معركة قانونية لا تقل كثيرًا عن السياسية والعسكرية، يخوضها الفلسطينيون محليًّا وعربيًّا ودوليًّا، لإدانة الاحتلال الإسرائيلي بجرائمه ضد سكان قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة، فهل سيشهد الفلسطينيون توصيات جديدة تثبت تورط قادة الاحتلال في جرائم حرب إنسانية وأخلاقية كما أقر بذلك مدعي جرائم الحرب الدولي ريتشارد غولدستون بعد حرب ألفين وثمانية، أم أن عدم امتلاك المجتمع الدولي للإرادة السياسية سيحول دون تحقيق ذلك؟

وبناء على الخبرات السابقة التي مر بها الفلسطينيون عقب كل حرب تشنها إسرائيل، والمطالبة بضرورة محاكمتها وإدانتها، فإن المؤشرات على أرض الواقع توحي أن الفلسطينيين لا يملكون أي قرار في ذلك، مما يعني أن شكواهم ورسائلهم إلى هيئة الأمم المتحدة، ومحكمة الجنايات الدولية ستبقى حبيسة الأرفف.

في أقل من ست سنوات عاش الفلسطينيون حروبًا ضروسة مع إسرائيل، لتكون الأخيرة الأكثر عنفًا ودمارًا وخرابًا، وفي كل مرة تأخذ المطالبات والدعوات لضرورة محاكمة إسرائيل على جرائمها مساحة كبيرة، وأوقاتًا طويلة، لاتخاذ قرار بإدانة إسرائيل على الأقل، لكن لا شيء تحقق بعد الحرب الأولى، فكيف بالثانية والثالثة؟!

ورقة ضغط

مسعفون ينتشلون جثة طفل في حي الشجاعية بغزة

في الحديث عن الخيارات المتاحة للملاحقة الجنائية للاحتلال يؤكد حقوقيون أن انضمام السلطة الفلسطينية لنظام روما يعد أمرًا هامًا، لافتين إلى أن مجرد تجديد طلب انضمام السلطة الفلسطينية للنظام لدى المدعي العام يعني الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالجرائم المرتكبة قبل الأول من تموز عام ألفين واثنين، أي قبل تاريخ إنشائها، لكن المشكلة تكمن في التنفيذ، ورفض المجتمع الدولي ملاحقة الكيان الإسرائيلي على جرائمه.

ويعتقد بعض النشطاء في مجال حقوق الإنسان أنه بمجرد انضمام السلطة الفلسطينية لمحكمة الجنايات الدولية، فسوف يتم فورًا محاسبة قادة إسرائيل بشكل حاسم عن أية جرائم حرب تم ارتكابها خلال الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة.

لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فمن يتفحص بدقة بنود اتفاقية روما، والتي تُعد بوابة لأي دولة تريد الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية بمجرد توقيعها على هذه الاتفاقية، فسوف يرى بوضوح أن إسرائيل يمكنها بسهولة التهرب من أية تهمة قد توجه ضد قادتها من قبل السلطة الفلسطينية.

وتنص المادة رقم 11 من اتفاقية روما حرفيًّا على: “إذا أصبحت دولة من الدول طرفًا في هذا النظام الأساسي بعد بدء نفاذه، لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة, ما لم تكن الدولة قد أصدرت إعلانًا بموجب الفقرة 3 من المادة 12”.

معاهدة مشروطة

عائلة فلسطينية تودع أبناءها خلال الحرب الأخيرة

ونستطيع أن ندرك بوضوح من هذا البند المذكور في اتفاقية روما، أن أي دولة لا تستطيع المطالبة بالتحقيق في أية جرائم حرب قد حدثت في أراضيها قبل سريان مفعول انضمام تلك الدولة لمحكمة الجنايات الدولية، وبما أن السلطة الفلسطينية لم تنضم لمحكمة الجنايات الدولية قبل حدوث عملية الجرف الصامد، فإنه بذلك قانونيًّا لا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تحاكم أي قائد أو مسئول إسرائيلي عن أية جرائم حرب حدثت بالسابق، قبل تاريخ انضمام السلطة الفلسطينية لمحكمة الجنايات الدولية.

لكن يمكن للسلطة الفلسطينية محاكمة قادة إسرائيل فقط عن الوقائع التي ستحدث بعد تاريخ انضمامها لمحكمة الجنايات الدولية، لذلك فمن يعتقد أن القادة الإسرائيليين قد يتم محاكمتهم حول غزة، فإن هذا الاعتقاد بعيد عن واقع القانون الدولي، إلا أنه يمكننا القول إن انضمام فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية يمكنه أن يجنبنا حدوث جرائم حرب أخرى في المستقبل، وعندها سوف تحسب إسرائيل ألف حساب قبل شنها أية عملية عسكرية جديدة ضد قطاع غزة.

ويرى خبراء القانون الدولي أن الشيء الفعلي الذي يمكن أن تحاكم به السلطة الفلسطينية قادة إسرائيل في المستقبل عبر محكمة الجنايات الدولية هو قضية الاستيطان في الضفة الغربية، حيث ما زال هناك استيطان إسرائيلي في أراضي الضفة الغربية، وليس من المتوقع أن تتخلى إسرائيل عن الاستيطان في المستقبل القريب، لكن بالرغم من مخالفة الاستيطان لمبادئ القانون الدولي لا يمكننا أيضًا التوقع بإمكانية نجاح السلطة الفلسطينية في محاكمة القادة الإسرائيليين بسبب الاستيطان.

بعد انتهاء الحرب الأولى على غزة عام 2008-2009، قدم ريتشارد غولدستون رئيس بعثة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة التي كلفت التحقيق في الانتهاكات تقريرًا يدين قادة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمهم ضد المدنيين.

لكن إسرائيل وكعادتها رفضت التعاون مع التحقيقات قائلة: “إن هناك انحيازًا ضدها”، وهو ما ينفيه غولدستون والأعضاء الثلاثة الآخرين في الفريق.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد