أمسى أكثر من 140 ألف معلم ومعلمة داخل المملكة الأردنية بلا نقابة لهم، في اليوم الأخير من 2020، عقب قرار قضائي أولي لمحكمة «صلح جزاء عمّان» بحل نقابة المعلمين الأردنيين، وبذلك أكّدت الحكومة الأردنية مخاوف الأمم المتحدة من تقييد الحكومة لحرية الرأي والتعبير في البلاد، بحسب بعض أعضاء النقابة المنحلة قسرا.

وعبّرت مفوضية حقوق الإنسان في أغسطس (آب) عن قلقها من قرار السلطات الأردنية بإغلاق نقابة عمالية مستقلة وتعليق مجلسها، واستبدال أعضاء إدارتها بلجنة تعيّنها الحكومة، وقالت المفوضية إن الإجراء «قيد شديد على حق حرية تكوين الجمعيات وتدخل غير قانوني في عمل نقابة المعلمين الأردنية».

مطالبة بالحقوق أفضت إلى الإغلاق

قادت نقابة المعلمين إضرابًا طويلًا في سبتمبر (أيلول) 2019، ولو لم يكن الأول للنقابة إلا أنه كان محطةً فاصلة في مصيرها.

دُشنت النقابة مرتين، الأولى في مطلع الخمسينيات برئاسة عبد خلف داوودية، وأغلقت ولم تفتتح إلا في 2011 حتى الحلّ الأخير لها. وتعتبر هذه الفترة أطول مرحلة استمر فيها عمل نقابة المعلمين في الأردن.

إضرابها شارك فيه 80 ألف معلم لأربعة أسابيع في أنحاء المملكة، للمطالبة بزيادة الرواتب للنصف، وأشعل الإضراب نزاعًا بين الحكومة والنقابة، تركز بشكل أساسي حول رواتب المعلمين في المدارس الحكومية، وهي زيادة قالت النقابة إن الحكومة وعدت بها في 2014، ولكن الحكومة التي كان يرأسها عمر الرزاز وافقت في النهاية على زيادة من 35% إلى 75% بحسب رتبة المعلم، ومجددًا ظهرت التوترات بعد أن جمدت الحكومة في أبريل (نيسان) جميع زيادات أجور القطاع العام حتى نهاية 2020 بسبب أزمة فيروس «كورونا».

ألقي القبض على أعضاء مجلس إدارة النقابة في تموز (يوليو) 2020، بتهم منها: تجاوزات مالية وإجراءات تحريضية، وفي اليوم الأخير من 2020 صدر حكم نائب عام عمّان، حسن العبدالات، القاضي بكفّ يد أعضاء مجلس النقابة، وأعضاء الهيئة المركزية وفروع النقابة وإداراتها، ووقف عمل النقابة نفسها، وإغلاق مقراتها لمدة سنتين، وتضمّن الحكم السجن لمدة عام لجميع أعضاء الهيئة، ولكن وافقت المحكمة على تكفيلهم.

ربيع النقابة ينهيه شتاء الحكومة

حاور «ساسة بوست» عددًا من أعضاء النقابة، قالوا إن تحرّك الحكومة الأردنية لإغلاق النقابة كان بديهيًا بعد الإضراب الذي قادته، واعتبر بعضهم أن تظاهرات «الدوار الرابع» التي نفذها المعلمون قبل الإضراب كانت أكبر من تظاهرات الأحزاب السياسية، فضلًا عن أن النقابة اكتسبت قبولًا شعبيًا كبيرًا بعد مواجهتها للحكومة وإعلان انتصارها بتحقيق مخرجات الإضراب.

ويشير الأعضاء الذين فضلوا عدم الكشف عن أسمائهم لأسباب أمنية، أن النقابة عانت منذ بداية تشكيلها في الخمسينيات من الإغلاق شأنها شأن بقية النقابات المهنية، في الوقت الذي جرى فيه حل الأحزاب السياسية وحظر أنشطتها في المملكة.

أما التأسيس الجديد للنقابة فقد جاء مع بدايات الربيع العربي، رغمَ أن الدستور يمنع تأسيسها، ما يوحي بأنه كان لامتصاص غضب المعلمين ولمنع البلاد من دخول «موجة لا تحمد عقباها».

مضي الحكومة في إغلاق النقابة بدأ، حسب الأعضاء، حين أوقفت السلطات الأردنية أعضاء مجلس النقابة شهرًا كاملًا، وأغلقت الشرطة فروعها في جميع أنحاء الأردن، ومنعت النقابة من العمل لمدة عامين، فضلا عن أن قانون الدفاع رقم (1)، الذي صدر لمكافحة فيروس كورونا، استُخدم لاعتقال آلاف المدرسين الذين شاركوا في الاحتجاج على اعتقال أعضاء النقابة، حسب صحيفة «الجارديان»، وحُظر نشر أي شيء في الإعلام الأردني عن الاعتقالات والاتهامات الموجهة لأعضاء النقابة والتظاهرات التي اندلعت نتيجة ذلك.

أما عن موقف وزارة التربية والتعليم، فيقول أعضاء النقابة إنها دائمًا ما وقفت بجانب الحكومة ضدهم، فقد أعلنت عن تشكيل لجنة مؤقتة لإدارة شؤون نقابة المعلمين إداريًا وماليًا، برئاسة الأمين العام للشؤون التعليمية نواف العجارمة.

و في الخطوة الأخيرة التي اعتبرت «انتقامية وتعسفية»، بحسب علاء الدين العرموطي، المفوَض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان، جاء إصدار قرار قبل أيام قليلة من حكم المحكمة الأخير، بإحالة 62 معلمًا ومعلمة إلى التقاعد المبكر في الأول من كانون الثاني (يناير) 2021، ما يعد عقوبة قاسية بحق المقالين، ومنهم نائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة، وأعضاء مجلس النقابة، غالب أبو قديس، وكفاح أبو فرحان، ونور الدين نديم.

وقال الناطق الإعلامي للنقابة لموقع «الجزيرة نت»: «إن القرار استهدف أعضاء مجلس النقابة والمعلمين الناشطين في الدفاع عن حقوق زملائهم العمالية»، وقال إن القرار لم يكن قانونيًا لأنه لم يطبق وفق التشريعات والقوانين ولم يطبق على كافة العاملين في الوزارات بنفس الأسلوب.

أي عمل نقابي غير مرحّب به

في مؤتمر صحفي، اتهمت وزارة شؤون الإعلام نقابة المعلمين بالتصعيد واقتراف مخالفات قانونية لم يسمها الوزير أمجد العضايلة، وأن النقابة لوحت بتنفيذ وقفات احتجاجية وإضرابات واعتصامات «تضر بمرافق الدولة الحيوية واستدامتها، وتتجاوز قانون الصحة العامة وأوامر الدفاع التي صدرت بشكل أساسي لحماية صحة المواطنين»، وأضاف أنه «لا يمكن أن تبقى الدولة والمجتمع والأهل والطلاب ومستقبلهم رهينة لقرارات جهة نقابية وتهديداتها بتنفيذ اعتصامات بشكل مخالف للقانون».

وهنا بات واضحًا أن فحوى هذه الرسالة الرسمية هو أن وجود مؤسسة منتخبة تمارس العمل النقابي هو ببساطة أمر غير مقبول بالنسبة للسلطات في الأردن، وفي هذه الرسالة أي فعل منظم تبادر به النقابة لتحصيل مطالب منتسبيها قد يوصم بأنه خطر على مرافق الدولة الحيوية وأمنها.

ويوضّح موقع «حبر» الصحفي الأردني أن الحكومة تشير ضمنيًا لـ«سيطرة الإسلاميين على النقابة» عندما تتهمها بـ«الابتعاد عن حقيقة العمل النقابي» و«ممارسة أنشطة حزبية».

وترى الصحيفة أنها «مقولة هشة لعدة أسباب، فمن جهة، من الواضح أن الحركة الاسلامية في الأردن في أضعف أحوالها التنظيمية والسياسية، ولا تستطيع أن تخوض مثل هذه المعركة بشكل مباشر أو بالوكالة»، ويتضّح هذا الضعف في «الموقف الهزيل» للجماعة وحزبها، جبهة العمل الإسلامي، مقارنةً بما «صدر عن جهات حزبية أخرى».

وأخيرًا يقول موقع حبر إن «تركيبة مجلس النقابة أشد تعقيدًا من التقسيمات الحزبية التي تحاول السلطة حشر النقابة فيها».

عربي

منذ سنة واحدة
الأردن على صفيح ساخن.. إضرابات واحتجاجات المعلمين إلى أين؟

رفضت نقابة المحامين الأردنية قرارات الدفاع الأخيرة في الأردن، وانتقد أعضاؤها إعطاءها لصلاحيات واسعة للحكومة ورئيس الوزراء باعتبار البلاد في حالة طوارئ، وطالبت بوقف هذه القرارات. وتضرّرت نقابة المعلمين من هذه القرارات بعد إيقاف الزيادة التي اتفقت عليها النقابة مع الحكومة بعد الإضراب الطويل.

أحزاب أردنية أخرى، مثل حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، رأت أن ما تفعله الحكومة محاولة «لإضعاف وتقويض العمل النقابي المهني الوطني ضمن رؤية تسعى إلى تبهيت وإلغاء الدور والمكانة التي كفلها الدستور الأردني حقًّا للأردنيين في تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية».

ونقل موقع «حبر» عن النائب السابق، جميل النمري، أن الحكومة الأردنية تبنت خطوات أمنية في التعامل مع نقابة المعلمين في إضراب 2019، ما أدى للعجز عن تقديم حلول سياسية من البداية، ولاحقًا حققت النقابة نصرًا ساحقًا ما جعل البعض في الدولة «يتحين الفرصة لرد الصاع صاعين» للنقابة، وهو ما لم تتنبه له الأخيرة عندما صعّدت في يوليو (تموز) 2020 احتجاجًا على قرار وقف العلاوات خلال جائحة كورونا.

ماذا تبقى من حريات في الأردن؟

نشرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية تقريرًا بعنوان «الأردن: إغلاق نقابة المعلمين وتوقيف نقابيّين»، قالت فيه إن «استيلاء» الحكومة على نقابة عمالية يعدّ «تطورًا مقلقًا يظهر إلى أي مدى تفتقد الحكومة الأردنية الثقة بالنفس عندما تواجه أي معارضة».

تغريدة لطاهر العدوان، وزير إعلام أردني سابق.

وفي تقرير لصحيفة الجارديان، يوضّح أن الأردن يبدو أكثر تعددية وتسامحًا مع المعارضة إذا قُورن بدول الجوار مثل المملكة العربية السعودية ومصر، إذ تسمح السلطات الأردنية ببعض الاحتجاجات، ووسائل الإعلام حرة نسبيًا في انتقاد سياسات الحكومة، على الرغم من تقلص هذه المساحة وتزايد أعداد المحتجزين بدون محاكمات في كل عام.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد