في ليبيا لا صوت يعلو فوق صوت انتخابات الرئاسة، خاصةً أننا نعيش حاليًا أيام الحسم للمشهد السياسي المُعقَّد والمضطرب منذ عقد من الزمان، ورغم أنه لم يتبق سوى شهر تقريبًا على موعد إجراء هذه الانتخابات المُقرر لها 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، فإن مصيرها ما زال يُحيط به الكثير من الغموض.

وتمثل أول معالم هذا الغموض في صعوبة التوصل إلى «قانون انتخابات» مُتفق عليه، نتيجة استمرار أزمة الثقة بين الأطراف جميعها، وتنازع السلطات بين الشرق والغرب، إلا أن برلمان طبرق كسر هذه الدائرة المُفرغة بإصدار «قانون الانتخابات البرلمانية والرئاسية» في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وهو القانون الذي وُصف بأنه مُعد خصيصًا للمشير خليفة حفتر، إذ تنص المادة 12 من القانون على أنه يحق لكل مواطن – سواء كان مدنيًا أو عسكريًا – الترشح للانتخابات، شريطة أن يكون متوقفًا عن ممارسة مهامه قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر، مع إمكانية عودته إلى عمله السابق في حال لم يجر انتخابه.

قاطرة التوافق الدولي تسحب ليبيا نحو محطة الانتخابات

اعترض رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الأعلى للدولة (الغرفة التشريعية الثانية للدولة) على قانون الانتخابات، مُشككين في صلاحيته وقانونيته لإدارة العملية الانتخابية، من ناحية كونه يُمهِّد الطريق أمام حفتر لتولي الرئاسة، أو العودة إلى قيادة الجيش إذا فشل مسعاه، ورغم استمرار اعتراض الدبيبة على القانون، ودخوله في خلافات حول هذا الأمر مع «محمد المنفي» رئيس المجلس الرئاسي، فإن من الواضح أن موقف الطرف الرافض لإجراء الانتخابات في موعدها صار الأضعف حاليًا.

وينبع هذا الضعف من قرب انضمام الدبيبة نفسه لسباق الانتخابات، وهو اعتراف ضمني بشرعية هذه الانتخابات والقبول بقانونها، حتى ولو على مضض، كما أن انضمام رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح للسباق، يشي بأن معسكر الشرق ليس متوحدًا خلف حفتر، الذي أعلن بدوره ترشحه رسميًا في 16 نوفمبر 2021.

ومن ثم فعلى الرغم من الفوضى المسيطرة على المشهد الليبي خلال الأسابيع الماضية، والتي أوحت بأن إقامة الانتخابات في موعدها أمر شبه مستحيل، فإن تدافع الأحداث خلال الأيام الماضية يشير إلى أن ليبيا تمضي نحو إجراء الانتخابات في موعدها، إلا إذا حدث توتر عسكري غير متوقع بين أطراف الداخل.

وهنا نشير إلى ثلاثة أسباب رئيسة تقود ليبيا نحو الانتخابات:

  1. وجود إرادة دولية قوية حول ضرورة إقامة الانتخابات الرئاسية في موعدها، وتخطي المرحلة الانتقالية، وهذا ما ظهر في مخرجات مؤتمر باريس الأخير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وفي تصريحات الإدارة الأمريكية؛ إذ حاولت معظم الأطراف الدولية تخطي خلافات الداخل حول قانون الانتخابات، وتهديد من يرغب في عرقلة مسار الانتخابات.
  2. بمجرد تقدم عبد الحميد الدبيبة بأورق ترشحه للانتخابات، سنكون أمام مشهد انتخابي انخرطت به مراكز الثقل السياسي والعسكري الرئيسة في البلاد، وهو ما يمنح الانتخابات شريعة الانعقاد، خاصةً وأن هذه الأطراف لن تنخرط في الانتخابات صوريًا، وإنما يبدو أن كل طرف مؤمن بحظوظه في الظفر بمنصب الرئيس.
  3. إصرار الشرق على إقامة الانتخابات في موعدها، يشير إلى أنه ربما لن يسمح حفتر والشرق الليبي عامة بتعطيل مسار الانتخابات أو تأجيلها، وربما يهدد حفتر عسكريًا أي طرف يحاول جديًا الدفع نحو التأجيل.

معارك الشرق والغرب: انقسام في الانقسام

أولًا- مركز ثقل في الشرق الليبي:

من المعروف سلفًا أن حفتر كان الشخص الأكثر رغبة في تولي رئاسة ليبيا، وهو مسعى تجلى في كافة تحركاته العسكرية منذ ظهوره على الساحة الليبية في 2014، وهو لا شك يمثل مركز ثقل في الشرق الليبي لما له من نفوذ سياسي وعسكري وقبلي هناك، بالإضافة إلى حيازته لدعم بعض الأطراف الإقليمية على مدار السنوات السابقة.

Embed from Getty Images

المشير خليفة حفتر

ورغم قناعة معسكر الغرب بأن برلمان طبرق ورئيسه عقيلة صالح قد مهّدوا طريق الرئاسة أمام حفتر، فقد جاءت خطوة صالح الأخيرة وانضمامه للسباق الرئاسي، لتجعل الفرضية السابقة موضع شك. خاصةً إذا استعدنا حالة الخلاف التي وقعت بين الطرفين، في أعقاب فشل حفتر في حسم معركة طربلس عسكريًا لصالحه، وفي ظل التقارير التي تحدثت عن أن مصر وروسيا – من بعد معركة طرابلس – اتجها إلى رفع درجة التنسيق مع صالح بدلًا عن خفتر.

وبالنظر إلى تمتع صالح بدعم قبيلته العبيدات، التي تُعد أحد أهم وأكبر قبائل الشرق، والتي سبق وأن دعّمته في سباق تولي المجلس الرئاسي في يناير (كانون الثاني) 2021، يمكن القول إن استمرار صالح في السابق الانتخابي، يسحب كثيرًا من رصيد شعبية حفتر، وربما يخصم من أصواته، مما يُهدد بتفتيت أصوات الشرق الليبي.

ثانيًا- مركز الثقل في الغرب:

صارت مفاتيح الغرب الليبي السياسية في يد رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وهو العنصر الذي من الممكن أن يقلِب المعادلة السياسية، إذا صحت التقارير التي تتحدث عن احتمالية ترشحه للانتخابات، ويعود ذلك إلى الشعبية الكبيرة التي اكتسبها الدبيبة بسبب سياساته الداخلية على مدار الأشهر الماضية، والتي تضمنت برامج ضخمة للإنفاق العام، بمعدلات غير مسبوقة منذ عام 2001، فضلًا عن إنجازه لمشروعات كبيرة استفادت منها فئات مختلفة من الشعب الليبي.

Embed from Getty Images

عبد الحميد الدبيبة

وقد تجلّت هذه الشعبية في التظاهرات التي خرجت في طرابلس وعدة مدن أخرى، في سبتمبر (أيلول) 2021، تضامنًا معه ضد قرار برلمان طبرق بسحب الثقة من حكومته، لذا اعتبرت بعض التحليلات أن تشرح الدبيبة يمثل تهديدًا لفرص باقي المرشحين، كونه من السياسيين القلائل الذي نجحوا في حشد وتعبئة الجماهير حوله وحول حكومته.

بالإضافة إلى ما سبق، فإن الغرب الليبي يخشى من أن تأتي الانتخابات بحفتر أو رئيس آخر من الشرق، وهو أمر لا شك أنه سيُهدد مصالح الفاعلين السياسيين في الغرب، ويجعل مستقبلهم السياسي محفوفًا بالمخاطر، لذا فربما يجد الغرب ضالته في تأييد الدبيبة والوقوف خلفه، خاصةً في ظل الثقل السكاني الذي يتمتع بع الغرب، إذ يضم 63% من سكان ليبيا، في مقابل 28.5% للشرق، و7.8% للجنوب.

التحدي الحقيقي الذي يواجه الدبيبة، هو أن ترشحه يخالف المادة 12 من قانون الانتخابات، والتي تُلزِم المترشح للرئاسة بالاستقالة من منصبه قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات. كما أن الدبيبة – نفسه – وسائر المسئولين الحكوميين الذي صعدوا في انتخابات السلطة التنفيذية الأخيرة فبراير (شباط) 2021 كانوا قد تعهّدوا بعدم الترشح للانتخابات التي تلي المرحلة التمهيدية.

ورغم ضبابية موقف الدبيبة، والذي لابد وأن يُحسم قبل 22 نوفمبر 2021، وهو آخر موعد لتلقي طلبات الترشيح، فإن هناك مؤشرات أنه ربما ينجح في التغلب على العقبات القانونية أمام ترشحه، وأولها هو دعوة البعثة الأممية في ليبيا برلمان طبرق لتعديل قانون الانتخابات والتغاضي عن شرط الثلاثة أشهر، بالإضافة إلى حديث البعض عن ثغرة قانونية قد تتيح ترشح الدبيبة؛ إذ يمكن أن يستفيد من قرار برلمان طبرق بسحب الثقة منه، بما يجعله في حالة توقف فعلي عن العمل، وأن ممارسته خلال الأشهر الماضية تأتي في إطار «تسيير الأعمال».

ثالثًا- مركز ثقل مصراتة:

كان فتحي باشاغا، وزير الداخلية السابق في حكومة الوفاق، أحد أهم منافسي الدبيبة على منصب رئيس الوزراء في فبراير 2021، وينبع ثقل باغاشا ينبع من نفوذه القوي في مدينة مصراتة، وشبه سيطرته على ميليشياتها، التي تملك حوالي 5 آلاف مقاتل، وقدر هائل ومتنوع من الأسلحة، ناهيك عن محورية المدينة في الصراع الليبي خلال السنوات الماضية وأهميتها الاقتصادية أيضًا.

Embed from Getty Images

فتحي باغاشا

ورغم اصطفاف باغاشا ومصراتة ضمن معسكر الغرب، في مواجهة حفتر، إلا أنه كان يملك دائمًا قدرًا من الاستقلال النسبي ويقوم بتحركات تخدم مصالحه هو فقط، وهو ما تسبّب في وقوع خلافات بينه وبين معسكر الغرب (بشقيه السياسي والعسكري)، بجانب وجود درجات من التنسيق بين قواته وبين قوات حفتر مؤخرًا في بعض الملفات العسكرية، كل ذلك يجعل من باغاشا مصدر تهديد محتمل لمرشحي الرئاسة الآخرين.

رابعًا مركز ثقل الجنوب

تمثلت مفاجأة هذه الانتخابات في ظهور القذافي الابن، سيف الإسلام، الذي أعلن ترشحه لانتخابات الرئاسة في ليبيا، وتقدم بالفعل بأوراقه، رغم اللغط القانوني الدائر حول شرعية هذه الخطوة من الأساس، فهناك من يرى أن القذافي يحظى بالفعل بدعم فرنسا وروسيا، وأن هناك اتصالات تنسيقية غير رسمية أجريت بين رجاله وبين مسئولين في هذه الدول.

Embed from Getty Images

سيف الإسلام القذافي

وهناك منْ يرى أن القذافي ربما يكون خيار ثالث ومُفضَّل لدى البعض في ظل صراع الشرق والغرب، الممتد منذ سنوات، وهناك احتمالية للتصويت لصالح القذافي في إطار عمليات التصويت العقابي ضد باقي الأطراف المتنازعة، لكن العنصر الأهم يتمثل في الثقل الانتخابي الذي يتمتع به القذافي في الجنوب، حيث هناك قبائل كثيرة ما زالت تدين بالولاء لنظام والده، وهو عنصر يحاول سيف الإسلام استثماره والتأكيد عليه في خطاباته.

ورغم كل ذلك يبقى أمرٌ أخير، وهو مرتبط بمآلات المشهد في مرحلة ما بعد الانتخابات، وتحديدًا في حالة نجاح مرشح آخر غير حفتر. فمن الناحية القانونية سيعود حفتر لقيادة القوات المسلحة مرة أخرى، وهو الأمر الذي ربما يُعيد المشهد إلى نقطة الصفر، فربما لا يقبل حفتر من الأساس نتائج الانتخابات وينقلب على الرئيس الجديد، أو ربما يقبل بها ظاهريًا كما فعل مع المجلس الرئاسي الحالي المعين في فبراير 2021، ثم يحاول تجاوز صلاحياتها وسلطاته، مُكرِّسًا نفوذه السياسي والعسكري، ومُبقيًا على حالة الصراع والتشرذم وحتى إشعار آخر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد