«رحلتي من الطب إلى الألش»، «بالطو وفانلة وتاب»، «يوميات دكتور نبطشى»، هذه مجموعة عناوين لكتب ألفها أطباء، استهوتهم الكتابة الساخرة إلى جانب مهنة الطب، فقد زاحم الأطباء الذين انطبعت عنهم الجدية الكتاب الساخرين وتفوقوا عليهم أحيانًا.

فربما من الصعب أن تجد اليوم مستخدمًا لشبكات التواصل الاجتماعي لا يتابع أحد هؤلاء الأطباء، إذ يجذبون بموهبتهم في الكتابة الساخرة مئات الآلاف من المتابعين والقراء، فقد أتقنوا نقل المواقف التي تحدث في المستشفيات الحكومية أو مجتمعهم بطريقة كوميدية، وأخذوا ينشرون على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بهدف معالجة الظواهر السلبية في المجتمع المصري من خلال النقد الساخر.

من الطب إلى «الألش»

بدأ الطبيب محمد جمال (27 عامًا) الكتابة الساخرة عام 2013، كان حينها كأي طالب بكلية طب، لديه رغبة في التعبير عما يجول بخاطره حول ظروف الدراسة، دون الانتباه إلى أن لديه «ملكة الكتابة»، فعندما كتب عن تجربة طالب طب مصري، استخدم صدأ الحديد في طب الأسنان، كان يريد السخرية من الاختراعات المصرية التي كانت تظهر بين الفينة والأخرى. التدوينة التي نشرها على فيس بوك، انتشرت بشكل كبير، حتى أن البعض صدق أنها حقيقية!

يكتب جمال اليوم، عن تجاربه الشخصية مع سائق «التوك توك»، مع المريض، ومع رئيسه في العمل، ومع أصدقائه. تناول أيضا بالنقد والسخرية، المسلسلات الرمضانية، وركز في الكتابة الكوميدية على أنها تدور في نفس الدائرة. يقول جمال لـ«ساسة بوست»: «صحيح أنني أكتب في إطار كوميدي، لكن ما بين السطور، هناك شيء أريد أن أوصله عند السخرية من قضية مجتمعية ما، وتحمل كتاباتي طابعًا سياسيًّا يعبر عن وجهة نظري ولا أكترث بمعارضتي من قبل المتابعين».

غلاف كتاب «رحلتي من الطب إلى الألش»

جمال، المتبقي له عام واحد على نهاية ماجستيره في التركيبات الثابتة وزراعة الأسنان، ذكر أنّ الكتابة لديه لا طقوس لها، فبمجرد أن تخطر بباله فكرة، يُخرج هاتفه المحمول، أو حاسوبه المحمول ليكتب ما لديه بشكل عفوي، ودون تحضير مُسبق.

لم يقتصر إنتاج جمال في الكتابة الساخرة على شبكات التواصل الاجتماعي، بل ألّف كتابين، الأول «رحلتي من الطب إلى الألش»، والثاني «رحلتي من الطب إلى سوق العبور»، في الكتاب الأول تناول مواقفه الشخصية في عيادات وزارة الصحة المصرية، حيث – كما يقول – التقصير، ونقص الإمكانيات، وهو يكتب بسخرية ليقول للمجتمع المصري إن «الطبيب بيغزل برجل حمار»، وأن التقصير في المجال الصحي ليس من الطبيب نفسه، لأن وزارة الصحة منظمة غير كاملة، والمواطن المصري لا يرى أمامه إلا طبيبًا فيختزل هذه المنظومة في الطبيب، فيقل أدبه. ويتطاول على الطبيب، كما يقول.

وعن الانطباع السائد بأن الأطباء جديين يقول «جيمي» كما يعتاد أن يخاطبه أصدقاؤه: «90% من الأطباء دمهم خفيف وشاطرين، والانطباع بأن الطبيب الجيد هو طبيب رخم وفاشل في حياته الاجتماعي غير صحيح، بدليل أن أغلب الأطباء الناجحين لديهم مواهب خارج المجال الطبي، من كتابة أو فن أو رياضة».

الضحكة أبسط طريق لقلب أي شخص

وسام فوزي (27 عامًا)، الطبيب الشغوف بالقراءة منذ الصغر، بدأ يجنى ثمرة حبه للقراءة عندما أخذ يكتب بطريقة ساخرة على «جروب الدفعة» فالتفت الجميع لموهبته.

سرعان ما وجد فوزي تشجيعًا كبيرًا ممن حوله على مواصلة الكتابة. لاحظ الجميع تميز أسلوبه في الكتابة، فقد استطاع أن يوصل المعلومة بطريقة سلسة ومضحكة. أخذ فوزي يكتب أكثر عبر صفحته على «فيسبوك»، حيث تناول في كتاباته قضايا تثير القارئ المصري، تارة يكتب عن الأوضاع في مجال الطب، وأخرى عن ظرف سياسي حاضر.

