استعمار أوروبا لأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أحد أهم الملفات التي انتهت خلال القرن الماضي، إلا أنَّ الاستعمار لم يخرج ليترك مصالحه في الدول التي تركها، ولم يكن ليظلّ سنوات طويلة ـ امتدت في بعض الدول لقرون ـ دون ترك أثر وموروث ثقافي أو سياسيّ.

في بعض الدول صارت لغة المستعمر هي اللغة الرسميَّة، وفي دول أخرى أصبحت النظم الإدارية والقانونية والسياسية مستوحاه من المستعمر، وفي بعض الحالات خرج المستعمر وتركَ معاونيه من أهل البلد، ممن تربوا في مدارسهم أو ممن يجرون وراء مصالحهم الشخصية، نذكر هنا بعض هذه الأمثلة التي خلفها الاستعمار.

فرنسا

امتدت الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية منذ القرن السابع عشر وحتى ستينيات القرن الماضي، بداية من أمريكا الشمالية إلى الكاريبي إلى الهند ودول المشرق وأفريقيا، نذكر مثالين من أمثلة خروج فرنسا من دول استعمرتها ولكنها ظلت متواجدة إن ثقافياً أو سياسياً:

لبنان: من الانتداب إلى تذبذب النفوذ

يخصص البطريرك الماروني في لبنان قداسًا كلّ عام من أجل فرنسا، ويمثل هذا تداخلًا وتأثرًا ثقافيًّا مختلفًا من نوعه، ولا يعتبر هذا فقط هو التداخل الثقافي الأوحد في لبنان حيث تنتشر اللغة الفرنسية إضافةً إلى تشابك سينمائي فرنسي/لبنان أكثر من غيرها من الدول العربية.

البطريرك الماروني في لبنان بشارة الراعي

تعود العلاقات بين فرنسا ولبنان إلى الانتداب الفرنسي الذي أعطته عصبة الأمم لفرنسا عام 1920 وانتهى الانتداب عام 1943 ونالت لبنان استقلالها عام 1946. إلا أن هذا الخروج الفرنسي من لبنان لم يكن نهائيًّا حيث تدخلت فرنسا بشكلٍ كبير في السياسة اللبنانية، ولا زالت حتى الآن لها نفوذها في الداخل اللبناني وتعتبر أحد أهم اللاعبين على الساحة اللبنانية.

في الحرب الأهلية اللبنانية التي نشبت عام 1958 لم تستطع فرنسا إنزال قواتها إلى لبنان ولكنها دعمت سياسيًّا وتسليحيًّا أحد فريقي الحرب الأهلية، ثم تقلص الدور خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975 فلم تستطع إلا الدعم السياسي، وقد حاولت فرنسا زيادة نفوذها إلا أن مقتل السفير الفرنسي لوي دو لامار أوقفها قليلًا، ولكن القوات الفرنسية عادت إلى لبنان تحت غطاء القوات الأجنبية متعددة الجنسيات، لكنها غادرت بعد وقتٍ قصير مع بقية القوات.

ساحة الشهداء في بيروت 1943، احتفالاً بإفراج الفرنسيين عن معتقلين

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية ومع انتخاب رفيق الحريري ـ المحسوب على الغرب ـ كان يتمتع بعلاقة صداقة قوية مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وقد كان لفرنسا دور كبير في استصدار قرار 1559 من مجلس الأمن الدولي القاضي بسحب كافة القوات العسكرية وأجهزة المخابرات من لبنان، وهو ما كان سببًا في خروج القوات السورية من لبنان بعد الحرب الأهلية.

ومع الأزمة الطاحنة الحالية في لبنان تستقبل باريس مؤتمر أصدقاء لبنان وهو ما أكد على النفوذ الفرنسي في الداخل اللبناني.

أفريقيا الوسطى: خرجت فرنسا منذ خمسين عامًا لكنها لا زالت موجودة

خلال خمسين عامًا كانت جمهورية أفريقيا الوسطى إحدى مستعمرات فرنسا في أفريقيا، حتى نالت الاستقلال عام 1960، إلا أن “الاستقلال” لم يكن إلا استقلالًا شكليًّا في حقيقة الأمر، فبعد وفاة بوغندا المؤسس الحقيقي للجمهورية في حادث طائرة غامض تصارع مساعداه جومبا وداكو على السلطة واستطاع داكو بمساعدة فرنسا السيطرة على السلطة وسجن جومبا، بعد ذلك نصب بوكاسا نفسه إمبراطورًا لجمهورية أفريقيا الوسطى بدعم فرنسي وسرعان ما أطاحت به فرنسا عام 1979 بدعمها لانقلاب عسكري، ولكنَّ الجمهورية الصغيرة لم تستطع أن تنعم بالهدوء والاستقرار حيث تواصلت أعمال العنف طوال تلك السنين وتدخلت فرنسا عبر العديد من المواقف.

