«السينما المقاتلة» توصيف ينطبق بدقة على السينما التسجيلية والروائية القصيرة، نظرًا لكم المشاكل التي يعاني منها صناع هذه الأفلام؛ سواء على مستوى الإنتاج أو التسويق أو غيرها من الصعوبات التي تهدد استمرارها، وتغلق الستار على أحلام وطموحات أجيال من المبدعين، يرون فيها المتنفس لأفكارهم عن الحياة والسينما التي يحلمون بتقديمها.

الشريط السينمائي.. بوابة عالم السحر

من المؤكد أن الأفلام الروائية الطويلة سواء المحلية أو العالمية، التي تعرض في دور العرض السينمائي أو على الشاشات، ليست المعيار الوحيد لفن صناعة السينما، وبعيدًا عن فكرة التسلية التي يراها البعض معادلًا منطقيًّا لتواجد هذه الصناعة على الساحة، فإن السينما في جوهرها صناعة وفن؛ ومحاولة لفهم ما يدور حولنا سواء في الماضي أو الحاضر وحتى في المستقبل، وإعطاء معنى جديد تتداخل فيه  رؤية المبدع وأفكاره.

بمعنى آخر إذا كان البعض يرى في الشريط السينمائي عمومًا -وبغض النظر عن زمنه أو تصنيفه سواء تسجيلي أو روائي-، وثيقة على العصر الذي تم تصويره فيه، فالفيلم ليس فقط محاولة لتسجيل الواقع وتوثيقه، ولا إعادة الأحداث للحياة مرة بعد أخرى، بل هو عالم من السحر تتلاشى فيه المسافة بين الشاشة ومقاعد المتفرجين، فما يتحرك أمامنا بغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا حوله، إلا أنه حتمًا ينفذ إلى عقولنا وقلوبنا ويداعب وجداننا وأرواحنا، شريطة أن يكون صادقًا.

باختصار؛ الشريط السينمائي ليس هو التتويج لسلسلة طويلة من المحاولات التقنية والعلمية، من أجل توثيق وتسجيل العالم في حركته، ولكنه محاولة لترجمة علاقة الفنان بالواقع، يتداخل فيها الضوء بالألوان، مع الموسيقى والمشاعر، وكل ذلك يجب أن يتجاوز الشاشة ويتلامس مع دواخلنا، بعيدًا عن «إفيه» يداعب الغرائز ويحلل ثمن التذكرة، أو قُبلة ضلت طريقها من مقص الرقيب.

من هنا تكمن أهمية هذه النوعية من السينما بشكل عام، التسجيلية والروائية القصيرة بالأخص، لكونها الأكثر توافقًا مع هذا المفهوم سواء على المستوى الفني أو لما تتمتع به من حرية في مناقشة الموضوعات.

سينما مجهولة ومعرضة للاندثار

في الوقت الذي يرى فيه البعض أن السينما التسجيلية والروائية القصيرة باتت أكثر نضجًا واستعدادًا للانطلاق نحو آفاق أكثر رحابة، خصوصًا في ظل الثورة التكنولوجية القائمة على قدم وساق، والتي يمكن تلمسها في تطور الكاميرات ومعدات الإضاءة والمونتاج، وغيرها من التفاصيل التي ساهمت بلا شك في تطور الصناعة بشكل عام، خصوصًا في ظل وجود مواهب لفتت الأنظار بقوة لما حققته من نجاحات؛ إلا أن المعاناة المريرة التي تواجه صناع هذا اللون من السينما  قد تهددها بالاندثار على الرغم من أهميتها على الأقل في تفريغ جيل جديد من المبدعين.

المشاكل التي تواجه صناع هذه الأفلام كثيرة ومتعددة، لكن يظل أكثرها قسوة هو عدم وجود جهات تتحمس لإنتاجها على حد توصيف المخرج علي الغزولي، أحد الأسماء اللامعة في صناعة السينما وبالأخص السينما التسجيلية.

فمن واقع تجربته الفنية الطويلة يقول الغزولي لـ«ساسة بوست»، بأن: «مشكلة الإنتاج كانت وستظل من أكبر الصعوبات التي يواجهها صناع السينما بشكل عام وهذه السينما بشكل خاص، تلك الجهات التي تتقلص كل فترة،  مقارنة بسنوات مضت، ربما كان في مقدمتها التلفزيون المصري (إدارة الأفلام التسجيلية التابعة للقطاع الاقتصادي بماسبيرو)، كذلك المركز القومي للسينما، والهيئة العامة للاستعلامات، إضافة لعدد من الوزارات التي كانت تنتج أفلامًا تخدم سياستها ونشاطها مثل وزارة الزراعة (أفلام تتضمن نصائح للفلاحين) أو وزارة الصحة (إرشادات للصحة العامة) كذلك السياحة والأثار».

ورغم أن معظم هذه الأفلام كما يؤكد الغزولي يمكن تصنيفها في إطار الخدمة الإعلامية، إلا أنها وبلا شك أثرت الساحة، وفرضت تخصيص جزء من الميزانية في مثل هذه القطاعات لإنتاج هذه الأعمال، وهو ما تراجع تمامًا الآن، حتى على مستوى الجهات المتخصصة مثل المركز القومي للسينما، فلم نعد نرى إنتاجًا يحمل توقيع المركز، كذلك مسابقات الدعم التي تخصصها وزارة الثقافة المصرية، توقفت منذ عام 2013 ولأسباب غير مفهومة رغم إعلان الدولة أكثر من مرة، دعم صناعة السينما بمبالغ كبيرة، والتي في حال تطبيقها ستسهم حتمًا في ظهور العديد من الأعمال المتميزة، كذلك ستثري الساحة بالكثير من المبدعين،  بحسب الغزولي.

الدين والسلطة والمخدرات.. 7 أفلام وثائقية تخبرك كيف تقوم الحروب الأهلية

بين مطرقة  ثقافة التلقي وسندان جهات الإنتاج

من جانبه يقول المخرج بهاء الجمل لـ«ساسة بوست»: «أن المشكلة هنا تكمن في افتقاد الجمهور لثقافة التلقي، ففي الخارج؛ يتم تربية الطفل على مشاهدة هذه الأعمال سواء في دور العرض أو عبر القنوات أو من خلال المهرجانات السينمائية، التي يحرصون على أن يشارك  فيها الطلبة للتعرف على ثقافات العالم من خلال الأفلام السينمائية، ومناقشة صناعها للوقوف على كل التفاصيل والتجارب سواء الفنية أو الحياتية».

يسهم ذلك على حد توصيف بهاء في تربية أجيال لديها هذا الوعي بدور السينما على كافة المستويات، وتكون على دراية أيضًا بثقافات وحضارات مختلفة، أما هنا فعلى العكس تمامًا، لدرجة أن كثيرًا من الجمهور لا يعرف شيئًا عن الفيلم التسجيلي أو حتى الروائي القصير، والفرق بينه وبين الأفلام التي تعرضها الشاشات، بل لا يدركون ماهية السينما التسجيلية أصلًا ودورها، وأنها ليست فقط وسيلة للتسلية ولكن للتثقيف أيضًا، بحسب بهاء.

ويضيف بهاء أيضًا: «أن هناك بلدانًا عديدة تتعامل مع الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة بوصفها مصنفًا فنيًّا قابلًا للربح، تمامًا مثل الفيلم الروائي الطويل، الأمر الذي يفسر اكتمال دوائر صناعة هذه الأعمال، بما يسمح بدوران عجلة إنتاجها مجددًا. فالفيلم لديهم يجد بسهولة جهة إنتاج، ويتم عرضه في دور العرض أو على القنوات الفضائية التي تتحمس لشرائه، ما يسمح بأن يتكسب صانع الفيلم من ورائه ومن ثم يمكنه تقديم غيره وهكذا، أما هنا فالأمر مختلف تمامًا، فبالكاد يمكننا إنتاج أفلامنا، والجهة الوحيدة التي تتحمس لعرضها، هي المهرجانات سواء محلية أو أجنبية».

المخرج محمود سليمان هو الآخر يؤكد على افتقادنا لثقافة التلقي ومن ثم الحماسة لإنتاج أو مشاهدة الفيلم التسجيلي، وأهمية الدور الذي يلعبه على الساحة بشكل عام، مشيرًا إلى أن تقليص دوائر الإنتاج امتدت أيضًا إلى صناديق الدعم التي كانت  تقدمها بعض المهرجانات العربية، مثل مهرجان أبوظبي الذي توقف منذ سنوات، ثم لحق به مؤخرًا مهرجان دبي السينمائي على الرغم من النجاحات التي حققها، وقدرته على تحريك المياه الراكدة في صناعة السينما عمومًا، لذا جاء توقيفه هو الآخر صدمة لعدد كبير من المبدعين، الذين كانوا وما زالوا يرون فيه الأمل لدعم إبداعاتهم.

فيما يكشف المخرج حسان نعمة لـ«ساسة بوست»، جانبًا آخر من المأساة التي يعاني منها صناع هذه السينما، إذ يؤكد أن عدم الحماسة لإنتاج هذه النوعية من الأفلام، سواء تسجيلية أو روائية قصيرة لا يقتصر فقط على جهات الإنتاج فحسب؛ ولكنها تمتد أيضًا لأهل الصناعة نفسهم من ممثلين ومصورين ومهندسين صوت ومختلف المجالات الفنية، وحتى مع وجود أجر كامل لهم ضمن ميزانية الفيلم، إلا أنهم لا يتحمسون للمشاركة بوصفه عملًا غير جماهيري، مشيرًا إلى أن مشاركة الفيلم في مهرجانات دولية لا تحمسهم ولا تغير من  نظرتهم لها.

أما المخرج أدهم الشريف، ففي رصده لجانب آخر من الصعوبات التي تواجه صناع هذه الأفلام، يشير إلى أهمية التسويق، بوصفه من أهم المشاكل التي يعاني منها صناع الفيلم الروائي القصير أو التسجيلي في مصر بالتحديد، مشيرًا إلى أن هذه الصناعة عالميًّا، تجد من يؤمنون بها ويوفرون لها وسائل  دعم سواء للإنتاج أو للتوزيع.

أدهم يؤكد أيضًا لـ«ساسة بوست»، أن خوض مثل هذه التجارب وبالأخص في بداية المشوار تسهم في صياغة «صانع أفلام film maker» محترف لأنها تتيح لصاحبها العمل بحرية ومن دون حسابات تتعلق بالسوق، إضافة لأنها تتيح له تجربة أدواته الفنية بحرية ومن ثم التعلم من أخطائه، وبنظرة سريعة على أبرز الأسماء الفنية والتي كانت وستظل لها بصمتها الخاصة وموقعها المميز على الخريطة الفنية وفي ذاكرة السينما سنكتشف أنهم خاضوا مثل هذه التجارب في بداياتهم.

تصاريح التصوير أحد أبرز المشاكل التي تواجه صناع الأفلام وهو ما أجمع عليه جميع المخرجين، مؤكدين ضرورة  اللجوء للتحايل من أجل الحصول عليها، نظرًا لصعوبة إجراءات استخراجها إضافة لارتفاع سعرها بما يعوق أي ميزانية، خصوصًا وأن ميزانيات هذه الأفلام أصلًا محدودة.

أيضًا مشكلة التصاريح تدفع أحيانًا مخرج العمل لتقليص مساحة التصوير الخارجي بما ينعكس سلبًا على الفيلم وصورته النهائية وفقًا لما أكده المخرج بهاء الجمل لـ«ساسة بوست».

أما المخرج حسان نعمة  فيشير إلى أن مخرج الفيلم التسجيلي والروائي القصير يتحمل كل تبعات العملية الإنتاجية؛ من البداية وحتى يخرج الفيلم للنور، إذ يتابع بنفسه كل مراحل تنفيذ العمل نظرا لعدم وجود مساعدين أو فنيين يتحمسون للمشاركة، ما يؤثر بالتأكيد على دوره الإخراجي.

10 أفلام عليك مشاهدتها إذا كنت تفكر في الزواج قريبًا

هل هي مجرد محطة عبور إلى للسينما الأكثر جماهيرية؟

المخرج محمود سليمان من جانبه يرفض تصنيف الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة بوصفها مجرد محطة فنية يترقى بعدها المخرج ليبدأ مشواره الاحترافي مع السينما التجارية، وكأن تجاربه الأولى لم تكن احترافية، رغم أن ذاكرة السينما ما زالت تحتفظ بأسماء مبدعين ظلوا مخلصين لهذا النوع من السينما وبالأخص السينما التسجيلية.

أما عن ارتباط السينما التسجيلية والروائية القصيرة بمرحلة البدايات في مشوار المخرجين، فذلك يرجع لكونها أشبه ببطاقة تعارف أو سيرة ذاتية يقدمها المخرج لأهل الصناعة وللجمهور المحدود الذي يحرص على متابعة هذه الأعمال، أما الاستمرار في  تقديمها، فيظل مرهونًا بمدى إيمان المخرج بها وسيلة يقدم من خلاله رؤيته الخاصة.

وهو ما اختلف حوله المخرجون بهاء وأدهم وحسان، مؤكدين أن تجاربهم الأولى كانت مرحلة «تسخين» قبل الدخول للعالم الأكثر رحابة، مؤكدين اعتزازهم بتجاربهم والتي أتاحت لهم التعلم والتجريب.

أما عن تمسكه بالسينما التسجيلية أو بالأحرى إخلاصه لها، وأنه لم يهجرها يومًا ليرفع راياته على أرض السينما الروائية الطويلة أو كما يسميها البعض التجارية؛ يقول الغزولي: «هناك خصوصية  في السينما التسجيلية تسمح للمبدع بحرية أكثر من الفيلم الروائي، ومرونة في العملية الإبداعية، إذ لا يوجد ما يعرف بالسيناريو النهائي للفيلم التسجيلي، فاللحظة الإبداعية عنده متصلة ومستمرة منذ وضعه لرؤيته السينمائية بعكس الفيلم الروائي المكبل بقيود عديدة، من بينها سطوة النجوم ومطالب المنتجين وغيرها، مما يحد كثيرًا من حرية المخرج التسجيلي كما أشرت سلفًا».

وبسؤال المخرج محمود سليمان، لماذا لم تحقق السينما التسجيلية نجاحًا وانتشارًا أسوة بألوان أخرى؟ أرجع السبب إلى الفكرة المترسخة عن هذا الفن داخل وجدان قطاع كبير من الجمهور،  وكثير أيضًا من أهل الصناعة نفسهم، والخلط بين الفيلم التسجيلي والريبورتاج المرئي أو التقرير التلفزيوني، الذي يتكون من مجموعة من اللقطات نراها مصحوبة بتعليق، ونظرًا لرداءة الصناعة فقد تسبب ذلك في نفور الجماهير منها، غير أن هناك بالفعل أجيال نجحت في تعديل الصورة.

الموهبة وحدها لا تكفي.. ما شروط الوصول إلى النجومية في الوسط الفني؟