يمكنك أن تلاحظ بسهولة ميل الآباء للابن المطيع المتفوق، الذي يسير على القواعد التي وضعت في المنزل، بينما يشعر الابن المتمرد عادة بأنه منبوذ، فالأب والأم أحيانًا يزيد حبهما للابن الذي يجعلهما فخورين به أمام الآخرين، بينما قد يشعران بشيء من العار تجاه الابن الآخر المتمرد، والذي بدوره يؤثر سلبًا في مشاعر الحب تجاهه، ولكن التفضيلات العاطفية لدى الآباء لا تتوقف عند تصرفات الأبناء واختياراتهم في الحياة فقط، وإنما في بعض الأحيان تتأثر وفقًا لشكل الأبناء.

علوم

منذ سنتين
هل الشكل مهم؟ هكذا تتغير تصرفاتنا وفقًا لمظهر الآخرين

«القرد في عين أمه؛ غزال»، واحد من الأمثلة المستعملة بكثرة عند العرب، وهو مثل يعكس الصورة الذهنية المعتادة عن حب الآباء لأبنائهم بشكل غير مشروط، والتي – في أذهان معظم الناس- لا يشوبها شك أو شائبة، ولكن على أرض الواقع، وخلف الأبواب المغلقة، هناك قصص وتجارب تخبرك بأن شكل الطفل أحيانًا يؤثر بالسلب أو بالإيجاب في مشاعر بعض الآباء، فيكون الحب مشروطًا.

حين لا تشبه البنت أمها

منذ طفولتها – تخبر مروة (اسم مستعار)  35 سنة «ساسة بوست» – كانت أسرتها عبارة عن فريقين، هي والأب في فريق، والأم والأخ في فريق آخر، ومن أهم الأسباب التي جعلت الأسرة في هذا الوضع، هي أن مروة تشبه أباها، بينما أخوها «نسخة» من أمها، ليس في الشكل فقط، بل في الطباع أيضًا، بحسبها.

«كان هناك دائمًا حاجز نفسي بيني وبين أمي» تخبرنا مروة، وتؤكد أن الأم كانت تظهر الكثير من الحنان للأخ، بينما تكاد تتجنب التلامس معها أو حتى احتضانها، توضح مروة أن لهذا تاريخًا طويلًا سيئًا ليس لها ذنب فيه. فهي – مروة – تشبه عمتها «طبق الأصل»، بينما الأم والعمة على خلافات كبيرة من قبل الزواج، لأنهما كانتا جيرانًا منذ الصغر، وكانت الأم تكره العمة، بحسب رواية مروة، وعندما جاءت لها ابنة وحيدة تشبه تلك العمة، شعرت وكأن تلك الابنة لا تنتمي لها، بحسب رؤية مروة، توضح مروة أنها تفهم سبب مشاعر أمها السلبية تجاهها، ولكنها أيضًا لا تستطيع أن تتخلص من الآثار السلبية التي نشأت بها، وهي تشعر بأنها لم تكن محبوبة من أمها، والتي لم تقل لها في يوم «انتي زي القمر» أو تمدح شكلها، بينما كانت على العكس دائمًا ما تكرر جملة «شبهك أنتِ وأهلك»، وكأن الابنة تنتمي إلى عائلة الأب، وليس لها انتماء للأم.

«ألستِ جميلة.. ألستِ جميلة مثل أمك»؛ تلك الجملة هي مثال بسيط على طريقة تفكير الأم أو الأب النرجسيين في علم النفس، وهي الحالة التي  ترى مروة بحسب روايتها أنها عاشت شبيهتها، سواء كان الأب أو الأم، فالوالد النرجسي يريد لطفله أن يكون شبهه تمامًا.

في هذه الحالة لن يهتم الوالد إذا كان الطفل وسيمًا أم لا، حتى وإن كان الطفل أوسم منه، لن يهمه هذا الأمر طالما الطفل لا يشبهه، وهذا لأن الأب أو الأم النرجسية لا ترى طفلها كائنًا مستقلًّا له عواطف ومشاعر منفصلة عنها، هي تراه وكأنه امتداد شخصي لها هي، وكأنه جزء منها، فإذا فشل الطفل في تحقيق أول هدف بعد ولادته ليرضي نرجسيتها بأن يكون يشبهها في الملامح؛ تولد المشاعر السلبية داخل الأم وتبدأ سلسلة من إساءة المعاملة لهذا الطفل دون وعي منها.

تلك الأزمة قد تواجهها أي أم في أي مكان، وقد شاركت الأم الأمريكية ليان شوتك، عبر أحد المواقع التي تهتم بشؤون الأسرة والطفل، تجربتها مع ابنتها في مقال عنوانه «ابنتي لا تشبهني»، موضحة في المقال أنها طوال فترة حملها ظلت تتخيل طفلتها التي ستكون نسخة منها، الملامح نفسها ولون العيون والشعر، كما كانت هي تشبه أمها.

ولكن أثناء عملية الولادة الطبيعية، عندما ناولوها ابنتها شعرت «بالصدمة»، وكادت تقسم أنها ليست ابنتها لولا أنها رأتها حرفيًّا وهي تخرج من جسدها، وهذا جعل لحظات أمومتها الأولى محبطة وغير ما توقعت، وبعد مرور سنوات مع ابنتها أحيانًا تشعر بالغربة تجاه ملامح ابنتها، وتتمنى لو كانت ابنتها تشبهها.

الأزمة التي تواجه الوالد النرجسي، هي أنه يريد لطفله عادة أن يكبر ويحقق كل ما فشل هو فيه، ولذلك أثناء نجاح هذا الطفل هو يريد للطفل أن يكون نسخة منه؛ حتى يتحقق هذا الهدف بداخله، ولكن إذا كان الطفل لا يشبهه من الأساس، فهذا يعد تحطيمًا لأحلامه التي بناها خلال تسعة أشهر فترة الحمل. والسؤال هُنا: هل فعلًا يتأثر حب الآباء سلبًا إذا لم يشبههم الطفل؟ والإجابة هي نعم، إذا كان الوالد أو الوالدة نرجسيين بحسب علم النفس، ولكن إذا كان الوالد على درجة كافية من النضج النفسي، فسيحب ابنه حتى وإن لم يشبهه.

على اليمين صورة لنورين الطفلة الثانية، وعلى شمال الصورة؛ ريهام مع ابنتها الأولى فرح

على الجانب الآخر تخبرنا ريهام سعيد، والتي خاضت التجربتين، في زيجتها الأولى كان سنها صغيرًا للغاية، وجاءت ابنتها فرح وهي في سن العشرين عامًا ومطلقة من زوجها، وكانت فرح تشبهها كثيرًا، ولكن في ذاك الوقت – توضح ريهام – لم تكن هي مستعدة لأن تكون أمًّا.

ووالدتها – جدة الطفلة – هي من ربت فرح، ولذلك لم يحدث ترابط الأم وابنتها بينها وبين فرح، الأمر الذي جاء مخالفًا تمامًا مع طفلتها الأخرى من زيجتها الثانية، والتي لا تشبهها بالمرة، ومع ذلك شعرت بترابط كبير بينها وبين نورين – ابنتها التي لا تشبهها – وذلك لأنها عاشت معها طوال الوقت، على عكس فرح التي تركتها مع جدتها وسافرت للعمل خارج البلد، ولذلك تقول ريهام: «الترابط أهم من شكل الطفل».

يؤكد محمود جاويش الطبيب النفسي المصري لـ«ساسة بوست» أن شكل الطفل يعد عاملًا مهمًّا وفعَّالًا في تكوين مشاعر الآباء تجاهه، وإذا ما كان الطفل يشبههم أم لا، هي واحدة من العوامل المهمة، ولكن أيضًا – يوضح – من الصعب تحديد مشاعر الآباء على عامل واحد فقط، والشخص الذي يحدد مشاعره تجاه أبنائه بناءً على التشابه بين ملامحهما فقط؛ فهو يعاني من اضطراب ما في شخصيته، أما الشخص الذي يتأثر بنسبة طفيفة بسبب أن طفله لا يشبهه، هو إنسان طبيعي طالما لا يتصرف أو يؤذي طفله نفسيًّا لهذا السبب، وهو أمر خارج عن الإرادة لدى الآباء، حينما يشعرون بمشاعر حب زائدة تجاه الأطفال الذين يشبهونهم؛ فهذه مشاعر إنسانية تمامًا.

«أمي وأخواتي يتنمرن علي»

جنة أسامة هي الأخت الرابعة والأصغر مع ثلاث أخوات يعشن مع والدتهن بعد وفاة أبيهن، الأم والأخوات الثلاث يتمتعن بوزن مثالي وجسد رشيق وضئيل، بينما جنة – 17 عامًا- وزنها ممتلئ عن باقي أسرتها كاملة، وعلى الرغم من أنها الأصغر سنًّا فيما بينهن، فإنها «الأكبر» حجمًا وفقًا لوصفها.

تخبر جنة «ساسة بوست»: «كرهت الخروج أو شراء الملابس مع أسرتي»، موضحة أن أمها تقول لها بشكل صريح إنها «فخورة» بأخواتها لأنهن يحافظن على رشاقتهن، بينما هي تأكل ما يحلو لها ويزداد وزنها، وربما لا تكون جنة تعاني من السمنة، ولكنها مقارنة بأخواتها النحيفات فهي «تخينة» كما يقلن لها طوال الوقت، مشكلتها الأساسية لم تكن مع أخواتها، بل كانت مع والدتها التي شجعت هذا الأسلوب الذي يعاملنها به، وتؤكد: ««أمي وأخوتي يتنمرن علي».

الأم عادة ما ترى الابنة امتدادًا لها، ولذلك الأم الرشيقة لا تريد أن ترى ابنتها زائدة عن الوزن، فهذا يؤثر في مشاعرها بالسلب في بعض الأحيان تجاه الابنة، وقد تنهال عليها بالتعليقات السخيفة التي تجرح مشاعرها حتى تصل الفتاة للوزن المناسب لحب أمها لها.

يخبرنا علم النفس بأن الأم التي تنعت ابنتها بالـ«سمينة»، أو تعلق تعليقات سلبية على وزنها، هي تحطم يومًا بعد يوم ثقتها في نفسها دون أن تدري، وبالإضافة إلى ذلك فهي تعرضها لأن تكون زائدة عن الوزن باقي حياتها، ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة عام 2016، أكد القائمون عليها أن الفتاة التي تتعرض لتعليقات سلبية على وزنها الزائد من الوالدين في سن الطفولة، هي الأكثر عرضة للإصابة باضطرابات الأكل، وعادة ما يكون الأكل المبالغ فيه، بينما نسبة ضئيلة تمتنع عن الأكل بشكل مرضي.

«أبي وأمي عنصريان»

يخبرنا أحمد 33 سنة (اسم مستعار)؛ «أبي وأمي عنصريان»، ويحكي لـ«ساسة بوست» أنه ولد بين أخوة بشرتهم بيضاء وعيون زرقاء وشعر أصفر، بينما هو بشرته سمراء جدًّا ولا تتمتع ملامحه بنفس وسامة أخوته في نظر الوالدين – ولدان وبنت – ومنذ صغره وهو يشعر بأن والديه يفضلان إخوته عنه ويفضلان إظهارهم للـ«ضيوف» وفي المناسبات، ويهملانه وكأنه «عار» عليهما.

يوضح أحمد أن والديه تعليمهما بسيط، وعقلهما ليس متفتحًا، وشكل الطفل بالنسبة لهما هو كل شيء، ولأنه الأصغر، ولأنه المختلف، شعر طوال عمره بأنه منبوذ من والديه، اللذين يعاملان أخواته أفضل منه، حتى بعد زواجه، وبعد أن رزق بطفلتين يشبهونه، الجد والجدة مارسا مع أحفادهما ما فعلاه مع أبنائهما نفسه، فالجد عندما يأتي من الخارج يحضر الهدية الأقل والأرخص ثمنًا لبنات أحمد بحسب روايته، بينما يحضر الهدايا الغالية والقيمة لأحفاده الآخرين الأكثر وسامة.

في الواقع ما تعرض له أحمد، بحسب روايته، لا يبدو غريبًا على علم النفس، ففي دراسة أجريت عام 2005 أكد الطب النفسي من خلالها أن مشاعر الآباء تميل تجاه الطفل الأكثر وسامة بين أبنائهم، والدراسة التي أشرف عليها أستاذ علم النفس بجامعة كندا، أندرو هاريل؛ أكدت أن النسبة الأكبر من  الآباء يعلِّمون أطفالهم الأكثر جاذبية بشكل أفضل من أطفالهم الأقل جاذبية.

وترجع تلك الدراسة السبب إلى أن الآباء دون وعي منهم يظنون أن الاطفال الأكثر جاذبية احتمالية بقاء جيناتهم أكثر من الأطفال غير الجذابين، وكأنهم في لاوعيهم يظنون أنه لن ينجذب لهم أحد، وبالتالي لن يتكاثروا، وبغريزة البقاء البشرية، يظن الآباء أن مجهوداتهم يجب أن تذهب إلى الطفل الذي سيحمل جيناتهم للجيل القادم، كما يحدث في عالم الحيوان، حينما تهمل الأم ابنها المريض وتهتم بالابن الأكثر صحة، لأنه الأصلح لحمل جيناتها إلى العالم.

يؤكد محمود جاويش الطبيب النفسي المصري لـ«ساسة بوست»، أنه من المعروف بين أطباء النفس أنه عادة ما يكون الطفل الأقل وسامة بين أشقائه أكثر عرضة للأمراض النفسية والاضطرابات، وهذا يعود إلى فرق معاملة الآباء لهم، ولأن الآباء دون وعي منهم يمنحون الطفل الوسيم رعاية ومشاعر طيبة أكثر من الطفل الأقل وسامة، ويمتد الأمر أيضًا إلى الأطفال الذين يولدون بعيوب خلقية؛ فهذا لأنهم – يؤكد جاويش- يعانون من التمييز من جانب آبائهم في المعاملة، ولكن جاويش يوضح مرة أخرى أن الشكل هو أحد العوامل التي تحدد مشاعر الآباء تجاه أبنائهم، وهو عامل مهم لا يمكن تجاهله، ولكنه أيضًا ليس من العدل أن نظن أنه العامل الوحيد الذي على أساسه تتشكل مشاعر الآباء تجاه أبنائهم.

في النهاية ينصح جاويش جميع الآباء بأنهم يجب أن يكونوا الواحة التي يلجأ إليها الأبناء من التنمر الذي عادة ما يواجهونه في المجتمع، سواء بسبب لون بشرتهم، أو وزنهم، أو أي أسباب شكلية أخرى، ويجب ألا يكون الأب والأم المتنمرين على الأبناء، وينصح أي أب وأم يجد أن هناك حاجزًا نفسيًّا بينه وبين طفله بسبب الشكل، أن يتحدث مع طبيب نفسي مختص، فمهما كان يظن أن الطفل غير واعٍ ولن يدرك حقيقة مشاعره، فهذا ليس حقيقيًّا، والأطفال يشعرون بكل ما يشعر به الآباء تجاههم ويتأثرون به، بل يكوِّن شخصيتهم.

المصادر

تحميل المزيد