ميرفت عوف 17
ميرفت عوف 17

يجول شابٌ منمَّق أنيق يعمل بكازينو «بيسين عاليه» بنَظَرهِ باحثًا في وجوه الزبائن القلائل عن سائحٍ خليجيٍّ، يقدم له «لقمةً طيبة» أو «البوظة العربية» أو «النرجيلة»، لكنَّه يدرك أن مدينة «عاليه» التي تلقب بـ«عروس المصايف» كغيرها من المناطق اللبنانية تعاني من غياب السائح الخليجي الذي كان يصرف طيلة شهرٍ كاملٍ على الأقل أموالًا بسخاء لتلبية مطالبه الفخمة.

فرغم جهود استقطاب السيَّاح إلى لبنان، لا تُلغَى القناعة اللبنانية بأنَّه لا عوض عن السائح الخليجي ولا سيَّما السعودي، لذلك كانوا الأكثر استبشارًا بحديث ساسة من كلا الطرفين اللبناني والسعودي عن قرب عودة السُيَّاح الخليجيين إلى لبنان، وذلك بالتزامن مع اجتهاد المملكة السعودية في استقطاب أموال مواطنيها نحو السياحة الداخلية، ضمن خططها الأخيرة للاعتماد على مصادر غير نفطية.

مالطا وأخواتها.. كيف أصبحت اليوم الجزر التي نُفي إليها المعارضون بالأمس؟

غياب السيّاح الخليجيين يُدمِّر لبنان

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، طالبت السعودية مواطنيها بمغادرة لبنان في أقرب فرصة أمامهم، وكذلك دعت الكويت مواطنيها إلى مغادرة «بلاد الأرز» فورًا، فيما كان نداء وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية هو الثاني الداعي إلى ضرورة الالتزام الكامل بعدم السفر إلى لبنان من الإمارات أو من أي وجهةٍ أخرى.

سياح في مقهى ببيروت (المصدر: موقع وطن)

تلك القرارات التي جاءت على خلفية أزمة استقالة رئيس الحكومة اللبنانية «سعد الحريري»، في الرابع من نوفمبر 2017، لم تكن الأولى، إذ إن الإمارات ودول خليجية أخرى أصدرت قرارًا في يناير (كانون الثاني) عام 2016 حظرت فيه رسميًّا سفر رعاياها إلى لبنان، وذلك حين امتنعت بيروت عن التصويت على بيان عربي يدين الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، كما أعلنت السعودية حينها وقف مساعداتها للجيش اللبناني التي تقدر بـ3 مليارات دولار.

في المجمل، هذه القرارات السياسية زادت من تدهور أوضاع السياحة اللبنانية التي بدأت منذ 2010 بدعواتٍ مستمرَّة للامتناع من دول الخليج عن زيارة لبنان، بسبب الموقف السعودي الرافض لتدخُّل «حزب الله اللبناني» في الحرب السورية، وبشكلٍ عام تراجع عدد السياح الخليجيين إلى لبنان بعد عام 2011 بعد اندلاع الأزمة السورية، فقد فرضت قيودًا على شركات الطيران، وحظرت دول التعاون الخليجي على رعاياها السفر إلى لبنان، كما تسبب إقفال الطريق البرية بخسارة لبنان نحو 50% من مجمل السياح الذين كانوا يتدفَّقون إلى ربوعه قبل الحرب السورية، ففي رصدٍ لواقع السياحة الخليجية في لبنان يتَّضح أن لبنان كان يعتمد بشكلٍ عام على الدول الخليجية، وبشكلٍ خاص على السعودية، وقد بدأ هذا التراجع تدريجيًّا حتى ظهر أثره الكبير في لبنان، وبالعودة إلى ما قبل التراجع تظهر الأرقام أن السياحة انتعشت بفضل السياح الخليجيين في لبنان عام 2010 لمستوى غير مسبوق، حين سجّل دخول نحو 1.5 مليون زائر إلى لبنان.

فحسب أرقام وزارة السياحة اللبنانية: «انخفض عدد السيّاح في 2011 إلى 1.1 مليون زائر، وصولًا إلى 891 ألفًا في 2013. فيما سُجّل التحسّن الأوّل في عام 2014 مع ارتفاع عدد السيّاح بنسبة 0.68%، ودخول نحو 897 ألفًا بحلول شهر أغسطس (آب)، في حين انخفض الإنفاق السياحي بنسبة 6%»، فقد واصل الخليجيون بيع أملاكهم في لبنان، بعد أن كانت تصل نسبة تملُّكهم عقارات المناطق الجبلية إلى 70%، و34% في وسط بيروت؛ كما تدنَّت نسبة تشغيل الفنادق، وتدهورت أوضاع المطاعم والمقاهي ومجمل القطاعات السياحية.

دبي الرابعة عالميًا.. تعرَّف على ترتيب المدن الأكثر شعبية وجذبًا للسياحة 2017

خسائر جمَّة في قطاع السياحة اللبناني

قبل أن ينفض القطاع السياحي اللبناني عن نفسه آثار المقاطعة الخليجية الأولى غير المعلنة إثر الأزمة السورية، تسببت المقاطعة في الأعوام الأخيرة في المزيد من الخسائر لهذا القطاع، فكانت خسائر القطاع السياحي أبرز انعكاسات الأزمة السياسية– الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ 2011.

مطار الحريري (المصدر: موقع جنوبية)

وتظهر الأرقام التي صدرت في يناير عام 2017، أنه بسبب الأوضاع السياسة في لبنان والتي غيرت وجهة السياح الخليجيين عمومًا والسعوديين خصوصًا، وصلت خسائر السياحة اللبنانية إلى نحو 5 بلايين دولار، فمع تطبيق المقاطعة خسرت السياحة اللبنانية أكثر من 60% من حركتها، وصولًا إلى نحو 80% ببعض المناطق والفنادق، وفق المواسم والأعياد والمهرجانات.

يقول أمين سر مجلس العمل والاستثمار اللبناني «ربيع الأمين»: إنّ السياحة «تشكل 25% من الاقتصاد اللبناني، إذ بلغ دخل السياحة قبل الأزمة 9 بلايين دولار، ووصلت الخسائر في ما بعد إلى 5 بلايين دولار منذ 2011، وإذا استمر الحال على ما هو عليه فستتجاوز الخسائر حدود الثلاثين بليون دولار في السنوات المقبلة»، ويبين في حوار لصحيفة «الحياة» اللندنية أنّ: «عدد السياح السعوديين في لبنان بلغ 200 ألف سائح في 2010، ليتدنَّى في ما بعد إلى 40 ألفًا، والعدد الحقيقي للسياح قبل 2010 كان حوالي 350 ألف سائح سعودي».

وعلى أثر ذلك انخفض بالطبع الإنفاق المالي للسياح من 9 مليارات دولار إلى 3 مليارات دولار ونصف، إذ كان يصرف السياح الخليجيون حوالي 4- 5 مليارات دولار من سياحتهم في لبنان، ويتوقَّع خبراء السياحة في حال عودة السياح السعوديين أن تصل قوة إنفاقهم إلى 7 مليارات سنة 2018، وإلى 10 مليارات سنة 2019، وتنقسم الخسائر الاقتصادية لقطاع السياحة إلى مباشرة وغير مباشرة، فالمباشرة خاصة بالمؤسسات السياحية، وغير المباشرة تتعلق بالظروف السياسية وانخفاض أسعار النفط عالميًّا.

مقهى في بيروت (المصدر: موقع المدن)

يقول رئيس اتحاد نقابات أصحاب الفنادق في لبنان، بيار الأشقر عن العام السياحي الأخير 2017: «حجوزات الفنادق شهدت تحسنًا، نظرًا إلى قدوم أعداد كبيرة من الوافدين إلى لبنان، لكن لم نشهد إقاماتٍ طويلة في الفنادق. فمتوسِّط الإقامة ثلاثة أيام، في حين أنَّ متوسِّط الإقامة لدى الخليجيين كان 10 أيام، وإنفاق الخليجيين أضعاف ما ينفقه العراقيون والمصريون وغيرهم»، ويضيف أنّ مردّ هذا الوضع إلى «ارتباط السياحة بالسياسة، فالخطابات الأخيرة ضد السعودية ودول الخليج لا تُطمئن».

هل فكرت في عُمان وجهةً لعطلتك الصيفية؟ 4 مؤشرات عالمية تنصحك بها

هل تعود السياحة الخليجية كما وعد الحريري؟

يتَّهم المعنيُّون بالقطاع السياحي اللبناني الحكومة اللبنانية بالتقاعس الواضح لعدم أخذها موقفًا حاسمًا تجاه ما يسمونه بالحملات المسيئة للعلاقة مع السعودية، والتي أدَّت إلى انعكاسات سلبية على مسار الوضع السياسي، ومن ثم السياحي في لبنان.

ويرى هؤلاء أنَّ الحكومة اللبنانية اتبعت سياسات خاطئة في المؤتمرات العربية؛ مما دفع دول الخليج نحو تحذير رعاياها من القدوم إلى لبنان، كما ساهم تعطُّل المؤسسات الدستورية، وغياب رئيس الجمهورية في فترةٍ معيَّنة، بتجمد النشاط السياسي في لبنان.

لكن في اليوم الأخير من مارس (آذار) الماضي، قال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري: «سترون قريبًا أن عددًا من الدول الخليجية سترفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، ما سيساهم في تعزيز السياحة في بلدنا، وبالتالي تدعيم الاقتصاد ككلّ». كما سبقه القائم بالأعمال السعودي وليد البخاري بيومٍ واحد حين قال: «هناك دراسة لرفع التحذير السعودي عن زيارة لبنان، وأن هذا الأمر يعتمد على المؤشرات الأمنية التي نتلقاها من الحكومة اللبنانية»، وتؤكد هذه التصريحات أن العلاقات السعودية اللبنانية تخطو نحو العودة إلى طبيعتها، على اعتبار أن المسار السعودي الجديد معني بفتح صفحة جديدة في العلاقات مع لبنان.

Embed from Getty Images

الملك السعودي ورئيس الوزراء اللبناني.

وبالنظر إلى أرقام الإنفاق السياحي في 2017 الذي شهد تحسُّنًا غير مسبوق منذ سبع سنوات يتضح أن هناك ارتفاع بنسبة 6% بسبب عودة أعداد من السيّاح الخليجيين، وإن لم تصل هذه الأعداد إلى المستويات الأعلى المسجّلة سابقًا، فبحسب الأرقام الصادرة عن المؤسسة المالية «جلوبال بلو»: «استحوذ السعوديون على نسبة 15% من الإنفاق السياحي في النصف الأوّل من هذا العام، يليهم الإماراتيون بنسبة 12%، والكويتيون بنسبة 7%، واستحوذ السيّاح الأوروبيون على 5% من إجمالي الإنفاق السياحي، يليهم الأمريكيون بنسبة 4%».

وقد وصف معنيون بقطاع السياحي هذه العودة بـ«مقبولة ولكن خجولة»، ونقل عن رئيس اتحاد المؤسسات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق «بيار الأشقر» قوله إنَّ: «الوضع الاقتصادي في لبنان لن يستقيم من دون دول الخليج وتحديدًا السعودية، التي يشكِّل مواطنوها العمود الفقري لقطاع السياحة اللبناني، في ظلّ الأعداد الكبيرة للعائلات والقوة الشرائية الكبيرة التي تتمتَّع بها»، وتابع القول لموقع «العربية نت»: «لن يتجاوز عدد السياح الخليجيين خلال هذه السنة حاجز 75 ألفًا، في حين كان العدد يصل إلى 150 ألفًا في السنوات السابقة».

السعودية تريد أموال مواطنيها في «السياحة الداخلية»

تظهر آخر الأرقام أن قيمة إنفاق السعوديين على السياحة الخارجية بلغت نحو 98.8 مليار ريال عام 2016 مقارنة بـ84 مليار ريال عام 2015، أي أنها سجَّلت ارتفاعًا 17% لتمثل أعلى نسبة زيادة خلال ثلاثة أعوام، وهي قيمة تعادل نحو 12% من إجمالي الإنفاق الحكومي في 2016 البالغ قيمته نحو 830.5 مليار ريال.

مدائن الصالح في السعودية (المصدر :مجلة سيدتي)

هذه الأرقام نبَّهت الحكومة السعودية مؤخرًا لأهمية الاستفادة من أموال السياحة الخارجية باستقطابها نحو الداخل، خاصّةً أنّ «رؤية 2030» تهدف إلى زيادة الإيرادات غير النفطية في موازنة الدولة، ولذلك تسعى السعودية التي يقصدها سنويًّا نحو 19 مليون زائر للأماكن المقدسة في الغالب، لإنشاء مناطق جذب سياحي لإعادة توجيه جزء كبير من إنفاق السعوديين للداخل، ولتشجيع السعوديين الذين اعتادوا امتطاء أول طائرة مع حلول الإجازة الصيفية إلى أوروبا وأمريكا ومصر ولبنان والمغرب على قضاء أوقاتهم في الداخل، وبذلك تضاف أموال هؤلاء إلى أموال المعتمرين والحجاج المسؤولين عن 41% من إجمالي إنفاق السائحين.

وتهدف الحكومة السعودية الآن إلى رفع نسبة مساهمة القطاع السياحي في الناتج الإجمالي المحلي إلى 3.1% بحلول 2020، ولذلك تقوم على عدة مشاريع سياحية من أهمها «مشروع البحر الأحمر»، وتعمل على بناء أكبر مدينة ترفيهية رياضية تقع في منطقة القِدِيّة جنوب غرب العاصمة الرياض اسمها «مشروع القدية»، قالت مصادر سعودية إنها ستكون الأولى من نوعها في العالم، كما تعمل السعودية على تشييد 241 متحفًا، وتهيئة 155 موقعًا أثريًّا للزوار، ورفع عدد المواقع الأثرية المسجلة في اليونسكو إلى الضعف على الأقل، وتسير التحرُّكات السعودية تجاه قطاع الفعاليات والمهرجانات والاحتفالات الثقافية، والفعاليات الرياضية، والنشاطات الترفيهية لدعم السياحة الداخلية.

أسرة سعودية (المصدر: مجلة سيدتي)

وتعمل دول مجلس التعاون الخليجي بشكلٍ عام على تعزيز الجهود من أجل استقطاب السيَّاح إلى أراضيها، إذ دفع تأثُّر السوق بانخفاض أسعار النفط، دول مجلس التعاون الخليجي للسعي نحو ترويج معالمها السياحية الشهيرة عالميًّا، واستقطاب السيَّاح من كافة أنحاء العالم بحثًا عن أسواق جديدة، وتركِّز هذه الدول على سيَّاح الهند والصين، فحسب تقرير «كولييزر انتوناشيونال» الصادر ضمن فعاليات سوق السفر العربي عام 2017 فإنه: «يخرج من الصين 122 مليون سائح بالمتوسط سنويًّا، ومن الهند 22 مليون سائح، وتعتبر أسواق رئيسية للمنطقة، وقد أنفق هؤلاء المسافرون 252 مليار دولار و15.4 مليار دولار سنويًّا على التوالي في عام 2015. ويبلغ معدَّل نمو الحركة السياحية الخارجية في الصين حاليًّا 6.7 % سنويًّا؛ بينما تتمتع الهند بمعدل نمو سنوي يبلغ 7% في المتوسط».