في إحدى المناطق التجارية المشهورة في مدينة لندن سيصدمك هذا الشعار الذي وضعه أحد المحلات هناك: «تسوق طبقًا للحمض النووي الخاص بك»، الأمر يبدو غريبًا، وربما يعتقد البعض أنه خدعة، لكن الأمر حقيقي، ودون أي تفاصيل مريبة. عند الدخول إلى هذا المحل ستشاهد تواجد صفوف من الحجرات الصغيرة متعددة الألوان على أحد الجدران. في الواقع هذه الصفوف تحتوي على أجهزة شبيهة بالطابعة مخصصة بالفعل لاختبار الحمض النووي.

تمثل هذه النوعية من المتاجر الحديثة نقلة غير مسبوقة في مجال الصحة؛ إذ تساعدك على اختيار الأطعمة والمواد الغذائية التي تناسب جيناتك وطبيعة جسمك، مع الحرص على الابتعاد عما يتسبب في ضرر كبير، أو ما قد يتسبب في ضرر لاحق نتيجة طبيعة الجينات. يبدو أننا دخلنا إلى مستقبل التسوق.

«DNANudge».. مستقبل التسوق الصحي يبدأ من هنا

هذا المتجر يدعى «DNANudge»، وهو متجر حديث يوجد منه حتى الآن ثلاثة فروع كلها في العاصمة البريطانية لندن. وبحسب ما يذكره الموقع الرسمي للمتجر فإن مهمته هو مساعدة الناس على اتخاذ خيارات أفضل للتسوق على أساس الحمض النووي، وعوامل نمط الحياة مثل النشاط البدني. لكن يبقى التعرف على مدى فعالية النظم الغذائية الشخصية القائمة على الاختبارات الجينية محل الاختبار.

بعد دخولك إلى المتجر يتم تحليل الحمض النووي الخاص بك. يقوم العاملون بالمتجر بأخذ عينة من حمضك النوعي بواسطة مسح عصا قطنية صغيرة بالغشاء الداخلي للخدين. يقومون بوضع العينة في جهاز صغير للتحليل، والذي يستغرق حوالي ساعة واحدة لاختبار الجينات المرتبطة بأيض الكافيين، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول في الدم، والسكري من النوع الثاني.

تتحول هذه المعلومات بعد ذلك إلى ملف تعريف شخصي خاص بك يوصي بكميات من المكونات الغذائية، بما في ذلك الملح، والدهون، والسكر. ومقابل حوالي 105 دولار يمكن للعملاء شراء معصم ذكي يساعد على مسح «الباركود» على الأطعمة الموجودة في أي «سوبر ماركت» بالمنطقة. يومض سوار المعصم باللون الأحمر، أو الأخضر، اعتمادًا على ما إذا كان منتج ما مناسبًا ومتوافقًا لملف تعريف الشخص الغذائي بمجرد الانتهاء من الاختبار، يمكن للمستخدمين استخدام السوار، أو تطبيق الهاتف الذكي «DNANudge»؛ لمسح أكثر من 500 ألف منتج عبر «الباركود» الخاص بالمنتجات الغذائية والمشروبات.

لنأخذ هنا مثالًا: بالنسبة للشخص الذي يتعرض لارتفاع ضغط الدم قد يضيء معصمه باللون الأحمر إذا حاول شراء منتج يحتوي على نسبة ملح كبيرة. عندئذٍ يقترح تطبيق الهاتف الذكي المتصل شراء بدائل في فئة الطعام نفسها. يحتوي «DNANudge» على قاعدة بيانات للعناصر الموجودة في معظم محلات «السوبر ماركت» في المملكة المتحدة لجعل هذه الوظيفة تعمل بكفاءة.

ولأن العوامل الأخرى المتعلقة بنمط الحياة مثل مقدار الوقت الذي تقضيه في الجلوس أو فترات النوم يكون لها تأثير كبير، فإن هذا أمر يأخذه سوار المعصم الخاص بـ«DNANudge» كمتتبع للنشاط. يومض السوار بلون كهرماني عندما يكون الشخص جالسًا لفترة طويلة.

يبدو أنه من الغريب أن يكون لديك «مساعد تقني» يخبرك بما يجب عليك، وما لا يجب عليك أن تأكله. يبدو الأمر أشبه بإشارة مرور خاصة بمدرب النظام الغذائي الخاص بك. الآن لن تعود إلى «الجيم» وتنال توبيخًا من مدربك لأنك تناولت أطعمة غير صحية لا تناسب برنامج التدريبي مثلًا.

متاجر تبيع «باقة التغذية» الكاملة من أجل صحة أفضل!

يبدو أن بعض متاجر الأغذية الكبيرة تحمست لهذه الفكرة الجديدة؛ فقد أطلقت متاجر «Waitrose» الخدمة الخاصة باختبارات الحمض النووي في بعض فروعها. فبدءًا من ديسمبر (كانون الأول) 2019 ستكون خدمة تحليل الحمض النووي من «DNANudge» متاحة لمدة ثلاثة أشهر في متاجر لندن مبدئيًا. ويتواجد في المتاجر خبراء من «DNANudge» لمساعدة المتسوقين على هذه التقنية الجديدة.

هذه المتاجر تبيع «باقة التغذية» الكاملة التي تشمل اختبار الحمض النووي، وسوار المعصم، والاشتراك مدى الحياة في تطبيق «DNANudge»، مقابل 160 دولار تقريبًا. وقالت مويرا هاوي، مدير التغذية والصحة في متاجر «Waitrose»: إن تجار التجزئة يلعبون دورًا مهمًا في مساعدة المتسوقين الذين يريدون أن يكونوا أكثر صحة، وهذا هو السبب وراء تعاون شركتها مع «DNANudge» لتقديم هذه التكنولوجيا الجديدة التي تمكن العملاء من تحقيق المزيد الخيارات المستنيرة التي تستند إلى الجانب الغذائي من الحمض النووي الخاص بهم، على حد وصفها.

وأضاف بيتر كروس، مدير تجربة العملاء في متاجر «جون لويس»، التي شاركت في التقنية نفسها: «نحن نبحث دائمًا عن طرق لجعل تجربة تسوق عملائنا أكثر تخصصًا وذات صلة بهم، ولهذا السبب يسرنا أن نمنحهم فرصة لجعلهم أكثر اطلاعًا على قرارات الشراء بناء على الحمض النووي الخاصة بهم». وأوضح أن هذه التقنية تساعد حاليًا عملاءهم على اتخاذ قرارات صحية بشأن الأغذية التي يشترونها، ولكن يمكن أن يكون لها أيضًا إمكانية التوسع في فئات أخرى، مثل العناية بالبشرة في المستقبل.

معلومات جينية؟ ماذا عن السرية!

تطفو للسطح هنا بالطبع مسألة الخصوصية؛ إذ يبدو أن العالم كله أصبح مهووسًا بجمع بياناتنا الشخصية والطبية والنفسية وبيعها إلى المعلنين وغيرهم. لكن بالنسبة لـ«DNANudge»، فإنهم لا يجمعون البيانات الجينية للأفراد، بل يخزنون فقط نسخة مشفرة من العوامل الغذائية الموصى بها للشخص.

وبالنسبة للمنتجات الموجودة في المتاجر والتي يقوم المستخدمون بمسحها ضوئيًا من خلال سوار المعصم، تجري عملية تسجيلها بطريقة مجهولة أو مخفية. هذا سيمكن «DNANudge» من مطالبة المصنعين وتجار التجزئة بالتوقف عن تخزين المنتجات الممسوحة ضوئيًا بانتظام، والتي لا تناسب مجموعات كبيرة من الناس. تبدو الفائدة مشتركة هنا.

يمكن أن يكون هذا أيضًا مصدرًا للمعلومات القيمة حول خيارات التسوق اليومية للناس. لدى «DNANudge» تعاون بحثي مستمر مع الشركة المالكة لسوبر ماركت «Waitrose & Partners»، وذلك بهدف دراسة تأثير هذه التكنولوجيا على العملاء الذين ليس عندهم ما قبل السكري، لكن جيناتهم تقول باحتمالية إصابتهم به لاحقًا.

مبادرات أخرى.. عبر التطبيقات الذكية

فكرة «DNANudge» ليست حصرية، إذ إن هناك عدة مبادرات في هذا الشأن. بداية عام 2019 أصدرت شركة تدعى «Digital Wellness» منتجًا جديدًا يسمى «DNA Diet Plan»، أو خطة حمية معتمدة على الحمض النووي. تبدو الخطة بسيطة، يمكنك التسجيل عبر الإنترنت، ثم تحميل بياناتك من «AncestryDNA» أو «23andMe»، وهما خدمتان شائعتان توفران للناس ملفات تعريف جينية متعمقة عبر اختبارات معينة. تحلل خطة حمية الحمض النووي نتائجك من تلك الاختبارات، ثم تخبرك فورًا بما يجب عليك فعله لفقدان الوزن استنادًا إلى الحمض النووي الخاص بك.

هذا البرنامج ينظر إلى أكثر من 100 جانب من الحمض النووي للعميل، ثم يحولها إلى حوالي 20 نصيحة للحمية لذلك الشخص. يحصل كل عميل على خطط مخصصة للوجبات، وقوائم البقالة، والوصفات، وحتى ممارسة التمارين الرياضية. يتميز التطبيق بأداة تسمح للمستخدمين بمسح الباركود الخاص بمنتجات الطعام في المتاجر ومعرفة ما تقوله خطة «DNA Diet Plan» عن ذلك.

هذا البرنامج يحلل جينات العميل لتنبيهه إلى أي حساسيات لديهم ثم تقوم بتصفية تلك الأطعمة غير المناسبة من قوائم التسوق والوصفات المقترحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن نتائجهم تخبرهم عن خطر الإصابة بالسمنة بناءً على جيناتهم. تأخذ الخطة أيضًا في الاعتبار الجينات المرتبطة بالاستهلاك الآمن للكحول.

صحة

منذ 7 شهور
لا تصدق كل ما تقرأه.. كل نصائح التغذية الصحية قد تكون مجرد «وهم»

الطعام طبقًا للحمض النووي! هل هذا حقيقي؟

حتى الآن هناك القليل من الأبحاث التي تشير إلى أن تناول الطعام بناءً على جيناتك يتسبب في فوائد مهمة. إحدى الدراسات التي تمت بجامعة كامبريدج عام 2018 والتي شملت 21 ألف و900 شخص، وجدت أن الصلة بين النظام الغذائي ومرض السكري من النوع الثاني لم تتأثر بعوامل الخطر الجيني لمرض السكري من النوع الثاني، أو مقاومة الأنسولين، أو ارتفاع مؤشر كتلة الجسم.

هذا يشير إلى أن التوصيات الغذائية نفسها مناسبة لمرضى السكري من النوع الثاني بغض النظر عن الاختلافات في الاستعداد الوراثي للإصابة به. وبالمثل لم تجد دراسة لفقدان الوزن جرت على مدار عام في جامعة ستانفورد، أي فروق ذات دلالة إحصائية بين اتباع نظام غذائي صحي قليل الدسم مقابل نظام غذائي منخفض الكربوهيدرات حتى عندما يتم تكليف الأفراد بنظام يتوافق مع استعدادهم الجيني أو حالة مقاومة الأنسولين.

لكن يجب توخي الحذر عندما تكون الاختبارات الجينية سلبية تجاه مرض أو مشكلة صحية ما، إذ هل يمنح ذلك الأشخاص ترخيصًا بتناول أي أطعمة يحلو لهم بأي كميات؟ الإجابة: ليس حقًا. وجدت دراسات أخرى أن التغذية الشخصية قد تكون أكثر فائدة عندما تعتمد على خصائص مثل: العمر، والجنس، ومستوى السمنة، والمجموعة العرقية. بمعنى أنه لا يجب أن نؤمن بالجينات بمفردها، إذ يوضح بعض الخبراء أنهم لن يوصوا أبدًا بأي شيء بناءً على الحمض النووي فقط دون غيره من العوامل.

لا يوجد شك في أن اتباع نظام غذائي واحد يناسب الجميع أمر خاطئ. التخصيص – إلى حد ما – ضروري. لكن ينبغي الحذر من أن الأشخاص الذين يحاولون إنقاص الوزن بطريقة صحية لا ينبغي لهم بالضرورة أخذ نصيحة لأي خطة حمية جديدة. فقط عليهم التحدث إلى الطبيب أو أخصائي تغذية مسجّل حول الأطعمة التي قد تكون أو لا تكون مناسبة بالنظر إلى ما يتعرضون له من أعراض ومشاكل.

لا يوجد أي ضرر في خطة نظام غذائي تقترح تناول المزيد من الفواكه والخضروات. ولكن عندما يتعلق الأمر بتشجيع التغييرات الجذرية، مثل القضاء على مجموعات الأطعمة الكاملة، يحتاج العملاء إلى توخي الحذر بشأن أي من النصائح الغذائية التي يتبعونها. خطة حمية الحمض النووي السابقة يمكنها تسليط الضوء على الفجوات في ما نعرفه عن كيفية تأثير الجينات على فقدان الوزن.

لكن هناك حاجة إلى أدلة أكثر قوة لدعم الفعالية والفوائد الإضافية للتغذية الشخصية بما يتجاوز أساليب التدخل الغذائي التقليدية، مثل تلك التي تستهدف تناول المزيد من الفاكهة والخضار، أو أقل من الأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من السكريات المجانية. لذا، في حين أن فكرة معرفة ما عليك شرائه من متجر البقالة على الفور عبر ترك برنامج يحلل جيناتك تبدو لطيفة، لكن الأفضل أن تستشير خبيرًا قبل إجراء أي تغييرات جذرية في نظام التغذية.

صحة

منذ 4 شهور
مترجم: حمية الهرمونات.. بعض الحقائق العلمية عن آخر بدع فقدان الوزن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد