتكاز للجيش بالشيخ زويد و استشهاد 30 ضابطًا وجنديًا في هذا الهجوم.

تلك الصور خاصة بالمرحلة من الخطة وهي إقامة منطقة حدودية عازلة عمقها 300 متر من أصل، مسافة 13.5كم بعمق 500 متر؛ تمتد من ساحل البحر وحتى كرم أبو سالم، يعقبها حفر قناة مائية بطول الحدود مع غزة بعرض 20 مترًا وبعمق 20 مترًا تتصل نهايتها مع مياه البحر الأبيض المتوسط على ساحل رفح ، أما المرحلة الثانية فيصل فيها العمق إلى 1500 كيلو مترًا.

الخطة التي رجحت مصادر عسكرية مصرية أن تنتهي مع نهاية العام الحالي 2014 أي في غضون شهرين ستشمل في المرحلة النهائية عمليات تطهير واسعة للأنفاق على الحدود بين رفح المصرية وقطاع غزة، على أن تقام بعمق يتراوح بين 500 متر و1500 متر قابلة للزيادة.

تزيد حصار غزة

أصوات الانفجارات وألسنة اللهب وأعمدة الدخان جراء العملية المستمرة الآن في سيناء يراها ويسمعها الفلسطينيون القريبين من الحدود المصرية مع قطاع غزة، هذا الواقع لا يبشر بخير لأهالي القطاع المحاصر منذ 8 سنوات، فمع إغلاق السلطات المصرية لمعبر رفح في اليوم التالي لحادث مقتل الجنود المصريين ثم توالي الاتهامات لقطاع غزة بالمسؤولية عن الهجوم واتهام شهداء وأطفال منهم، يتوقع سكان غزة أن تتفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية في القطاع، خاصة أنه العملية العسكرية الموسعة في سيناء تشمل القضاء على الأنفاق في قطاع غزة.

واعتبر مسؤول العلاقات الدولية في حركة حماس أسامة حمدان أن الحديث عن إقامة منطقة عازلة بين مصر وقطاع غزة تكريس للحصار على القطاع، وقال حمدان في تصريحات لـ”الجزيرة” أن المنطقة العازلة مع حدود قطاع غزة تزيد من الحصار المفروض على غزة منذ سنوات، مؤكدًا أنها تعزز حالة التحريض على الشعب الفلسطيني، وقال إن قيادة الجيش المصري شهدت بأن الحدود مع قطاع غزة مضبوطة من الجانب الفلسطيني.

الموقف الإسرائيلي

رغم أن اتفاقية «كامب ديفيد» تمنع مصر من نشر قوات قتالية في منطقة سيناء، وتحدد عدد هذه القوات في سيناء، غير أن تل أبيب وافقت ضمن خطة التهجير على نشر قوات مصرية من فرقتي “777 و999” في مدينتي رفح والعريش، بالإضافة إلى قوات من المظلات وقوات أخري حسب ما ذكر موقع “واللا” الإسرائيلي.

ونقل عن المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، قوله لـ” بي بي سي” أن هناك تنسيقًا بين مصر وإسرائيل فيما يخص التحركات العسكرية المصرية بمنطقة الحدود مع قطاع غزة”، وكانت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية قد ذكرت أن خطة إقامة منطقة عازلة بين مصر وقطاع غزة، ليست بجديدة، فهي مقترح إسرائيلي قُدم إلى الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عام 2004، وكان الهدف منه عزل رفح المصرية عن رفح الفلسطينية، ومنع حفر الأنفاق المؤدية إلى غزة.

وبررت الصحيفة عملية تهجير الآلاف من أهالي سيناء وإخلاء الشريط الحدودي مع غزة من سكانه وحفر قناة مائية تمتد على طول 14 كم وبعرض 3-5 كم، بالحاجة لإخلاء الساحة من المدنيين للتفرغ لمقاتلة الإرهابيين.

الموقف الأمريكي

خلال المؤتمر الصحفي اليومي الذي تعقده الخارجية الأمريكية في واشنطن، قالت أمس المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية “جين ساكي” أن بلدها تؤيد خطة الجيش المصري في سيناء. وأضافت ساكي : نحن نؤمن بحق مصر في اتخاذ خطوات للحفاظ على أمنها، ونتفهم الخطر الذي يواجهونه من سيناء، ولهذا السبب قدمنا طائرات الأباتشي، وهم يعملون وفقًا لخطة ونحن مستمرون في دعم جهودهم لاتخاذ خطوات للدفاع عن حدودهم.

وأثار هذا الاعتراف الأمريكي ردود فعل، حيث قال المستشار وليد شرابي، المتحدث باسم حركة قضاة من أجل مصر، إن قرار تهجير أهالي سيناء، جاء بالاتفاق مع الإدارة الأمريكية مقابل صفقة طائرات الأباتشي، مشيرًا إلى أن هذا ما أكدته المتحدثة باسم البيت الأبيض.

وكتب شرابي، في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”: “صرحت اليوم المتحدثة باسم البيت اﻷبيض بأنهم مع تهجير أهالي رفح، ولذلك وافقوا على إعادة طائرات اﻷباتشي إلى مصر، وفي يوم 13 من هذا الشهر أثناء زيارة جون كيري لمصر صرح بأنهم وافقوا على عودة طائرات اﻷباتشي إلى مصر!! وتابع شرابي القول: “إن هذا يعني أن قرار التهجير تم اﻻتفاق عليه مع اﻷمريكيين منذ يوم 13 من هذا الشهر قبل قتل الجنود المزعوم في سيناء. ‫#‏وليد_شرابي‬”.

ردود فعل

في رصد لقرار تهجير أهالي سيناء تصاعدت ردود الفعل الغاضبة من قبل أهالي سيناء الذين رفضوا ترك منازلهم وطالبوا الحكومة المصرية بمواجهة الإرهاب في إطار منظومة متكاملة وليس اعتمادًا على الرؤية الأمنية فقط.

وكتب الناشط السيناوي همام الغول على صفحته على “فيس بوك”: “الجيش المصري طلب منّنا إخلاء بيتنا في رفح، كونه من ضمن المنازل اللي ع امتداد 500 متر من عَ الحدود، هيهجّروا آلاف العائلات والمنازل، وهيفجروا بيوتنا ويجرفوها عشان يحاربوا الإرهاب”.

وكتب ناشط آخر: “الجيش قرّر يحارب الإرهاب بتفجير بيوتنا وتهجيرنا من أراضينا!
الجيش قرّر يعمل نكبة زي نكبة 1948 في فلسطين اللي عملها الصهاينة، بس دي هنسميها نكبة رفح سيناء 2014 اللي ارتكبها الجيش المصري بحق المواطنين والأهالي المصريين الآمنين”.

من جهته، يحذر الباحث المتخصص في الشؤون العربية “محمد سيف الدولة” من مخطط تهجير سيناء وقال أن الأرض الفارغة من السكان، هي مطمع للعدو طوال الوقت، ولا يكفى وجود قوات مسلحة بها، مستشهدًا بما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، مناحم بيجين عام 1979: “انسحبنا من سيناء؛ لأنها كانت تحتاج وقتها إلى ثلاثة ملايين مستوطن إسرائيلي للعيش بها، الأمر الذي لم يكن متوفرًا، لكن عندما يتحقق ذلك ستجدوننا في سيناء”.

ومن المنشورات التي انتقدت خطة التهجير في سيناء:

ونشرت مجموعة من النشطاء عدة فيديوهات، عن تعذيب وانتهاك حقوق إنسان من قبل الجيش المصري في سيناء ومنها:

المصادر

تحميل المزيد