نشر موقع «السفير العربي» مقالًا في ذكرى ثورة 25 يناير بعنوان «القاهرة في 10 سنوات.. هل نعرفها؟» كتبته باحثة الأنثروبولوجيا أمنية خليل، وإليكم نص المقال:

في ذكرى 10 سنوات على «ثورة يناير 2011»، لا بد أن تُجرى مراجعاتٌ عدة في موضوع المشاركة المجتمعية، والنشاطية العمرانية، وما آلت إليه، حتى لو كنا لا نمتلك الآن أيًّا من القوى للحراك أو النشاطية. ولكن وقت الانحسار هو الزمن اللازم للمراجعة ولفهم أدوارنا.

1- هزيمة أم نصر أم سياسة؟ (الجزء الأول)

أيامٌ نصارعها وتصارعنا، وننتظر إتمام 10 سنوات مرت على «ثورة يناير» 2011. مرت السنوات، بعضها سريع مثل الضوء، بعضها ثقيل على أرواحنا وحياتنا. مفهوم الوقت تغير في حياتي منذ 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، أصبح للوقت قيمةٌ مختلفة، أصبح للوقت قيمة سياسية، وأصبحت كل خطوة أخطوها في حياتي تمثل قيمةً سياسية. إضافة إلى عمل خط زمني متسلسل في حياتي مرتبطٍ بأحداث الثورة السياسية وموجاتها المختلفة، سواء المنتصرة منها أو المنحسرة، المهزومة. فهل السؤال هنا هو عن النصر أم عن الهزيمة؟ لا تقبل روحي هذه الحسابات، وتلك الثنائيات المتضادة، بل أحسبُ خطواتي، وأحاول إيجاد المعنى السياسي في كل خطوة فيها. اختياري لحياة أكاديمية يخالطها بعضٌ من السياسة، ومحاولات تقبل للهزيمة العامة في الحياة داخل مصر. لذلك قد تجد الحياة الأكاديمية والكتابة طريقها لطرح أفكار. نتيجةً للاختيار السياسي – الأكاديمي، أخذت ارتبط بشدة بنصوص كتبها أصحابها في أوقات أزمات عالمية وسياسية، وعانوا من واقعهم اليومي والسياسي، وحالوا الفهم والتغيير من خلال نصوصهم، ولا أظن أنهم يعرفون أو يدركون ما تحدثه تلك النصوص من تغييرات.

شغلتني المدينة وظواهرها المختلفة، لذا ارتبطتُ بمفهوم الفقر العمراني في وصف المناطق الجغرافية، وتشكيلات المدينة وتأثير رأس المال في تشكيلها. ومن أهم تلك الظواهر ظاهرة الإحلال الطبقي العمراني. ومع قراءاتي المختلفة أدركتُ أنه عندما أسست عالمة الاجتماع البريطانية روث غلاس (Ruth Glass) نظريةً لفكرة الإحلال الطبقي العمراني، وربطتها أساسًا بالصراع الطبقي، ارتبط ظهور المصطلح ووصفه، بمفهوم الجبهة العمرانية، الذي كتب عنه نيل سميث، وهو أنثروبولوجي عمل بجامعة سيتي في نيويورك لسنوات حتى وفاته في 2012. الإحلال الطبقي العمراني ظاهرةٌ ارتبطت دائمًا وأبدًا بفكرة إعادة استغلال الأراضي، وإعادة هندسة وتشكيل المدينة باعتبارها مصدرًا للدخل ولصنع المكسب ولرأس المال. تسليعُ الأراضي وخاصة الموجودة في المدينة يستخدمُ بشكل مباشر لصالح الطبقات الحاكمة، وللذين يقعون في مواقع الأقوياء في العالم أجمع. المدافعون العمرانيون، والذين يدفعون كي يكونوا على الجبهة العمرانية، هم أشخاصٌ لا ينجون من تلك المعركة، هم النساء، والفقراء، وقليلو الامتيازات، أو معدموها. العمليات التي تؤدي إلى صنع المكسب، بالتهجير وإعادة التسكين، وعلى التوازي، عمليات الإحلال الطبقي العمراني، تدفع الأشخاص إلى جبهة دفاع عمراني.

نيوليبرالية في القاهرة

القاهرة بوصفها عاصمة، تم فهمها باعتبارها مدينة عالمية بسبب مجمعات المكاتب الإدارية مثل التي بدأ وجودها في مصر منذ التسعينيات الفائتة في «حي 6 أكتوبر» وفي القاهرة الجديدة، كما في كورنيش بولاق أبو العلا. وقد تمت إضافةُ طبقة أخرى من فهمها بوصفها مدينة كوزموبوليتانية من خلال تاريخها المتراكب والمتكون عبر العصور التاريخية منذ بدايات تعميرها في سنة 641 ميلادية، وحتى القرن التاسع عشر، مع العمران الأوروبي الاستعماري، الذي انتشر في العالم أجمع بحكم سلطة أوروبا واستعمارها للعديد من المناطق الجغرافية في العالم، والذي ظهر في مصر منذ الدولة العثمانية في تخطيط أحياء مثل «جاردن سيتي»، و«مصر الجديدة»، و«وسط البلد» بالقاهرة. هذا بالإضافة إلى ملامح النيوليبرالية، والتي ظهرت منذ عام 1996 مع تشييد أول مجمّع سكني مسوّر، وحصول الطبقات الوسطى على قروض لشراء وحدات سكنية داخل المجمعات الجديدة، والحصول على مستوًى معيشي جيد، مع امتيازات عمرانية وأخرى أمنية. تعطلت السياسات النيوليبرالية بسبب انفجار الثورة المصرية في 25 يناير لعام 2011. قبل ذلك بدأ تنفيذها حين أقام جمال مبارك، مع العديد من رجال الأعمال من أصدقائه عددًا من الخطط، التي هدفت لتسليع واستثمار الأراضي.

تتعدد أمثلة الإحلال الطبقي العمراني وتسليع الأراضي إلى حد لا حصر له، وتتميز جميعها بأنها تأتي تحت مسمى «التطوير العمراني» و«الارتقاء» و«النهضة». على سبيل المثال في القاهرة، ما حدث في أجزاء من حي بولاق أبو العلا من خصخصة عدد من الأراضي كانت مملوكة لأفراد وعائلات، والمصانع والورش الصناعية الحرفية، والتي وجدت في تلك الأراضي قبل بناء أبراج «نايل سيتي». مئات من الأفراد فقدوا فرص عملهم في تلك المصانع باعتبارهم حرفيين دائمين في وضع ثابت، وأصبحوا عمالةً مؤقتة في حرف أخرى وفي تجارات لا يعلمون عنها شيئًا. ولم تكتفِ أبراج «نايل سيتي» بهذا القدر من التدخل في حياة سكان المنطقة، وإنما امتد الطموح الاستثماري ليشمل الأراضي المجاورة، وأراضي بيوتٍ مسكونة. فبدؤوا بشراء الأراضي الأخرى، وعلى مدى سنوات رحل سكان المنطقة تباعًا، حيث إنه كان المخطط أن يشيدوا أبراجًا أخرى في الخلف، وتربط بالأبراج الأمامية. وهو ما تم الإعلان عن تنفيذه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020.

تقاطعت أنواع مختلفة من العنف في تلك المناطق السكنية، عُنفٌ ممارس من الطبقات الحاكمة ضد سكان المدينة. فعلى مستوى مناطق عدة، وليس رملة بولاق فقط بحي بولاق أبو العلا، تمت ممارسة أشكال عنف مختلفة من السلطو، ومن قبل رجال الأعمال باسم شروط النيوليبرالية واستثماراتها، وانحياز القوانين لتلك الطبقات الحاكمة . حدثت أزمة داخل دولة الحداثة، ونظام دولتها الوطني الحديث، امتدت إلى تنظيم العلاقات بين الدولة ومواطنيها. تبعت تلك الأزمة شروط السياسات الاقتصادية المجحفة بحق المجموعات التي تقع في موقع انعدمت فيه الامتيازات.

نشاطية عمرانية

ما أعرفه عن رملة بولاق، وقصة أهالي عشش الكفراوي، جاء من خلال دراسة بدأت بمقتل عمرو البني في أغسطس (آب) 2012. تبع مقتله مصادمات لعدة أيام بين قوات أمن قسم بولاق أبو العلا، وبين الأهالي انتهت بالقبض على 52 شخصًا من المنطقة، بالإضافة إلى الإهانات والضرب الجسدي لعدد من رجال وسيدات المنطقة، ولاستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع، التي ضربت بها المنطقة. اهتمَ العديد من الناشطين السياسيين بما يحدث في رملة بولاق، والظلم الذي يتعرض له أهلها، وكتب بعضهم عما يحدث، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي، أو في مقالات في الجرائد المحلية. زيارتي للمنطقة لم تكن تماماً بدافع النشاطية السياسية، لكني مختصّةٌ بالعمران، وأخذني شغفٌ طوال سنوات عدة بوضع المناطق المحرومة والمتدهورة عمرانياً، ومناطقَ بناها الأهالي. وعندما بدأت اتصالي معهم، شرحت لهم اهتمامي بقضيتهم كمهندسة قبل أي شيء، وسرت معهم في طريق طويلة من استخدام أدوات مختلفة للدفاع عن حقوقهم في السكن. هيَّأ الوضع العام، وأدوات حراكه في عامي 2012 و2013 كل المساحة للتحرك، ولتنظيم مسيرة لأهل المنطقة في مايو (أيار) 2013، نتج عنها مقابلة المسؤولين من محافظة القاهرة، وبدأ التحاور معهم ومفاوضتهم.

أدى هذا التواصل الى إعادة حصر عدد الأسر الموجودة في المنطقة، بالإضافة إلى تنظيف قطع الأراضي «الفضاء» (غير المبني فوقها) من القمامة. وخلال عامٍ، أي في منتصف عام 2014، عندما تولت الدكتورة ليلى إسكندر حقيبة وزارة التطوير الحضري والعشوائيات، بدأتُ مع أهالي المنطقة في عقد عدد من الاجتماعات معها، للوصول إلى سبل لتطوير المنطقة دون إزالتها أو إخلاء أهاليها قسريًّا. فتحتْ الدكتورة ليلى إسكندر أبواب الوزارة للأهالي، وقابلتهم مراتٍ عدة بحضوري وحضور آخرين ممن يخصهم أمر أملاكهم في المنطقة. وكان أمرًا جديدًا، ويعتبر غير مسبوق في التعامل مع كل هذه المعطيات لمحاولة إيجاد حلول. لم تصل اجتماعات الأهالي مع الوزارة لاتفاقات، وذلك لعدة أسباب أهمها عدم اتفاق الأهالي على ما يريدونه بالتحديد.

لم أكن الوحيدة من أبناء جيلي التي أملتْ باتباع نموذج تشاركي بين الأهالي والتقنيين والحكومة في تطوير مناطق «بُنى الأهالي». وبالتأكيد سبقتنا أجيال أخرى تعلمنا منها بعض الدروس. ولكن المختلِف أن «ثورة يناير 2011» انعكست على الاهتمامات الخاصة والعامة للعديدين، منهم يحيى شوكت الذي شغله ربط العدالة الاجتماعية بالعمران وأصدر كتابه بعنوان «العدالة الاجتماعية في العمران» الذي يختص بتحليل السياسات العمرانية المختلفة في مصر، وإشكالياتها وبعض التوصيات لحلّها. المؤكد أن اشتراكنا في حراك ثوري مجتمعي – وإن لم يكن سياسيًّا بالدرجة الأولى – غيّر حياتنا وأفكارنا واهتماماتنا نحو محاولة حقيقية وخالصة للتغيير، ولسبلٍ ديموقراطية تحترم المواطنين والمواطنات في شتى المجالات.

وبالتوازي مع اجتماعات الأهالي في رملة بولاق مع الوزارة، كان قد سبقنا في التجربة فريقُ «مجموعة مدّ»، وهي مجموعة معماريين اهتموا بشأن «مثلث ماسبيرو»، وعملوا طوال عام كامل منذ منتصف 2013 وحتى منتصف 2014 مع الأهالي حتى توصلوا لاقتراحات في كيفية تطوير المنطقة مع الابقاء على وجود أهاليها. اعتمد فريق العمل على أحمد زعزع، ومحمد أبو طيرة، وأحمد برهام، إلى جانب عدد من المعماريين والمعماريات، منهم نوران المرصفي وريهام مراد وعمر الطوانسي وعلي محمد وغيرهم. اهتمت ليلى إسكندر ومجلس الوزراء جميعًا بمشروع تطوير منطقة «مثلث ماسبيرو»، وهو الأمر الذي فشلت فيه الدولة على مدى خمسة عشر عامًا من الاقتراحات في تطوير المنطقة، ولم تجدِ نفعًا. فشلت المقترحات التي سبقت «فريق مدّ» لأنها كانت فوقية، ومبلورة من مكاتبَ معمارية لم تعمل على أي نوع من التواصل المجتمعي مع أهل المنطقة، وهو ما ميّز فريق مدّ بكافة أعضائه: تواصلهم منذ اليوم الأول لعملهم مع الأهالي. لعبت ثورة يناير 2011 دورًا في هذا الحوار، حيث تكونت بالفعل «رابطة شباب ماسبيرو»، وهي نشأت قبل ثورة يناير 2011، ولكنها فُعّلت بشكل مختلف نتيجةً لانتشار فكرة «اللجان الشعبية» في مناطقَ عدة. وتم انتخاب عدد من الشباب في تلك الرابطة ليمثلوا المنطقة وأهاليها وأسرها، البالغ عددها 4 آلاف، في دراسة تطوير المنطقة. اهتمت الدكتورة ليلى إسكندر بما فعله «فريق مدّ»، وقررت تبنيه بكل حماسة وجدية، وهذا ما تمَّ في العام 2015، والوصول إلى اتفاقية رسمية بين الأهالي والمُلّاك والحكومة، ووفق عليها من قبل جميع الأطراف.

بعد ستة أشهر من توقيع الاتفاقية، حدث تغيير وزاري، ومعه أغلقت وزارة التطوير الحضري والعشوائيات أبوابها، وآلت صلاحيات صندوق تطوير العشوائيات إلى وزارة الإسكان. وهنا بدأ الكثير يتغير، بدءًا من تغيير المكتب الفائز بالمسابقة المعمارية للتصور المفترض تنفيذه، وإحالة صلاحية الأعمال المعمارية إلى المركز الدولي للاستشارات الهندسية. وجاء هذا بالأمر المباشر، دون استشارة أي من الأهالي أو فريق العمل. تبعه تغييرات في الإيجارات المُقرة للوحدات السكنية للأهالي بعد التطوير، وهو ما جعل العديد من الأسر، والتي أرادت أن تسكن في المنطقة بعد التطوير، تتراجع، وتختار التعويض المادي لأنهم لم يضمنوا مع تلك التغييرات حصولهم على الوحدات في المستقبل، والمشروع ما زال قيد التنفيذ. أما أهالي رملة بولاق ففي السنين الأخيرة أخذوا في بيع بيوتهم، ورحلوا إلى مناطق أخرى لأنهم لم ينتصروا في معركتهم مع رأس المال، وفضلوا الحياة عن المعركة المستمرة.

تقييم النشاطية العمرانية لجيلي يحيط به الألم والانكسار. قد يكون لوم الطبقات الحاكمة والمتحكمة في رأس المال والقرارات من رجال الأعمال، أو الحكومة، هو المحل الأساسي للقمع وآلياته. قد يشعر «فريق مدّ» بالغدر من الحكومة، وقد يشعرون بالندم لأنهم مكّنوا الحكومة من أهالي المنطقة. لكن الحقيقة الأكيدة أنه لم يرد أحد هذا المصير. ويجب في ذكرى 10 سنوات على «ثورة يناير 2011»، أن تتم مراجعاتٌ عدة في أمر المشاركة المجتمعية، والنشاطية العمرانية ،وما آلت إليه، حتى لو لا نمتلك الآن أيًّا من القوى للحراك أو النشاطية. ولكن وقت الانحسار هو الزمن اللازم للمراجعة ولفهم أدوارنا. ولا يجب أن تقتصر المراجعة على دورنا كأشخاص، أو دور الحكومة في قراراتها، لكنها يجب أساسًا أن تتضمن الفاعلين الأساسيين في تلك العمليات، وهم الأهالي والذين يجب ألا تُنزع صفتهم وأهليتهم واختياراتهم من كل تلك العمليات، لأنهم هم من دعونا أساسًا للمشاركة، وهم المختصون والمتضررون والمنتفعون من كل هذه التغييرات في أحيائهم، ودور النشاطية العمرانية لا يجب أن ينحصر في تفاوضات مع الحكومة، أو في الاستخدام من الأهالي حسب رغباتهم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد