3,566

ربما قد سمعت المصطلح من قبل؛ خلال متابعتك مهرجانًا سينمائيًا ما، أو شاهدت قناةً تليفزيونيةً تستخدمه جزءًا من اسمها، مثل «الجزيرة الوثائقية»، أو نوعًا لمعظم المواد التي تعرضها، مثل قناة «ناشونال جيوغرافيك»، لكن هل تعرف حقًا ماذا يعني هذا المصطلح؟ وما الفرق بين الفيلم الوثائقي وأي فيلمٍ آخر؟ وماذا تُسمى تلك الأفلام الأخرى؟

فيما يلي، نُجيبك عن بعض هذه الأسئلة، وربما أكثر.

ما هو الفيلم الوثائقي؟


الفيلم الوثائقي هو فيلم يحاول «توثيق» الواقع. حتى ولو اختيرت مشاهِده ورُتِّبَّت على نحوٍ معيَّن خلال مرحلة «المونتاج»، لكنها ليست مشاهدَ مُفتعلة، ولا مكتوبة مُسبقًا، في سيناريو، ولا يقوم بتجسيدها ممثلون.

تُستخدَم الوثائقيات ـ عادةً ـ للبحث عن زوايا غير مُعتادة؛ للنظر إلى قضيةٍ أو موضوعٍ ما. وعادةً ما يدفع صُناع الأفلام الوثائقية لإخراج فيلمٍ جديد شعورُهم أن قصةً أو وجهةَ نظرٍ محددة، لم تُغطِها وسائل الإعلام التقليدية على نحوٍ مُلائم.

إذن، يُطلعك الفيلم الوثائقي على عوالم وخبراتٍ جديدة، عن طريق تقديم معلوماتٍ واقعية بشأن أناسٍ وأماكن وأحداث حقيقية، لكن «الحقيقة» وحدها لا تكفي، بل تلزمها رؤية إخراجية تربط بين مُختلف المعلومات والصور الفوتوغرافية، والمقاطع الصوتية، والمُصوَّرة، في بناءٍ مُتماسك تخرج منه بقصةٍ تُمتعك في الوقت الذي تزودك فيه بالمعلومات.

المقادير.. أو ما يجعل الفيلم وثائقيًا

يتكوَّن الفيلم الوثائقي من مشاهد سينمائية أو مقاطع فيديو، وصور فوتوغرافية، ومقاطع صوتية لأشخاصٍ حقيقيين وأحداثٍ واقعية. كما يمكن أن تُضاف له الموسيقى، وبعض المؤثرات البصرية، أو الصوتية، على أن يُعبَّر مجموع هذه الأشياء في النهاية عن وجهةِ نظرٍ مُعينة، أو يحكي قصةً أو تجربةً ما، أو يبعث رسالةً مُحددة. الفيلم الوثائقي إذن هو حاصل جمع «الحقيقة»، ووجهة نظر مخرجه.

عادةً ما تطول مُدة الفيلم الوثائقي عن 30 دقيقة، إلى ساعتين؛ بما يناسب جدول عرض القنوات التليفزيونية أو العروض السينمائية. مع ذلك، عادةً ما يتم إنتاج وثائقيات أقصر طولًا، خاصةً مع تطور الإنترنت، وصناعة الفيديو؛ فأصبح هناك أفلام وثائقية قصيرة تتراوح فترة عرضها بين دقيقتين إلى 25 دقيقة فقط.

كيف يختلف هذا النوع من الأفلام عن غيره؟ حسنًا، لنحدد أولًا ما هو «غيره». تنقسم الأفلام، تبعًا لهذا التصنيف، إلى أفلامٍ وثائقية، وأخرى روائية. الأفلام الروائية هي التي يقوم ممثلون بأداء شخصياتها، وهي لا تقوم بالضرورة على أحداثٍ واقعية، وتندرج تحتها كافة أنواع الأفلام الجماهيرية الشائعة، من «دراما، ورومانسية، ورعب، وأكشن، وخيال علميّ»، وغيرها.

الآن، ما الذي يُميِّز الفيلم الوثائقي عن الأنواع السابقة؟ الفيلم الوثائقي يُركز على الحياة الواقعية، ويتضمَّن موادًا عن وقائع حدثت بالفعل. على سبيل المثال: إن فيلمًا روائيًا عن «الحرب العالمية الثانية» سوف يستعين بممثلين للقيام بأدوار الجنود، وإعادة تجسيد الأحداث والمعارك الحقيقية أو المُتخيَّلة. أما الفيلم الوثائقي، فإنه على العكس من أفلام الدراما، قد يعرض لقطاتٍ حقيقية للقتال الذي جرى بالفعل، وربما يضيف تعليقات الخبراء والمحاربين القدامى الذين حضروا الحرب حقًا.

وثائقي أم تسجيلي؟

كان السينمائي الاسكتلندي «جون جريرسون» (John Grierson)، والذي يُعتبر رائد صناعة الأفلام الوثائقية البريطانية والكندية، أول مَن استخدم مصطلح «documentary» في نقده فيلم (Moana) للمخرج الأمريكي «فرانسيس فلاهيرتي» (Frances H. Flaherty)، ثم كان «سعد نديم»، رائد النوع نفسه من الأفلام، ولكن في السينما المصرية، أول مَن ترجم المصطلح إلى «تسجيلي».

انتشر التعبير في مصر؛ إذ تأسس «المركز القومي للأفلام التسجيلية والقصيرة» وأُطلِق «مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة» الذي تستمر دوراته حتى الآن تحت الاسم نفسه. لكن يبدو أن العرب خارج الأراضي المصرية ارتأوا أن هناك تسمية أدق، فأطلقوا على هذا النوع من الأفلام تسمية «وثائقي»؛ ربما لأن أي فيلم، سواء كان روائيًا أم وثائقيًا، هو فيلم تم «تسجيل» أحداثه مًسبقًا، وبالتالي فكل الأفلام هي في الأصل «تسجيلية».

ثمة وجهة نظر أخرى تدعو للاستفادة من ثراء اللغة العربية؛ إذ نملك خيارين لتسمية هذا النوع من الأفلام، بخلاف الإنجليزية التي ليس بها ما يعبر عنه سوى كلمة «documentary». هذه الرؤية تعتبِر الفيلم «التسجيلي» هو ما يتدخل فيه المخرج ليغير بعض الحقائق البسيطة، أو ليتحكم في كيفية تقديمها، مثل اختيار مواقع التصوير ومواعيده وما تقوم به الشخصية أثناء الحديث، وهو ما قد لا تفعله الشخصية في حياتها اليومية الواقعية. أما «الوثائقي»، حسب هذا الرأي، فهو ما يقدم الحقيقة صافيةً خاليةً من أي تدخل، لا بالتركيب ولا الافتعال ولا غيرهما.

طريقتان أو أكثر لرواية الحقيقة


أحد أنواع الوثائقيات التي اشتهرت في الخمسينيات كان يُسمى (cinema verité) بالفرنسية، ويعني «سينما الحقيقة»، وهو نوع من الأفلام التي لا تتضمن تعليقًا أو سردًا صوتيًا، وإنما تكتفي الكاميرا بتتبُّع الشخصية وحسب، مثل فيلم (Don’t Look Back)، عن سيرة المغني «بوب ديلان» (Bob Dylan) الذاتية، بالتحديد خلال جولته في بريطانيا عام 1965.

ثمة أسلوب آخر مُسمى باسم المخرج الذي أشاعه، هو أسلوب «كين بيرنز» (Ken Burns)، وعادةً ما يتضمَّن تعليقًا صوتيًا يقرأ وثائقًا تعود إلى فترةٍ تاريخية ما، بالإضافة إلى الموسيقى والصور التي يتم عرضها على الشاشة؛ في محاولة لاستعادة الماضي، ولو للحظات أمام الجمهور.

نظرة إلى البداية


كانت أفلام بدايات السينما ـ بكل أنواعها ـ هي فعليًا أفلامٌ وثائقية؛ إذ تكوَّنت من لقطاتٍ مُنفردة لأحداثٍ حقيقية، مثل قاربٍ يغادر الشاطئ، وكان يُشار إلى هذه الأفلام باسم أفلام «الحقيقة». اتخذت بعض الإنتاجات الوثائقية المُبكرة الأخرى درب «البروباجاندا»، مثل فيلم (Triumph of the Will)، الذي صَوَّر «أدولف هتلر» بطلًا بالنسبة للألمان، للمُخرجة الشهيرة «ليني ريفنشتال» (Leni Riefenstahl).

هل يذهب الناس لمشاهدة «الحقيقة»؟

مع التطور الذي شهِدَه الإنترنت، وظهور مواقع مثل YouTube وVimeo، ونظرًا لقلة تكلفة الإنتاجات الوثائقية بشكلٍ عام، باتت الوثائقيات نوعًا حاضرًا في المشهد الإعلامي، خاصةً على شاشات التليفزيون. اشتهر هذا النوع بحلول القرن الواحد والعشرين، بالرغم من أنه يظل أقل شهرةً من أنواعٍ سينمائية أخرى، مثل أفلام «الأكشن والمغامرات».

ربما قادته إلى هذه الشهرة أفلامٌ مثيرة للجدل، مثل (An Inconvenient Truth) و(Super Size Me). وبحلول عام 2012، أصبح فيلم «مايكل مور» (Michael Moore)، (Fahrenheit 9/11)، الذي وثَّق علاقة عائلة «بوش» بالمملكة العربية السعودية وعائلة «أسامة بن لادن»، أصبح هذا الفيلم أكثر الأفلام الوثائقية جماهيرية؛ إذ حَصَد إيراداتٍ تُقدَّر بما يزيد على 220 مليون دولار في جميع أنحاء العالم.

لكن هذا نموذج نجاحٍ واحد ضمن آلاف الأفلام التي يتم إنتاجها، ولا تحصل على التقدير الكافي، أو نسب المشاهدة التي تستحقها، بالمقارنة مع أفلامٍ أخرى ربما تكون مُسلية، لكنها لا تقدم أية إضافة لمشاهديها. وبينما تعكس شهرة بعض هذه الأفلام رغبةَ فئةٍ من الجمهور في مشاهدة أفلامٍ ذات رسالةٍ جديّة، إلا أنه يبدو أن هذه الفئة ما تزال قليلة جدًا، ليظل السؤال الأهم هُنا: هل يرغب الجمهور في مشاهدة «الحقيقة» أصلًا؟

تعليقات الفيسبوك