جندي فرنسي في العاصمة بانغي 2013

“حسب متابعين للشأن الفرنسي فإن فرنسا تدعم حركة التمرد “سيليكا” والتي يبلغ عدد مقاتليها 25 ألف مقاتل، متذرعة بأن دافعها هو حماية الرعايا الفرنسيين في جمهورية أفريقيا الوسطى”

إبان أحداث العنف التي اندلعت في مارس الماضي تدخلت فرنسا بألفي جندي فرنسي، ووصل الرئيس الفرنسي هولاند إلى أفريقيا الوسطى لدعم جنوده هناك، وتتمثل مهمة القوات الفرنسية حسب ما هو معلن في: استعادة الأمن وحماية الأهالي وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جمهورية أفريقيا الوسطى. وبالجملة فإن التواجد الفرنسي في أفريقيا الوسطى أوضح من أن ينكره أحد.

قوات فرنسية في العاصمة 2014

البرتغال

بدأت البرتغال عمليات الاحتلال عام 1415 في عدة مناطق من العالم في أفريقيا وأمريكا اللاتينية بالتحديد، وامتد الاحتلال حتى العام 1999، الأثر الثقافي الذي تركته البرتغال في مستعمراتها السابقة كان كبيرًا، فمن البرازيل إلى أنجولا وموزمبيق والرأس الأخضر وغينيا بيساو وتيمور الشرقية إلى السنغال، كل هذه الدول تتحدث البرتغالية.

هذه الدول إضافة إلى بعض الدول الأخرى قامت مع البرتغال بتأسيس مجموعة البلدان الناطقة بالبرتغالية، إضافةً إلى هذه الدول المؤسسة يرغب أكثر من عشرة دول أخرى في الانضمام لهذه المجموعة باعتبارها ناطقة بالبرتغالية، إضافة إلى كونها كانت مستعمرات سابقة للإمبراطورية البرتغالية.

الاجتماع الثامن عشر لمجموعة الدول الناطقة بالبرتغالية 2013 

ما هو معروف بالطبع أنَّ الدول الناطقة بالبرتغالية كانت تمتلك لغتها الخاصة بها إلا أنها اندثرت أو أنَّ النظم القانونية والإدارية والتعليمية ظلت بالبرتغالية ما جعل البرتغالية هي اللغة الرسمية، فعندما احتل البرتغاليون البرازيل كان هناك ما يقارب الألف لغة في تلك المستعمرة التي صارت البرتغالية هي لغتها الأساسية.

بلجيكا في الكونغو

اعتبر ملك بلجيكا ليوبولد الثاني الكونغو مستعمرة شخصية حيث كانت تدر إلى خزانته الشخصية أموالًا هائلة، في الحرب العالمية الثانية كانت الكونغو أهم مصدري اليورانيوم إلى الولايات المتحدة. وتعتبر الكونغو أكبر من بلجيكا نفسها بفارق مساحة كبيرة.

ليوبولد الثاني ملك بلجيكا

في الخمسينيات بدأت حركة استقلال قوية، اعتقلت القوات البلجيكية قائد القوى الوطنية باتريس لومومبا، وعبر العديد من التحديات استطاع لومومبا أن يفوز في الانتخابات التي أجريت عام 1960، وأعلن الملك البلجيكي استقلال الكونغو وسافر لومومبا إلى بلجيكا ليشترك في مؤتمر الدائرة المستديرة حول مستقبل الكونغو.

باتريس لومومبا

بعد الاستقلال بخمسة أيام فقط قام مويس تشومبي، المحسوب على بلجيكا، باعلان استقلال اقليم كاتانجا الغني بالماس والنحاس، كما أعلنت مقاطعة كازائي استقلالها ايضًا بدعم من بلجيكا، وبدأَ التنسيق بين زعيمي الانفصال لإسقاط لومومبا. طالب لومومبا الأمم المتحدة بالتدخل للحفاظ على وحدة الكونغو لكنّ بضغوط بلجيكا والولايات المتحدة لم تتدخل الأمم المتحدة إلى جانبه.

قامت بلجيكا بدعم موبوتو سيكو رئيس هيئة الأركان ليقوم بالانقلاب على لومومبا وقتله، حسب بعض الروايات عن مقتله فإنه قتل على يد جنود بلجيكيين، ولا زال التأثير الاقتصادي لبلجيكا متواجدًا في جمهورية الكونغو الديموقراطية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد