يسيطر على الانتخابات البرلمانية في العراق -والتي بدأ التصويت لها في الخارج- الطابع الطائفي وصراع الهوية، ظهر ذلك بشكل واضح في دعاية المرشحين وشعاراتهم، وكان من أبرز الشعارات التي ظهر فيها الانقسام الطائفي هو شعار المطالبة بـ “الإقليم السنّي” من المرشحين السنّة، وهو ما جعل البعض يرى أن العراق فد تكون في اتجاهها إلى التقسيم إلى ثلاث دول شيعية وسنية وكردية، فما مدى صحة ذلك؟ وما هي الأسباب التي استدعت المطالبة بالإقليم السنّي.

في هذا التقرير نعرض بضعة أسئلة حول الإقليم السنّي والنظام السياسي في العراق ومدى سماحيته بالانقسام.

يُعرَف نظام الحُكم في العراق بأنه نظام فيدرالي، فما معنى الفيدرالية، وكيف هو النموذج الفيدرالي في العراق ؟

الفيدرالية هي نظام سياسي يفترض تنازل عدد من الدول أو القوميات الصغيرة عن صلاحيتها واستقلالها لمصلحة سلطة عليا موحدة تمثلها على الساحة الدولية وتكون مرجعها في كل ما يتعلق بالسيادة والأمن القومي والدفاع والسياسة الخارجية.

تدور النظم الفيدرالية في العالم حول مفهوم الاتحاد الطوعي بين كيانات منفصلة أو بين أعراق وقوميات متباينة، يوجد في العالم نحو 25 دولة تتبني النظام الفيدرالي من بينها دول كبيرة مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبلجيكا وسويسرا والهند وروسيا.

أمّا في العراق فتقوم الفيدرالية على أساس ثنائي، قومي وإدراي، فهي من ناحية تقر إقليم كردستان بحدوده الحالية على أساس عرقي، وتعطي من ناحية ثانية لكل محافظتين أو أكثر حق الانتظام في إقليم بغض النظر عن واقع الاتساق القومي بين عموم محافظات العراق غير الكردية.

إبان الغزو الأمريكي تبنى العراق نموذج الديقراطية التوافقية، وفي عام 2004 أعلن بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق قانون إدارة الدولة المؤقت كبديل للدستور، الذي أعلن المحافظات الكردية الثلاثة في شمال العراق ككتلة سياسية وإدارية واحدة، وهي كانت كذلك بالأساس بموجب الحكم الذاتي الذي أعلن في عام 1974، وأقر القانون نفسه مبدأ الفيدرالية كأساس لشكل الدولة العراقية الجديدة دون الرجوع إلى الشعب العراقي واستفتائه على ذلك، وألزم مشرعي الدستور الدائم بتثبيت هذا المبدأ، بالإضافة إلى مواد أخرى تمنح سلطات الأقاليم صلاحيات واسعة تجاوز سلطات السلطة المركزية، مع حق الإقليم بالمطالبة بما أسماه قانون المناطق المتنازع عليها.

وبالرغم من أن نموذج الديمقراطية التوافقية يقول عنه منظروه أنه النظام الأكثر صلاحية للمجتمعات المنقسمة والمتعددة الهويات، إلا أنهم لم يتحدثوا عن توافقية طائفية، حيث يفترض منظرو هذا النموذج أن الركن الأول من الديمقراطية التوافقية ما يسمى بـ “الائتلاف الواسع” أي الائتلاف الذي يضم قوى تعبّر عن سائر الهويات الكبرى المكونة للبلاد. وهو ما لم يحصل في العراق منذ 2003 بل ما حدث هو العكس !

ذلك أن الاحتلال قد فرض توافقية سياسية طائفية على شعب غير منقسم إلى طائفية سياسية، فتحولت تلك التوافقية إلى أدوات للإقصاء والحرب الأهلية.

النموذج العراقي قدّم نموذجًا فيردراليًّا غير مألوف للفيدرالية في العالم، سواء على المستوى النظري أو العملي، فهي ليست فيدرالية عرقية كالفيدرالية البلجيكية التي تعتبر اتحادًا بين مجموعتين قوميتين، ولا التجربة السويسرية في فيدرالية طائفية، وليست بالطبع كفيردالية الولايات المتحدّة.

ويرجع ذلك أنه لم يكن من الممكن إقامة فيدرالية طائفية كالفيدرالية السويسرية للتداخل الكبير بين السكان العراقيين من السنة والشيعة في المحافظات المختلفة.

وهو ما جعل البعض يظن أنه لا يمكن واقعيًا إقامة فيدرالية في المنطقة العربية على أساس طائفي!

 

خريطة توضح النسبة بين الطوائف المختلفة في محافظة بغداد

 

خريطة توضّح التوزيع الطائفي للعراق

 

متى بدأت المطالبة بالإقليم السنّي ؟ ولماذا كانت المطالبة به؟

يمكن القول أن طبيعة العراقيين وتمازجهم تجعل من فكرة التقسيم فكرة مرفوضة، لكن بمرور السنوات وبعدما تعرّض السنّة للاضطهاد والتهميش، بدأ التلويح بحل الإقليم السنّي للخلاص مما هم فيه.

فالفيدرالية في العراق كانت محط رفض وقبول من مكونات العملية السياسية ومن الشعب العراقي عند التصويت عليها، وكان المؤيدون للحكم الفيدرالي حينها الأغلبية الشيعية والأكراد، والرافضون لها بشكل قاطع السنة والتركمان، اعتقادًا منهم أنها ستكون سببًا لانقسام العراق.

بعد انتخابات 2010 ظهرت العديد من الانشقاقات والخلافات الحادة بين الأطراف التي اتفقت على تشكيلها، وظهرت نزعة استئثارية بالسلطة من منطلق طائفي، ولا تعبأ بالانتخابات ونتائجها، هكذا بدأ المالكي ولايته الثانية لرئاسة الوزارء، ومع الطريقة الاستفزازية التي تعاملت بها السلطة المركزية مع المحافظات التي تنتمي إلى طائفة غير التي تنتمي لها الأحزاب السياسية الحاكمة، ومع سياسات التهميش والاضطهاد التي تعرض لها السنة، مثل مذكرة القبض على رئيس الجمهورية طارق الهاشمي والحكم عليه بالإعدام أواخر عام 2011، وحركة الاحتجاج في المحافظات السنية إثر اعتقال رافع العيساوي أحد أبز السياسيين من العرب السنة في أواخر عام 2012، ثم أزمة الأنبار في أواخر عام 2013، بدأت المطالبة بتشكيل أقاليم أخرى على غرار إقليم كردستان، وكانت أول المحافظات المطالبة بالفيدرالية هي المحافظات السنية التي صوتت ضد الدستور ورفضت الفيدرالية من قبل.

لا شك أن ما رآه العراقيون من مآلات الاستقلال على إقليم كردستان عزز لديهم أيضًا تلك الرغبة، حيث ساهم الاستقلال الذي تمتع به الإقليم بتحسن وتقدم وتطور في شتى مجالات الحياة، إضافة إلى استتاب الأمن واستمرار نظام المؤسسات الذي كانت تتمتع به الحكومات العراقية بشكل دائم.

وماذا عن الانتخابات هذا العام؟

يمكن إرجاع سبب الحدّة الطائفية في انتخابات 2014 لما شهدته البلاد من صراع سياسي ومجتمعي، بدأ وتصاعد منذ بداية المرحلة التي تشهد العراق فيها إعادة تشكيل النظام السياسي المتعدد الهويات والمنقسم إثنيًا وطائفيًا.

إلا أن ما حدث في السنوات السابقة من بعد انتخابات 2010 حتى اليوم، ساهم في تعزيز تلك النزعة والحدّة الطائفية، والتي أخذت صورًا متعددة منها الإقليم السنّي.

في عام 2010 خاضت التنظيمات السياسية الشيعية الانتخابات بائتلافين كبيرين هو ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي، وهو ما حدث أيضا مع التنظيمات السياسية الكردية التي دخلت الانتخابات بائتلافين، ائتلاف التحالف الكردستاني وكوران (التغيير)، في حين خاض السنة الانتخابات بائتلاف واحد كبير هو ائتلاف العراقية.

وبعد الانتخابات اتحد الائتلافان الشيعيان بما عرف بكتلة “التحالف الوطني” وهي الكتلة التي أوكل إليها ترشيح مجلس الوزراء

في 2014 تشهد الانتخابات خمسة ائتلافات شيعية رئيسة؛ هي دولة القانون، والمواطن، والأحرار، والفضيلة والنُّخب المستقلة، وتحالف الإصلاح الوطني، وتشهد ثلاثة ائتلافات سنِّية رئيسة؛ هي متحدون للإصلاح، والعربية، وكرامة، وتشهد أربعة ائتلافات كردية؛ هي الائتلاف الكردي الموحد، وكوران، والاتحاد الإسلامي الكردستاني، والتحالف الوطني الكردستاني.

وبناءً على قانون سانت لاغي الذي يسمح بوجود الكيانات والائتلافات الصغيرة، ويعطيها مساحة معقولة من ميدان التنافس الانتخابي، عمدت الائتلافات الكبيرة في المشهد الانتخابي العراقي إلى ما يسمى “كيانات ظليّة” صغيرة تابعة لها، لتعود وتندمج فيها بعد حصولها على عدد من المقاعد، وهذا ما حدث في انتخابات مجالس المحافظات لعام 2013.

وبالرغم من أن نظام سانت لاغي المعدّل يعطي الكيانات الصغيرة فرصة ضئيلة جدا من النسبة العامة لمقاعد مجلس النواب، وبالرغم من أن فرصة هذه التنظيمات الصغيرة لممارسة دور سياسي فعال ضعيفة، إلا أنه سيطرة الأحزاب والتنظيمات الكبرى على العملية السياسية سوف يدفع الكيانات الصغيرة إلى الاندماج مع الأحزاب والتنظيمات الكبرى، وهو ما دفع بعض الائتلافات الكبيرة إلا اللجوء لمثل هذه الكينات الظلية، لتستفيد من فرصتها في الحصول على المقاعد حتى وإن كانت محدودة!

وبعد الانتخابات .. ما هي الصعوبات التي قد تواجهها الائتلافات لتحقيق مطالبها ؟

يمكن القول أن القوى السياسية لم تسع لبناء تفاهمات فيما بينها لمرحلة ما بعد الانتخابات، وهو أمر معرقل للعملية السياسية بمجملها، حيث ستجد الائتلافات الرئيسية أنها مقيدة بالجدول الزمني الذي يحدده الدستور لمرحلة ما بعد الانتخابات، وفي صلب ذلك تشكيل الكتلة النيابية الأكثر عددا، وهي التي ستكلف بترشيح رئيس الوزراء، في الوقت الذي لا تملك فيه أي اتفاق مبدئي أو تصور عن ذلك.

فحتى الآن لا توجد أي تفاهمات معلنة لمرحلة ما بعد الانتخابات إلا التفاهم بين ائتلاف المواطن الذي يقوده المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، والذي يترأسه عمّار الحكيم، وائتلاف الأحرار الذي يقوده التيار الصدري، في حين ينعدم أي تفهم أو حوار جدي عابر للطوائف لمرحلة ما بعد الانتخابات.

قد تتشكل التحالفات بعد الانتخابات، ويحددها الموقف من المركزية، حيث ستدور هذه التحالفات على فكرتين سياسيتين أساسيتين، هما دولة مركزية شيعية يقودها العرب الشيعة مع شراكة كردية، أو دولة مركزية مرنة تحاول أن توازن بين مركز أكثر مرونة في إشراك جميع المكونات، من خلال قيود أو مؤسسات تمنع أي مؤسسات سياسية من صيغة احتكارية للسلطة، مع لا مركزية أكثر سعة، وهذا يتطلّب تغيير المالكي بمرشح آخر.

 

هل من مصلحة المالكي الإقليم السنّي؟

لا زالت تجربة إقليم كردستان حاضرة في ذهن المالكي، فالاستحقاقات التي حصل عليها الإقليم منذ السبعينات مع قانون الحكم الذاتي صارت مصدر قلق وتوتر له، وعبّر عنه بصراحة أن الإقليم “خارج سيطرة الحكومة المركزية وعلمها”، وهو ما يجعله يخشى أن يعمم التجربة بما يقلل من القبضة المركزية على العراق، وهو ما جعله يرفض المطالبة بالمحافظات الفيدرالية من قبل بما يعتبر رفضًا غير دستوري.

يرفض المالكي أية محاولات لإقامة فيدراليات جديدة، لكنه يدعو إلى توسيع مبدأ اللامركزية للمحافظات المختلفة، ويطرحه في لقاءاته مع الشخصيات والعشائر المختلفة، كما أنه يتجاهل كل المطالب بالاستقلال ولا يحيلها إلى مجلس النواب، الذي يمتلك فيه أصلا غالبية.

يرى محللون أن موقف المالكي من رئاسة الحكومة مرهون بمواقف دولية ومواقف دول الجوار منها إيران، فهي وإن تخلّت عنه، فلن تأتِ بمن يُعارض مصالحها في المنطقة، وينبغي القول ها هُنا أن ثمة تخوفات من إيران من حل الإقليم السنّي الذي قد يعزز من نفوذ السنّة في المنطقة.

وما موقف الولايات المتحدّة من التقسيم؟

فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات ليست جديدة على العقل الأمريكي، فقد تناولها بعض الساسة والباحثون منذ سنين، فقد دعا وزير الخارجية الأسبق والمفكر الاستراتيجي هنري كيسنجر في 2006 إلى تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات، كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب، وقال “إن المصير الذي ينتظر العراق سيكون مشابها لمصير يوغوسلافيا”.

وفي دراسة لمركز سابان بمعهد بروكينغز للدراسات السياسية والاستراتيجية بواشطن بعنوان “حالة التقسيم السهل للعراق” أعدّها الباحث جوزيف إدوار ركز فيها على تحليل الصعوبات التي يرددها البعض عن فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات ومنها صعوبة تحقيق الفصل الجغرافي بسبب الزواج المختلط بين السنة والشيعة، الرفض القبلي من بعض عشائر العراق، ورفض دول الجوار والتي تشعر أن تقسيما كهذا فيه تهديد استراتيجي ليها.

كما كتب أكاديميون مشهورون أن الأمريكيين قد يحققون أهدافهم في الشرق الأوسط إذا ما تنازل الجميع عن فكرة العراق الموحد.

وأخذ يسرد البعض فوائد التقسيم من تقليل الخلاف بين السنة والشيعة والكرد، والتعجيل ببناء مؤسسات الدولة، وإفساح المجال أمام كل فئة للتوصل إلى إجماع حيال قضايا الدين والقانون.

إلا أن الولايات المتحدة التي قد روجت للفكرة وتحدثت في فترة ما عن ضرورة تقسيم العراق إلى أقاليم ثلاثة، بدأت تبدي تحفظها على مثل هذه المشاريع، بل وصل الأمر بها إلى تحذير إقليم كردستان من عواقب الانفصال عن السلطة المركزية ونصحتهم بضرورة حل مشاكلهم مع السلطة الاتحادية عبر الحوار والنقاش.

هل من السهل الوصول إلى حل التقسيم والاستقلال السنّي؟

بموجب المادة 119 من الدستور فانه “يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه يُقدَّم بإحدى طريقتين:
أولاً: طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.
ثانيًا: طلب من عُشْر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.”

وبما أن البرلمان هو السلطة التشريعية الأعلى، فلقد اشترط للحصول على الفيدرالية عرض طلب المحافظة الراغبة في تشكيل إقليم على البرلمان لإجراء الاستفتاء عليه، وبهذه النقطة استطاع المالكي أن يقف أمام هذه المطالبات من قبل ورفض تحويلها إلى البرلمان.

يرى محللون أن المطالبين بحل الإقليم السنّي سيواجهون الكثير من الصعوبات لإقامته، وبداية هذه الصعوبات هي الانتخابات العراقية، والحصول على أغلبية برلمانية، ثم العمل على تكوين ائتلافات تطيح بالمالكي من رئاسة الحكومة، وتخطّي كل العقبات والصعوبات والخلافات التي سيواجهونها في تشكيل الحكومة، وإن نجحوا في تشكيلها فلن تخمد الصراعات مع ائتلاف المالكي ورغبته في الاستئثار بولاية ثالثة، فضلا عن الموقف الدولي ومواقف دول الجوار الذي يبدو من التصريحات الأخيرة أنها لن تسمح بحل التقسيم، وإن سمحت بإطاحة المالكي.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد