1,546

“حرام أن لا نستغل هذا الغاز” هكذا ردد عبد المالك سلال الوزير الأول للحكومة الجزائرية في وجه المتظاهرين الغاضبين بمنطقة عين صالح بالجزائر، الذين يطالبون منذ ثلاثة أشهر بوقف عمليات استغلال الغاز الصخري حفاظًا على البيئة وصحة الساكنة.

وتعد الجزائر ثالث أكبر مخزون في العالم للغاز الصخري بكمية تعادل 707 تريليون قدم مكعب، ما يفتح شهيتها لاستغلال مواردها الطاقية، خصوصًا مع انخفاض مداخيلها النفطية، إلا أن هذه الرغبة جوبهت بموجة احتجاجات واسعة كادت تعصف باستقرار جنوب البلاد.

فهل ترضخ الحكومة الجزائرية للمطالب الشعبية أم للضغوطات الاقتصادية؟

قبل التطرق لمسألة الغاز الصخري بالجزائر، لا بد من إطلالة تعرفنا بهذا النوع غير التقليدي من موارد الطاقة، الذي سبب قلقًا لساكني جنوب الجزائر؛ خوفًا من استغلاله.

  • 1- فما هو الغاز الصخري إذن وما مخاطره البيئية؟

يتواجد النفط عادة في خزانات تحت سطح الأرض تنتظر من يحررها، حيث يتم حفر بئر يصل الخزان ليندفع سائل النفط – الذي يكون تحت درجة ضغط عالية- بقوة نحو الأعلى عبر تجويف البئر ما إن يثقب الخزان، إلا أن نمو الطلب المتزايد للبترول وارتفاع أسعاره دفع بعض الدول المنتجة له بالبحث عن طرق أخرى غير تقليدية لتحصيل النفط، فتم اكتشاف الإنتاج باستخدام الرمال القطرانية والطفل الصفحي النفطي، والغاز الصخري أيضًا.

والغاز الصخري هو غاز طبيعي، ينشأ من أحجار “الأردواز”، الذي يحتوي على مواد عالية من المواد العضوية، حيث يكون الغاز محبوسًا داخل طبقات هذه الصخور.

طريقة استخلاص الغاز صخري:

ويتم استخلاص الغاز الصخري عن طريق حفر آبار تصل إلى الصخور المخزنة للنفط، ثم البدء بالحفر أفقيًّا لمساحة قد تصل إلى 3000 متر مربع، وبعدها تعرض الطبقة الصخرية للضغط عالٍ من أجل تكسير الصخور بواسطة مزيج من الماء والرمل ومواد كيميائية حتى يتحرر الغاز، وقد ظهرت في السنوات الأخيرة تكنولوجيا جديدة تدعى “التكسير الهيدروليكي” تستخدمها أمريكا في إنتاجها للغاز الصخري.

يعتقد كثير من علماء البيئة أن عمليات إنتاج الغاز الصخري تتسبب في مخاطر حقيقية على البيئة والصحة، خصوصًا إذا لم تتم بالشكل الصحيح، إذ يؤدي تسرب المواد الكيماوية إلى المياه الجوفية إلى تلوثها، الشيء الذي قد يشكل ضررًا على النبات والإنسان والحيوان، كما تسبب عمليات الإنتاج الضخمة في تشوهات جيولوجية للطبقة الأرضية.

وتعد هذه الدول وفق هذا الترتيب: الصين، الأرجنتين، الجزائر، الولايات المتحدة الأمريكية، الأكثر احتضانًا لمخزونات الغاز الصخري حسب تقرير لوكالة الطاقة الأمريكية لسنة 2013.

 

وتنتج كل من أمريكا وكندا كميات مهمة من الغاز الصخري باستخدام تكنولوجيا “التكسير الهيدروليكي”، بينما دول أخرى مثل فرنسا ورومانيا وغيرها من البلدان الأوروبية تمتنع عن الاستثمار في هذا المجال نتيجة ضغط حماة البيئة للمخاطر البيئية التي قد تنجم عنه.

2- طموحات الحكومة الجزائرية باستغلال الغاز الصخري تواجه برفض شعبي

في سنة 2013، أعلنت الشركة البريطانية بريتيش بريتيليوم في دراسة لها، أن الجزائر لديها احتياطات مهمة من الغاز الصخري بصحرائها الجنوبية، وفي نفس السنة عدل قانون المحروقات الجزائري، ليتخذ بعدها مجلس الوزراء قرارًا يقضي باستغلال موارد الطاقة غير التقليدية.

وفي 27 دجنبر “ديسمبر” من سنة 2014، أعلنت وزارة الطاقة الجزائرية عن حفر أول بئر “أحنات” القريب من مدينة “عين صالح” جنوب الجزائر، لتنطلق أعمال استغلال الغاز الصخري بواسطة شركة الغاز والنفط الجزائرية “سوناطراك” بشراكة مع الشركة الفرنسية “توتال” البترولية.

ولم تسعد الحكومة الجزائرية كثيرًا بتباشير اكتشاف احتياطات مهمة من الغاز الصخري، إذ مع بداية السنة الجارية اندلعت مظاهرات غاضبة بمدينة عين صالح القريبة من بئر الغاز الصخري، تدعو إلى وقف التنقيب فورًا، وما زالت هذه المظاهرات مستمرة طوال ثلاثة أشهر، بعد أن توسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل الولايات المجاورة بالصحراء الجنوبية للجزائر، كان آخرها مظاهرة حاشدة تقدر بعشرات الآلاف في “ورقلة” السبت الماضي.

يطالب المحتجون الحكومة الجزائرية بتوقيف استغلال الغاز الصخري، وعدم الدخول في هذه المغامرة الخطيرة التي ستجلب أضرارًا جسيمة على الطبيعة، حيث يقول أهالي المنطقة المحتجين، إن إنتاج هذا النوع من الغاز يتطلب كميات هائلة من المياه واستعمال مواد كيماوية، مما يؤدي إلى تهديد الفرشة المائية بالتسميم والاستنفاذ، الشيء الذي يعني نهاية نشاطهم الفلاحي، كما سيهدد صحة السكان وبيئتهم.

ولم يقتصر احتجاج المتظاهرين المعارضين لاستغلال الغاز الصخري على الأرض، بل تعدى ذلك لحملات مناهضة لذلك على المواقع الاجتماعية، كما أطلق ناشطون هاشتاج #لا للغاز الصخري.

 

وقد ساندت مكونات برلمانية المتمثلة في تكتل تنسيقية الانتقال الديموقراطي الحراك الجنوبي ضد استغلال الغاز الصخري، وهو ما اعتبرته الحكومة الجزائرية استعمالًا “رخيصًا” لمظاهرات الجنوب في حروب سياسية، ومحاولة لركوب موجة الاحتجاجات.

حاولت الحكومة الجزائرية في غير ما مرة إقناع معارضي مشروع استغلال الغاز الصخري، بكون هذا المصدر الجديد للطاقة لا ينتج عنه أي خطر، خصوصًا مع استعمال التقنية الحديثة الممثلة في “التكسير الهيدروليكي”، متعهدة بأنه وفي حال إثبات حدوث أضرار سيتم التوقف عن استغلال الغاز الصخري بالمنطقة، كما قال وزير الطاقة الجزائري يوسف اليوسفي: “إنني على استعداد لنقل المتظاهرين برفقة خبراء معاينة عمليات استخراج الغاز الصخري بأنفسهم للتأكد من سلامة النشاط”.

وعلى الرغم من محاولات الطمأنة وتبديد مخاوف المحتجين، إلا أن المعتصمين بمدينة عين صالح ما يزالون حتى الآن مصرين على وقف التنقيب عن حقول الغاز الصخري حماية للبيئة وحياة السكان هناك، ما جعل مراقبون يرون أن الحراك الاحتجاجي ضد الغاز الصخري تقف وراءه مطالب اجتماعية واقتصادية بالأساس، وليس حبًّا في البيئة، ولا سيما أن الجزائر – شأنها شأن الدول المغاربية التي لا تستغل ثرواتها كما ينبغي- تعاني من ضعف استغلال مواردها النفطية رغم إنتاجها الضخم، نتيجة الفساد وسوء التدبير.

وتنوي الجزائر بدء الاستغلال الفعلي للغاز الصخري في سنة 2020، حيث ستشرع أولى الحقول في العمل، ويرتقب في السنة ذاتها تحصيل 40 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 40% من إنتاج الغاز الطبيعي في الوقت الراهن.

كما أعلنت شركة النفط والغاز الجزائرية في دراسة أعدتها قبل أشهر أن حوض “أحنات” قرب مدينة عين صالح يحوي ما يعادل مائة ألف كلومتر مربع من الغاز الصخري، حسب إحصائيات رسمية لوزارة الطاقة والمناجم، بالإضافة إلى الحقول الجديدة المكتشفة بكل من ولاية أدرار وولاية إليزي، حيث تقدر بها احتياطات تقارب 6000 مليار متر مكعب من الغاز الصخري.

ولا يبدو أن السلطات الجزائرية ستتراجع عن قرارها باستغلال الغاز الصخري، رغم كل الاحتجاجات الرافضة، وإن كانت في الوقت الراهن تطمئن المتظاهرين بكون الأمر ما زال في مرحلته التجريبية والاستكشافية فقط، فتراجع مداخيل المحروقات المصدرة، وهي عماد الاقتصاد الجزائري، سيدفع حتمًا الحكومة للتوجه للاستثمار في الغاز الصخري للحفاظ على ميزانية الدولة ومداخيلها الطاقية كخيار لا مفر منه على المدى المتوسط، علاوة على تزايد الاستهلاك المحلي للمحروقات.

شاهد احتجاجات ساكني عين صالح ضد الغاز الصخري:

ويرى الخبير الفرنسي في مجال النفط فرانسيس بريان في حوار له مع راديو الجزائر، “إن أنصار البيئة يبالغون في تقدير المخاطر المرتبطة باستغلال الغاز الصخري، إذ إن الصناعة النفطية اليوم لديها الوسائل الكافية، التي تمكنها من التحكم في هذه المخاطر، بشرط اتخاذ الاحتياطات اللازمة بهذا الخصوص”.

ويعتقد فرانسيس بيران أنه بالإمكان تجنب مخاطر استغلال الغاز الصخري في حالة الالتزام بأربعة شروط: كفاءة المسؤولين والفاعلين في عملية إنتاج النفط، واستخدم تقنيات حديثة، وأيضًا حرص الدولة على مراقبة عمليات الإنتاج بشكل جيد، بالإضافة إلى وجود مجتمع مدني يقظ يملك وعيًا بيئيًّا.

تعليقات الفيسبوك