يقول وسام لـ«ساسة بوست»، إنّه يهدف إلى توصيل المصطلحات الصعبة بأسلوب سلس، بإمكان أي شخص أن يفهمه، وهو على يقين أنّ «الضحكة أبسط طريق لقلب أي شخص»، مُضيفًا: «أهدف إلى رفع المستوى الثقافي واللغوي بأسلوب المصطلحات الدارجة من خلال الكتابة الساخرة».

وسام فوزي (مصدر الصورة: صفحته الشخصية على فيسبوك)

ويوضح فوزي أنه يأمل في توظيف موهبته في تقديم شيء مفيد للمجتمع، فهو يرى أن «قوة السوشيال ميديا في توجيه الجماهير أصبحت قائمة، فعندما يثق الناس في رأينا ومواقفنا، يكون علينا واجب الكتابة في أمور لها قيمة وفائدة، وهذا لا يعني تجاوز الكتابة في أمور مضحكة». وفي رده عن اعتقاد الناس بأن الأطباء لا تضحك وأنهم جادّون أكثر مما ينبغي، يضحك وهو يقول: «بنحاول نحسن الصورة أمام الناس».

الكوميديا من باب «يوتيوب»

مؤيد الثقفي (26 عامًا)، طبيب سعودي، بدأ الكوميديا من باب موقع مقاطع الفيديو «يوتيوب»، وذلك عندما شارك في بعض حلقات برنامج «ع الطاير»، ثم برنامج «لا تسدد».

مُنذ كان طفلًا أحب العمل الفني، حيث شارك في المسرح مع فرقة تُقدّم أعمالًا للأطفال. ويُصنف الثقفي نفسه كشخصية اجتماعية، فعبر موقع التدوينات القصيرة «تويتر»، يُغرّد تارة عن معلومات صحية عامة وأخرى عن قضايا مجتمعية شبابية، إذ يحرص على تناول قضايا تلامس الواقع من الجمهور السعودي والعربي بشكل عام، كما يقول.

يقول الثقفي الذي عرض له مع ثلاثة زملاء آخرين برنامج «ليش لأ» على قناة «إم بي سي»، إنّ «بدايتي عن طريق ثورة البرامج اليوتيوبية التي حصلت في منطقتنا عام 2011، وتحديدًا عن طريق المسلسل الدرامي «تكي»، والذي حقق نجاحًا باهرًا ومشاهدات عالية على الصعيد المحلي».

مؤيد الثقفي (مصدر الصورة: حسابه الشخصي على تويتر)

ويُضيف في حديثه لـ«ساسة بوست»: «من ثم دخولنا لعالم السوشيال ميديا عبر تويتر وانستجرام، كنا معروفين كممثلين وأصحاب برامج يوتيوبية، مما دفع الكثيرين ممن يهتمون ببرامجنا إلى سرعة متابعتنا على حساباتنا الخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي».

وعلى عكس الأطباء السابقين الذين تحدثنا لهم، يرى الثقفي أن الأطباء في غالبيتهم جادين، مُستدركًا: «لكن البعض منهم تميّز في خطوط أُخرى غير مجال الطب».

«بالطو وفانلة وتاب»

أحمد عاطف، الطبيب المصري الذي يعمل في مستشفى دار السلام بالقاهرة، هو أيضًا أحد أبرز الكتاب الساخرين عن يومياته بالوحدة الصحية، أو تعقيباته على مشاهد الدراما والسينما المصرية.

يكتب عاطف عبر صفحته على «فيسبوك»، التي وصل عدد متابعيها إلى 316 ألفًا، عن مغامراته في الوحدة الصحية التي يعمل بها، سواء مع المرضى أو طاقم العمل، ولا تقتصر كتابته على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد ألّف كتابًا بعنوان «بالطو وفانلة وتاب»، مُقتبسًا من اسم الفيلم المصري «شورت وفانلة وكاب».

يختار عاطف مشاهد من المسلسلات والأفلام، الذي يعتبرها «ضعيفة وغير متقنة، وتستخف بعقل المشاهد المصري والعربي»، ليُعيد صياغتها وتوصيفها بشكل كوميدي، ولا يكتفي بالكتابة، فمع كل منشور، يُتبعه بصور تعبيرية ساخرة، ووسوم طريفة، تحصد آلاف الإعجابات من متابعيه.

تعلق الكاتبة ياسمين عادل، على حالة أحمد عاطف، فتقول: «نقطة القوة كانت خفة دم أحمد الطبيعية غير المبتذلة. هو حكاء بارع، يجيد الوصف دون إسهاب، ويجيد إلقاء «الإفيه» الذكي في مكانه، وهو سريع الملاحظة وحاضر الذهن للغاية».


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد