ميرهان فؤاد 24
ميرهان فؤاد 24

905

الجراحات الذاتية هي حالات نادرة للغاية، إذ يجريها بعض الأطباء لأنفسهم تحت ظروف قاهرة، مثل التواجد في مناطق نائية لا توجد بها رعاية صحيّة، وقد يكون الدافع غرور الطبيب الذي يرفض أن يضع أحد مشرطًا على جسده. هنالك حتى من أجرى جراحة طبيّة على نفسه دون أن يكون طبيبًا في الأساس، لكن بعيدًا عن الأسباب التي جعلت أولئك الأطبّاء يمسكون المشرط لتغرق أيديهم في دماء أجسادهم، فإن ظاهرة الجراحة الذاتيّة تبقى فريدة وملهمة ومثيرة للاهتمام على ندرتها، إذ إنها تخبرنا بالكثير عن قدرة الإنسان على المقاومة، وعن القدرة على تحمل الألم والتجريب واختراع بدائل، وعن التشبث بالحياة، وعمّا تفعله العزلة والعيش في مناطق نائية.

1- ليونيد روجوزوف.. دماء على الثلج

ذهب الطبيب الروسي ليونيد روجوزوف «1934 – 2000» في بعثة طبيّة إلى القارة القطبية في عمر السابعة والعشرين. أبحر روجوزوف لمدّ 26 يومًا في البحر، وهي المسافة بين روسيا وقارّة أنتاركاتيكا بالقطب الجنوبيّ المتجمّد، لتهاجمه آلام الزائدة الدودية بعد وصوله. كيف اكتشف أنّها الزائدة الدوديّة دون سواها؟ ألمٌ قاتل حول السُرّة لم يجد صعوبة في تشخصيه، فهو جرّاح بالأساس.
كان روجوزوف مضطرًا لإنقاذ حياته وإجراء العملية التي سيعيش بعدها ليقص الحكاية باعتبارها معجزة، فقد كان هو الطبيب الوحيد في البعثة، بالإضافة إلى تعثّر وصول أيّ طائرة نظرًا للأحوال الجوية القاسية في القارة القطبية.

كتب روجوزوف في يومياته فيما بعد واصفًا الألم الذي شعر به: «لم أنم طوال الليل، عاصفة ثلجية تعصف بروحي وتعوي كالذئاب».

مخدّر موضعي، آلات جراحة وكشّاف ومرآة؛ بهذه الأدوات فقط أجرى روجوزوف العملية التي استغرقت أقل من ساعتين لنفسه بمساعدة الفريق المصاحب له، لتصبح هذه العمليّة فيما بعد أشهر الجراحات الذاتية. وقد عُرضت أدوات الجراحة التي استخدمها روجوزوف بعدها في متحف في سانت بطرسبرج بروسيا، وتُؤرّخ حكايته في كتب الجراحة.

2- ولادة قيصرية بسكين الخضروات

من المعروف في تخصّص طب النساء والتوليد أن بعض السيدات من غير المتخصّصات يمتلكن وعيًا بالتجربة الذاتية – دون دراسة – بشئون الولادة، حتى إن بعض المتخصّصين في طب النساء يدرُسون المصطلحات النسائية الشعبية الخاصة بالولادة.

في الخامس من مارس (آذار) عام 2000، ببلدة تقع في المكسيك لا يقطنها سوى 500 فرد، شَعرت ريميز بيراز، أم لسبعة أطفال، والبالغة من العمر 40 عامًا بآلام الولادة لمدة 12 ساعة متواصلة، وكانت لا تزال في شهرها السابع من الحمل. كان أقرب مركز طبي يبعد عن بيتها خمس ساعات، كما أنّ الأم لم تكن تمتلك أي خبرة طبية، لكن لها تجربة سابقة في ولادة طفلٍ ميّت. قررت بيرز أنها ستُخرج طفلها للحياة بنفسها بسبب خوفها من تكرار التجربة السابقة، فقامت بشرب ثلاثة أكواب من الكحول باعتباره مخدّرًا، لتتحمل ما سوف تفعله لاحقًا، ثم أرسلت ابنها ليشتري سكينًا حادًا، وانطلقت في عمليّة الولادة بشقّ بطنها بالسكين شِقًا طوله حوالي 15 سم، لتندفع الدماء من هذا الشقّ كالنافورة على حد قولها، ولكنها استطاعت اجتياز الجلد والعضلات والدهون، لمدة ساعة كاملة حتى وصلت إلى الرحم، واستطاعت التقاط طفلها حيًا، ثم قطعت الحبل السري باستخدام مقص.

أرسلت ريميز طفلها لكي يبحث على أي وسيلة للإغاثة، ثم نُقلت ريميز ومولودها إلى المستشفى بواسطة سيارة نقل بضائع وخضعت لعملية جراحية تعيد إصلاح ما سببه شقها لبطنها. يقول الطبيب الذي أشرف على علاجها في المستشفى: «لقد أصابني ذهول، فهي لم تصب بنزيف داخلي أو تعفّن الدم (sepsis) ، وقد تعافت بعدها في غضون يومين».

ريميز التي تعيش في قرية لا يسمع بها أحد، استطاعت إنقاذ نفسها وجنينها من الموت، وأصبحت قصة ولادتها الناجحة للطفل «أورلاندو» تُذكر في نشرات جراحة النساء والتوليد.

3- جيري نيلسي.. ورمٌ قطبيّ خلدته السينما

هذه القصّة تحكي كيف تحوّلت طبيبة تعمل في منطقة معزولة ومنسيّة، إلى شخصية ملهمة تظهر على شاشات التلفزيون، وتنشر كتابًا تبلغ مبيعاته 6 مليون دولار، بالإضافة إلى عملها في إلقاء المحاضرات، وتحويل قصة حياتها إلى فيلم. إنها الطبيبة الأمريكية الشهيرة جيري نيلسي، المتخصصة في العناية المركّزة.

في عام 1998، ذهبت للعمل في محطة أمندن سكوت في القطب الجنوبي في أنتركاتيكا، بلا ممرضة ولا مساعدين، وبمعدّات طبية مخّزنة منذ خمسينيات القرن الماضي.

كانت نيلسي تبلغ من العمر 46 عامًا، منفصلة بعد زواج دام 24 عامًا. لقد صرّحت فيما بعد أن ذهابها لأنتركاتيكا لم يكن هروبًا؛ وإنما كان بحثًا عن التغيير، لكنها لم تكن تدري ما الذي ينتظرها في بلاد الثلج البعيدة.

في مارس (آذار) سنة 1999 اكتشفت نيلسي ما يشبه الورم في ثديها الأيمن، وقد كانت هي الطبيبة الوحيدة الموجودة طوال فترة الشتاء القطبي الذي يقطع الاتصال مع العالم، كما كانت مصحوبة بطاقم عمل بلغ 41 شخصًا في درجة حرارة تصل إلى 100 تحت الصفر.
لم يكن النقل الجوي متاحًا سوى في شهر أكتوبر (تشرين الأوّل) أي بعد سبعة أشهر، عندها أدركت نيلسي أنه لا حل أمامها سوى أن تعالج نفسها بنفسها، فما كان منها إلا أن استشارت زملاءها المتخصصين في الأورام عن طريق الإيميل، ومن خلال اجتماعات عبر الفيديو. استخدمت نيلسي الثلج مخدرًا لتثقب ثديها عشرين مرة باستخدام إبرة بمساعدة الفريق لتحصل على أنسجة كافية للخزعة (biopsy)، وهي إزالة كمية من الأنسجة لفحصها تحت الميكروسكوب، ومن خلالها يُشخص السرطان. ثمّ نُقلت صور الأنسجة إلى الولايات المتحدة، وتأكدت إصابتها بالسرطان.

وصلت إلى نيسلي إغاثة بأدوية السرطان بواسطة الإسقاط الجوي، وهو عبارة عن طائرة مرفق بها باراشوت صغير، ومعلق بها ثقل حتى لا يُقذف الأشياء المراد إسقاطها بعيدًا، وسبب الاستعانة بهذه الوسيلة هو درجة الحرارة التي تمنع أي طائرة من الهبوط، وقد استدلّ الطيار على مكانها باستخدام النار، ثم بدأت في العلاج، لتبدأ في التحسّن شيئًا فشيئًا، لكن الأطباء رأوا ضرورة استئصال الثدي، وفي شهر أكتوبر نُقلت بواسطة طائرة عسكرية إلى أمريكا، والتي قامت بمخاطرة كبيرة بالطيران في درجة حرارة 58 درجة تحت الصفر، لتقوم نيلسي بإجراء عملية استئصال للثدي، وتصبح وجهًا معروفًا إعلاميًا فيما بعد، وناشطة تسافر لتتكلم عن رحلتها مع السرطان في القطب الجنوبي.

بعدها تزوجت نيلسي وأنجبت ثلاثة أبناء، لكن في عام 2005 انتشر السرطان في جسدها، ثم توفيت في 23 يونيو (حزيران) 2009 عن عمر 57 عام.

رحلت نيسلي، لكن قصّتها في محاربة السرطان في أوضاع مأساويّة في القطب الجنوبيّ ستبقى لسنين قادمة تلهم كلّ المرضى في رحلة كفاحهم من أجل الشفاء.

4- إيفان كانيه.. يختبر أساليبه الجراحيّة على جسده

يعدّ  الجراح الأمريكي إيفان كانيه أحد روّاد علم الجراحة، في يوم 15 فبراير (شباط) عام 1921 قرر إجراء عملية الزائدة الدودية لنفسه، ليثبت بالتجربة أن التخدير الكلي غير ضروري للعمليات الصغيرة، وليختبر إمكانيّة إجراء هذه العملية لنفسه. استخدم كانيه مخدّرًا موضعيًّا وسط ذهول الطاقم الطبي، إذ كان هو الجراح الرئيسي بالمستشفى وبمساعدة ثلاثة أطباء آخرين. وقد استخدم كانيه مرآة وأحدث قطعًا في جسده ليستأصل الزائدة، لتتكلّل العمليّة بالنجاح بعد أن دامت 30 دقيقة.

عاد إيفان إلى غرفة العمليات مرة أخرى في عمر السبعين، ولكن هذه المرة في عملية تصحيح الفتق الإربي، وقد أصرّ مجدّدًا على إجرائها لنفسه، وبالرغم من أنها أكثر تعقيدًا ودقة من الزائدة الدودية، إلاّ أنّه أجراها في ساعتين فقط، مطلقًا النكات بأنه قريبٌ جدًا من الأوعية الدموية الهامة.

اقرأ أيضًا: ليس كل الأطباء بشرًا! كيف تمارس الحيوانات «المثقفة» مهنة الطب؟

5- دي دوت.. بيدي لا بيد جراح آخر

ترجع إحدى أقدم العمليات الجراحيّة الذاتيّة أكثر من 300 سنة مضت لشخص عاش في سنوات العشرينيات من القرن 17 يدعى جان دي دوت .  وقد ذُكرت القصة في كتاب مشاهدات طبية  للجراح  نيكولاس تولب أجرى دي دوت الجراحة لنفسه لأنه أصر ألا يمسه أحد، بعد معاناته من ألم لا يحتمل بسبب الحصوة، وقد كانت عملية معقدة شديدة الصعوبة، فقد جلس في وضعية استخراج الحصوات (lithotomy position) بآلات بدائية. وبمساعدة أخيه، اخترق بسكين «الإحليل» أو الـ«urethra» ليلتقط الحصوة التي بلغ وزنها 4 أوقيات، وقد كانت بحجم بيضة دجاجة.

اقرأ أيضًا: من عصير الضفادع لشرب البول.. أغرب العلاجات الطبية التي استخدمها الإنسان

6- ديبورا سامبسون.. جراحة لخدمة الوطن

في ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية، أرادت ديبورا سامبسون الخدمة بالجيش، لكن ذلك لم يكن متاحًا للنساء في ذلك الوقت، لكنها في سنة 1782 استطاعت التنكر وتقييد اسمها في سجل الملتحقين بالوحدة العسكرية الرابعة للجيش متطوعةً باسم روبرت شوليف. طولها المبالغ فيه (5 أقدام و 7 إنشات) أزاح الأنظار عن وجهها الحليق، وقد لفتت النظر بشجاعتها الاستثنائية في الجيش الذي خدمت به بوصفها منقذة.

كل كان شيء يسير على ما يرام دون أن تنكشف هويّتها، حتى أصيبت ديبورا في أحد المعارك بطلق ناري في فخذها، وقد خافت من انكشاف سرها، وطردها من الجيش؛ فقررت إخراج الرصاصة بنفسها بواسطة إبرة وسكين، ورغم أنها لم تطبّب ساقها بشكل كامل، إلا أنّها استطاعت الحفاظ على سرها.
لكن ذلك لم يدم طويلًا، فقد أصيبت ديبورا بحمى، وفقدت الوعي واكتشف الطبيب المعالج أن الشخص الذي خدم في الجيش متطوعًا كان في الحقيقة امرأة. وقد خرجت ديبورا من الجيش على إثر اكتشاف الأمر، بعدما حصلت على شهادة شرفيّة وخبرة بسيطة في الجراحة.

اقرأ أيضًا: هل تنقذنا كتب الطب القديمة من أزمة المضادات الحيوية؟

7- أرون رالستون.. جراحة اضطراريّة بين صخرتين

في عام 2002 أثناء رحلة قام بها متسلّق الجبال الأمريكي أرون رالستون بمفرده لتسلق الأخاديد على ارتفاع 14 ألف قدم؛ علَقت ذراعه اليمنى بداخل صخرة، وقد ظل لمدّة خمسة أيام كاملة في محاولة تحريرها بدون جدوى، حتى أصابه الإعياء الشديد، وأصيب جسمه بالجفاف، حينها قرر قطع يده الميتة بالفعل، واستطاع أخيرًا التحرك من مكانه. بعدها قابل رالستون بعض الأشخاص الذين زودوه بالماء والطعام، ثم نقل إلى المستشفى وهناك خضع للجراحة.

وسرعان ما انتشرت قصة رالستون في وسائل الإعلام حول العالم، ثم نشر سيرته الذاتية في عام 2004 بعنوان «between a rock and a hard place» أو «بين شقي الرحى»، واقتبست القصة في فيلم 127 ساعة الذي قام ببطولته جيمس فرانكو وأخرجه داني بويل، ورشح لست جوائز أوسكار.

أرون الذي لم يتنحّ عن تسلق الجبال رغم إعاقته، أصبح يقدّم محاضرات، وواصل ممارسة هوايته بذراعه الصناعية الجديدة.