الشعور بالحب هو حاجة أساسية للإنسان طبقًا لـ«هرم ماسلو» الذي يحدد الاحتياجات الأساسية للبشر. قبل عصر الإنترنت، كان الأشخاص الباحثون عن الحب والعلاقات ينتظرون العثور على الأشخاص المناسبين خلال فترات الدراسة، أو نتيجة العمل في الأماكن نفسها، أو التواجد في الدوائر الاجتماعية نفسها. لا أحد ينكر فاعلية هذه الطرق في الحصول على الرفيق المناسب، بما أن البشر قد استمروا في بناء العلاقات على هذه الحال مدّة طويلة، لكن في الوقت نفسه قد لا تكون هذه الدوائر كافية بالنسبة لبعض الأشخاص لكي يجدوا الصفات التي يبحثون عنها.

 

مع الظهور المبهر للإنترنت في عالمنا، اتجه الكثير من الناس للبحث عن الرفيق المحتمل في دوائر أوسع وأكثر تنوعًا، وهي دوائر «الأونلاين» التي تمثلها مواقع وتطبيقات المواعدة التي تعتمد على الإنترنت. في الولايات المتحدة وأوروبا اشتهرت هذه المواقع والتطبيقات، وأصبح استخدامها والإيمان بنجاعتها أمرًا شائعًا؛ حتى إن دراسة استقصائية أجريت عام 2016 وجدت أن 59% من الأمريكيين يرونها طريقة «مهمة» لإيجاد الشريك المناسب.

آلاف المواقع والتطبيقات تعكس طلبًا متزايدًا

بدأت مواقع التعارف في الانتشار مع ظهور موقع «Tinder»، والنجاح والشعبية الكبيرة التي حققها هذا الموقع؛ ونتيجة هذا الانتشار الكبير بدأت مواقع وتطبيقات أخرى في الظهور على الساحة، بتنفيذ الفكرة نفسها مع تعديلات بسيطة مثل موقع «eHarmony»، وموقع «match.com»، وغيرهما من آلاف المواقع والتطبيقات التي حققت شهرة وشعبية واسعة. لا شك أن كل هذه المواقع والتطبيقات تعكس طلبًا كبيرًا من الناس تجاه هذه الطريقة الجديدة للتعارف، ولكن ما الذي يجذب الناس نحو هذه الطريقة الجديدة؟

Embed from Getty Images

بالتأكيد سيكون هناك أسباب كثيرة تدفع الناس إلى سلوك هذه الطريق في سبيل التعرف إلى شريك محتمل؛ فبعض الناس يفضلون العزلة دائمًا، وهذا يعني تفاعلات اجتماعية أقل، وفرصًا أقل للتعرف إلى أشخاص جدد، والبعض الآخر لا يتمتعون بالمهارات الاجتماعية الكافية لكسب الصداقات والعلاقات بالطرق التقليدية. مع هذه الأسباب والكثير غيرها، يمكننا القول إن الوقت هو العامل الأهم في حسم اختيار الناس للمواقع والتطبيقات الإلكترونية.

 

طريقة عمل مواقع وتطبيقات المواعدة الإلكترونية بسيطة للغاية: يكون هناك حساب شخصي لكل شخص مرفق بتعريف بسيط ومجموعة من الصور، سيكون على بقية المستخدمين فقط تصفح حسابات المستخدمين الآخرين بناءً على الهوية الجنسية، والاهتمام، والتوجهات الجنسية التي يتم تحديدها أثناء إنشاء الحساب. توفر هذه الفكرة الكثير من الوقت الذي يجب على الشخص قضاءه في صناعة العلاقات الاجتماعية في دوائر العمل أو الدراسة.

تطبيقات المواعدة.. حلول مبتكرة لمشاكل راسخة

في الولايات المتحدة الأمريكية، قال 15% من المواطنين المتزوجين، أو المنخرطين في علاقات جديّة طويلة الأمد، إنهم قد بدؤوا علاقاتهم من خلال تطبيق مواعدة. هذه الإحصائية أجريت في 2016، ومن المؤكد أن نسبة هؤلاء الذين أقدموا على الدخول في علاقات جدية عبر تطبيق إلكتروني قد ارتفعت، مع زيادة انتشار تطبيقات المواعدة ومواقعها.

في المقابل، وجد استطلاع أُجري على الأشخاص العُزَّاب في الولايات المتحدة الأمريكية، أن 40% من الأشخاص غير المنخرطين في العلاقات قد التقوا بشخص ما عبر تطبيقات المواعدة، ثم انخرطوا في علاقة بعد ذلك. كانت نسبة الأشخاص الذين قابلوا شخصًا ما عن طريق الحانة 6% فقط، في حين قابل 24% من الأشخاص شركاءً عن طريق الأصدقاء المشتركين؛ ما يثبت أن تطبيقات المواعدة أصبحت الطريقة الأكثر شيوعًا لتكوين العلاقات في الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

رغم نجاح تطبيقات المواعدة في المجتمع الأمريكي، ظهرت بعض الانتقادات التي كان منها أن هذه التطبيقات يمكن أن يستخدمها استخدامًا فعَّالًا الأشخاص الباحثون عن العلاقات المؤقتة أو اللقاءات الجنسية العابرة، إلا أن دراسة نشرت العام الماضي اقترحت أن الأشخاص الذين يتعرفون إلى بعضهم من خلال أحد تطبيقات أو مواقع المواعدة هم الأقل عرضة لأن تنتهي علاقاتهم في عامها الأول.

 

شكلت تطبيقات ومواقع المواعدة الإلكترونية فرصًا بالنسبة للكثير من الأشخاص الذين يجدون صعوبات في تكوين العلاقات بالطرق التقليدية؛ فكانت الخيار المثالي بالنسبة لكبار السن، وغير القادرين على الخروج والانتظار في الأماكن العامة لقضاء الوقت، ولقاء أشخاص جدد. كذلك كانت تطبيقات المواعدة الحل البديل الناجح بالنسبة للأشخاص الانطوائيين، والأشخاص غير المهتمين بالتواصل الجنسي، أو أصحاب الخيارات غير التقليدية في إقامة العلاقات العاطفية أو الجنسية. لا يجب أن ننسى هنا أيضًا تغلّب هذه التطبيقات على هاجس الخوف من الرفض، فكل مستخدم لا يتلقى أي إشعار إلا في حالة وجود تقارب أو توافق مبدئي مع مستخدمين آخرين.

سأم الحصول على موعد.. التوقعات المرتفعة تسبب الكثير من اليأس

يبدأ مستخدمو تطبيقات المواعدة ومواقعها دائمًا بتوقعات عالية للغاية، فطبقًا للدراسات المتاحة بشأن سيطرة هذه التطبيقات والمواقع على وسائل تكوين العلاقات، يعتقد الناس أن الأمر سيكون غاية في السهولة، فقط تقوم ببناء حساب شخصي مع مجموعة من الصور الرائعة، وتحصل على موعد غرامي فورًا. حسنًا، الأمور للأسف لا تسير بهذه الطريقة؛ لأنه سيكون عليك أن تقوم بالكثير من الجهد من أجل الحصول على موعد حقيقي.

اعتمدت الدعاية التي تقوم بها هذه التطبيقات والمواقع لنفسها على نظرية بسيطة، تشكل حاجة أساسية لدى الناس: «سوف تحصل على موعد غرامي بسهولة، الكثير من الأشخاص بانتظارك»، ومن الناحية النظرية يبدو أن هذه الدعاية ليست بعيدة عن الحقيقة؛ فمن بين ملايين المستخدمين وربما الآلاف من مدينتك لا يجدر بالأمر أن يكون صعبًا من أجل الخروج في موعد. أوضحت الحكايات التي يرويها المستخدمون أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة؛ فسيكون عليك أن تستمر في تصفح مئات وربما الآلاف من الصور من أجل الحصول على مجموعة من المفضلات، وستكون مضطرًا لإرسال العشرات أو ربما المئات من الرسائل لكي تحصل على مجموعة من الردود، والتي بدورها ستحمل فرصتك، التي نلتها بعد عناء، للحصول على موعد رفقة أحدهم.

Embed from Getty Images

هذه التجارب تثبت أن الطريقة الأسهل والأسرع للحصول على موعد غرامي تبين أنها طريقة تتطلب الكثير من الجهد والعناء، الذي لن يؤدي بالضرورة إلى حصولك على موعد مع أحدهم في النهاية. رغم كل هذه الأماني التي يدخل بها الشخص إلى أحد هذه التطبيقات والمواقع، إلا أنّ الجهد والوقت والانتباه الذي تتطلبه هذه التطبيقات قد تصيب المستخدمين بالسأم والضيق واليأس منها جميعًا.

الكثير والكثير من الخيارات

هذه الصعوبات التي يواجهها المستخدم للحصول على موعد، تتركه أمام حيرة كبيرة بين خيار اليأس من التطبيق أو الموقع، وإنهاء الأمر إنهاء كاملًا ومسح التطبيق وعدم استخدامه مرة أخرى، أو الاستمرار في المحاولة على أمل النجاح في الحصول على موعد مناسب في المرات القادمة، وكلا الخيارين ليس جيدًا بالنسبة للمستخدم بسبب توقعاته المبالغ فيها قبل الإقبال على استخدام هذه التطبيقات والمواقع.

 

تعتقد مويرا ويجل (Moira Weigel)، المؤرخة ومؤلفة كتاب «Labor of Love»، أن المواعدة دائمًا ما كانت أمرًا صعبًا على مر العصور، لكنها تضيف أن الطرق العصرية المعتمدة على التطبيقات والمواقع الإلكترونية قد نقلت الجهد والمشقة المصاحبة لعملية المواعدة إلى منطقة جديدة فقط. كانت الصعوبة في عملية المواعدة، بحسب مويرا، في الجهد الذي يبذله الأشخاص في التفاعل مع الشركاء، بينما المشقّة التي تنطوي عليها عملية المواعدة الآن تتمثل في عملية الاختيار وعملية التقديم الشخصي.

Embed from Getty Images

يعتقد الناس أنهم عندما يكونون أمام خيارات كثيرة، فإن فرصة الحصول على موعد مثالي تكون أكبر، لكن الحقيقة تشهد بأن المعاناة تزداد عندما يكون الأشخاص أمام خيارات أكثر من قدرة العقل أن يعالجها. إنك عندما تكون بإزاء مئات الحسابات الشخصية المليئة بالصور، فإن الأمر يبدو جيدًا، لكن الأمر سيئ في الحقيقة؛ فعندما يواجه البشر الكثير من الخيارات فإنهم يتجمدون تمامًا أمامها. لعلك تدرك هذه المعضلة التي تسمى «معضلة الاختيار» عندما تتذكر صعوبة خيارك لصنف معين من الطعام بين 50 صنفًا في القائمة. تذكر أنك أخذت وقتًا طويلًا للغاية من أجل الاستقرار على صنف معين، وكنت أقل رضا عن الاختيار الذي اتخذته بسبب الخيارات الجيدة الكثيرة الأخرى.

 

المعاناة نفسها تحدث عندما تكون بصدد الاختيار بين العديد من الصور لأشخاص على قدر كبير من الجمال؛ خاصة مع اعتبار تقييم الجمال عملية معيارية معقدة، يصعب على الإنسان فيها تفضيل شخص أو شيء تفضيلًا مطلقًا على بقية الأشياء والأشخاص. تثبت هذه الحقيقة دراسة نشرت عام 2016 تقول إن 49% من مستخدمي تطبيق مواعدة معين (لم يذكر اسمه) الذين يراسلون شخصًا مطابقًا بحسب التطبيق لا يحصلون على رد أبدًا.

تطبيقات مواعدة تناسب الثقافة العربية

لم يكن العرب في حالة عزلة عن العالم فيما يخص موضة التطبيقات والمواقع الخاصة بالمواعدة، فبالإضافة للنسخ المتاحة من مواقع وتطبيقات المواعدة العالمية، هناك مواقع وتطبيقات كثيرة أنشئت خصيصًا بحيث تكون موجهة للمسلمين والعرب في العالم. أُطلق موقع «IslamicMarriage» عام 2008 وقدّم خدماته لنحو ربع مليون مسلم في الدول الإسلامية والعربية في العالم، بينما موقع «اتعرف» سجل انطلاقته متأخرًا نسبيًّا عام 2013 كأحد أهم المنصات الخاصة بالمجتمعات العربية، بحسب سيدريك معلوف، المؤسس المشارك للموقع، والذي برّر ظهور موقعه بندرة العرض المناسب من هذه التطبيقات للمنطقة العربية بعاداتها وتقاليدها الفريدة.

Embed from Getty Images

بالنسبة للتطبيقات، كان هناك حضور جيد وخيارات متعددة أمام الجمهور العربي للتعارف عبر الإنترنت، أحد أهم هذه التطبيقات هو تطبيق «BuzzArab» الذي يزيد عدد مستخدميه عن 120 ألف مستخدم من مختلف الدول العربية والجاليات العربية في الولايات المتحدة وأوروبا. هناك تطبيقات أخرى سجلت حضورًا جيدًا، مثل التطبيق الذي أطلقه موقع «Et3arraf»، وتطبيق «Salamz» الذي أسسه رائد الأعمال الماليزي همام الغنامي عام 2014، بالإضافة للعديد من التطبيقات الأخرى.

العرب وتطبيقات المواعدة.. أعين الشرطة تراقبك

تواجه تطبيقات ومواقع المواعدة في الوطن العربي التحديات نفسها التي تواجهها في أوروبا والولايات المتحدة، ويضاف إلى هذه التحديات الوصمات الاجتماعية لفكرة المواعدة في ذاتها واستبدالها بفكرة التعارف من أجل الزواج، أو إقامة علاقات لا تخالف الشرائع والقوانين في الدول العربية. هذه القوانين استخدم بعضها عبر تطبيقات المواعدة للإيقاع بالمستخدمين وتوجيه تهم «ممارسة الرذيلة» وغيرها من التهم المثيلة، في بعض البلدان العربية، بإيداع المتهمين السجن.

Embed from Getty Images
استخدام أجهزة الأمن العربية لفخ تطبيقات ومواقع المواعدة رصده تقرير مفصل لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، التي ذكرت في التقرير مراقبة أجهزة الأمن في مصر لهذه التطبيقات، واستخدامها في بعض الأحيان للإيقاع بالرجال المثليين والنساء متحولات النوع الاجتماعي، وذكر التقرير نقلًا عن إحدى المنظمات أنه من بين 274 تحقيقًا ضد أفراد من مجتمع «الميم» بتهمة «الفجور»، وتهم أخرى في السياق نفسه بين أواخر عام 2013 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قد استخدمت قوات الأمن والتحقيق وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة في 66 حالة منها.

في المقابل رصدت تقارير أخرى أرقامًا أكبر لعدد الحالات من الأفراد المثليين الذين ألقت قوات الأمن المصرية القبض عليهم من خلال تطبيقات المواعدة، وقد أثارت هذه الأحداث ردود فعل رسمية من قبل بعض هذه التطبيقات، مثل تطبيق «Grinder» الذي بث رسائل تحذير لكل مستخدميه في مصر من إظهار هويتهم بسبب ملاحقة ومراقبة أجهزة الأمن للتطبيق. وأعلن التطبيق أيضًا عن تنفيذ خطوات تتمثل في إخفاء البيانات الجغرافية الخاصة بالمستخدمين في بعض الدول التي تشهد عداءً من قبل المؤسسات الرسمية تجاه المثليين، وكان من بين هذه الدول روسيا، ومصر، والسعودية، والسودان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد