يقول مايكل شيرمر، الكاتب العلمي الأمريكي إن «دارون مهم لأن التطور مهم، التطور مهم لأن العلم مهم، العلم مهم لأن القصة المتفوقة لدهرنا، قصة ملحمية عن من نحن؟ ومن أين أتينا؟ وإلى أين نمضي؟».

نظرية التطور نظرية بسيطة، لكن أسيء فهمها كثيرًا، وتبعًا لكتاب «لماذا التطور حقيقة؟»، فإن نظرية التطور الحديثة يمكن تلخيصها في أن الحياة تطورت على الأرض تدريجيًّا من نوع واحد بدائي، ربما جزيء ناسخ لنفسه، عاش أكثر من 3.5 مليارات سنة مضت، ثم تفرع خلال الزمن، منتجًا أنواعًا متنوعة وكثيرة، وآلية معظم التغير التطوري – وليس كله – هي الانتخاب الطبيعي.

وقد وجد العلماء الكثير من الأدلة المتعلقة بالتطور البشري، وتأتي هذه الأدلة بعدة أشكال. فتمكنا آلاف الأحافير البشرية من دراسة التغيرات التي حدثت في المخ، والجسم، وأيضًا التغيرات الخاصة بالحركة، والنظام الغذائي، في حياة الأنواع البشرية المبكرة على مدى 6 ملايين عام سابقة.

الملايين من الأدوات الحجرية، والتماثيل، واللوحات، وآثار الأقدام تحكي عن آثار السلوك البشري، في حقبة ما قبل التاريخ، وعن الكيفية التي عاش بها البشر الأوائل، ومتى اختُرعت ابتكارات تكنولوجية معينة، كما تُظهر دراسة علم الوراثة ارتباطنا بالرئيسيات، وبجميع الكائنات الأخرى.

Embed from Getty Images

والتطور شيء يحدث طوال الوقت في جميع الأنواع على سطح الكوكب. وتعني كلمة التطور التغيير التراكمي، بينما يشير التطور البيولوجي إلى تغير «الأليلات» في المجموعة السكانية، والأليلات هي نسخ مختلفة من الجين نفسه، ويتغير توزيعها طوال الوقت، ويرجع ذلك لظهور طفرات جديدة في الشفرة الجينية، وينتقل بين المجموعات السكانية.

هل توقف التطور؟

الإجابة البسيطة هي لا، فنحن ما زلنا نتطور، بل بوتيرة أسرع مما قبل. في العشرة آلاف سنة الماضية، تسارعت وتيرة تطورنا، ما خلق الكثير من الطفرات في جيناتنا، وهناك بعض الدلائل على أننا ما زلنا نتطور، نذكر بعضها في السطور التالية.

1- أننا نشرب الألبان

يمكن أن نرى التطور من خلال شرب البشر للحليب تاريخيًّا، فقد توقف الجين المسئول عن تنظيم قدرتنا على هضم اللاكتوز، بعدما فطمنا عن حليب أمهاتنا. لكن عندما بدأ تدجين البقر، والماعز، أصبح الحليب مفيد من ناحية التغذوية، أما الأشخاص الذين لديهم طفرة جينية تسمح لهم بهضم اللاكتوز، فأصبحوا أكثر قدرة على نقل جيناتهم للأجيال اللاحقة.

بعض الناس يملكون جينات تمكنهم من هضم الحليب بشكل أفضل، وبالنسبة للبعض الآخر تتلاشى القدرة على هضم سكر اللاكتوز مع الزمن، ومع ذلك فبعض الناس وخاصةً الاوروبيين، لديهم القدرة على هضم الحليب حتى في الشيخوخة.

وقد تعرفنا إلى هذا الجين لأول مرة في عام 2002، عند مجموعة من سكان شمال أوروبا، الذين عاشوا ما بين 5 آلاف، و6 آلاف سنة مضت، ويحمل طفرة هضم الحليب الآن 95% من أحفاد شمال أوروبا. وقد أجريت دراسة في عام 2006 تفيد بأن هضم اللاكتوز قد تطور بشكل مستقل عن السكان الأوروبيين، منذ 3 آلاف عام في شرق أفريقيا. وسكان أوروبا الشمالية لديهم جينات تحدد نشاط إنزيم اللاكتيز المسئول عن هضم الحليب. وقد وجد الباحثون أن هؤلاء البشر يستمرون في امتلاك الإنزيم حتى مع تقدم العمر.

2- أننا نفقد ضروس العقل

يطور البعض بين أعمار 17 إلى 21، ضروسًا تسمى ضروس العقل. أسلافنا السابقون كان لهم فكوك أكبر منا بكثير، وساعدهم ذلك على مضغ الأطعمة الجامدة من جذور، ومكسرات وأوراق. لكن ضروس العقل لم تعد مفيدة لنا، لأن معظم طعامنا، يتكون من أطعمة لينة.

ويعتقد علماء الأنثروبولوجيا أننا تطورنا لتصبح ضروس العقل بلا فائدة، ويقول بعض الباحثين إن الإنسان سوف يتطور ولن يمتلك ضروس العقل يومًا ما، حتى إن الكثير من الأشخاص حول العالم، يجرون جراحات خلع ضرس العقل بسبب صغر حجم الفك، وعدم وجود مساحة كافية لكل الأسنان التي من المفترض أن تكون لدينا.

Embed from Getty Images

3- درجة حرارة أجسادنا انخفضت عن السابق!

في عام 1868 نشر طبيب ألماني كتيبًا طبيًّا، حدد فيه أن درجة حرارة الإنسان الطبيعية 98.6 فهرنهايت أي 37 درجة مئوية، لكن العلماء اكتشفوا أننا أكثر برودة مما نعتقد. ووفقًا لإحدى الدراسات فإن درجة حرارة الإنسان 97.9 درجة فهرنهايت. وقد حلل العلماء السجل الطبي، ووجدوا أن درجة حرارة الإنسان قد انخفضت بنسبة 0.05 درجة في المائتي عام السابقة.

4- وتتقلص أدمغتنا الكبيرة

الحقيقة هي أن أدمغتنا بدأت في التقلص على مدار الثلاثين عامًا الماضية، فقد انخفض متوسط حجم مخ الإنسان من 1500 سم مكعب، إلى 1350 سم مكعب، وهو مقدار يعادل حجم كرة تنس.

هناك عدة تفسيرات لتقلص حجم أدمغتنا أولها هو أننا أصبحنا أقل ذكاءً مما مضى، فانخفض حجم أدمغتنا مع زيادة حجم المجتمعات، وزيادة تعقيدها. لكن هناك نظرية أخرى تقول إن الدماغ الصغيرة أكثر كفاءة، كما تقول نظرية ثالثة إن الدماغ الأصغر تجعلنا أقل عدوانية، فنعرج إلى حل مشكلاتنا، بدلًا من تمزيق بعضنا بعضًا.

Embed from Getty Images

5- عظامنا أصبحت أخف

تعد عظام الإنسان أخف وأقل كثافة، مقارنةً بأشباه البشر، وقد وجدت دراسة أجريت في عام 2015، أن عظام الإنسان بدأت تضعف منذ حوالي 12 ألف سنة، وهو الوقت الذي بزغت فيه الزراعة، وبعدها تغير نمط غذائنا عما كان عليه في السابق.

كما أن نشاطنا البدني تغير أيضًا فأصبحت هياكلنا العظمية أخف، كما وجدت الدراسة نفسها أن العظام التربيقية قد انخفض سمكها وحجمها.

6- أننا نصاب بأمراض معدية

الأمراض المعدية يمكن أن تقضي على مجموعة كاملة من البشر، ومع ذلك فإن الانتقاء الطبيعي للمقاومة ضد بعض الأمراض يمكن أن يساعد الأفراد على أن يبقوا على قيد الحياة.

فقد يظهر مرض جديد، ويصاب به البعض، ويظل الآخرون على قيد الحياة، وهذا يؤدي للانتقاء الطبيعي لمن تغلب على المرض، ويظهر كيف يدفع الانتقاء الطبيعي لدى البعض مجموعة الجينات لتقاوم الأمراض في حمى لاسا، والملاريا.

علوم

منذ 11 شهر
هل يعمل «التطور» بشكلٍ غبي؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد