تعيش سوريا الآن مرحلة تشبه إلى حد ما التجربة العراقية في تسعينيات القرن الماضي فيما يخص نية تشكيل قوة كردية نظامية، حيث إن إعلان واشنطن عن تشكيل قوة عسكرية حدودية جديدة من الأكراد في سوريا، يشابه الحالة التي برزت فيها القوات الكردية في العراق «البيشمركة» بعد الغزو الأنجلو أمريكي في عام 2003.

ورغم نفي وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيليرسون تشكيل بلاده قوة كهذه، إلا أن التصريحات الأولية ثم نفيها تشير إلى خطب ما، فلا دخان بلا نار، كما يقول المثل، وفي هذا التقرير سنتعرف على القوة الحدودية الكردية التي أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيلها في سوريا ثم نفت هذا الإعلان ومقارنة الوضع السوري الراهن بالتجربة الكردية في العراق.

الأكراد في سوريا.. تواجدهم وأعدادهم

سوريا؛ القصة التي كان لها بداية في انتفاضة عام 2011 والتي ما زالت تفتقر إلى نهاية تضع حدًّا لما يجري هناك، لا يكاد يتفق مختلف الأطراف على جزئية معينة في الملف السوري قد تفضي إلى حل نهائي، حتى تستعر نار الخلافات من جديد بين مختلف الأطراف بظهور ملف آخر يعكر الأجواء، هذه المرة يطفو على السطح ملف قوة الحدود الكردية التي أعلنت الولايات المتحدة نية تشكيلها وتدريبها بقيادة قوات سوريا الديمقراطية.

يقدر عدد الأكراد في سوريا بمليوني نسمة، وينتشرون في سوريا في ثلاث مناطق رئيسية منفصلة هي الحسكة، وكوباني «عين العرب» وعفرين في ريف حلب الشمالي الغربي، هذا التوزع الجغرافي غير المتصل إضافة إلى وجود مُكوّنات اثنية وقومية أخرى في ريف الحسكة، وعدم وجود الطبيعة الجبلية في المناطق ذات الغالبية الكردية كما في تركيا، وجبال قنديل في العراق، كل هذه العوامل وقفت عائقًا امام أكراد سوريا في القيام بأي أعمال تمرد ضد النظام السوري قبل الانتفاضة.

خريطة توضح سيطرة الفصائل السورية باللون الاصفر-  المصدر: liveuamap

ما قوة الحدود الجديدة التي تزعج تركيا؟ وكم يبلغ تعدادها؟

أعلن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يوم الأحد 14 يناير (كانون الثاني) أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يعمل على تشكيل قوة حدودية جديدة قوامها الكلي يقارب 30 ألف مقاتل، مهمتها حماية المنطقة الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية والأكراد حاليًّا.

من جهته، أوضح مكتب الشؤون العامة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة تفاصيل القوة الجديدة مبينًا أن حوالي نصف القوة المزمع إنشاؤها ستكون من قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، وأن التحالف يعمل الآن على تجنيد النصف الآخر. وفيما يخص عدد الذين باشرت واشنطن تدريبهم، أوضح التحالف أن مجموعة المتدربين الأولى تضم 230 فردًا. وأن القوة ستضم مقاتلين عربًا أيضًا، وسيوزع المقاتلون حسب التوزيع السكاني حيث سيخدمون في المناطق القريبة من منازلهم وفق التركيبة العرقية لهم، إلا أنه وبعد أربعة أيام وتحديدًا يوم الخميس 18 يناير (كانون الثاني) ظهر وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون لينفي نية بلاده تشكيل أي قوة حدودية جديدة، حديث تيلرسون ونفيه للأمر لم يرق للجانب التركي الذي أعلن على لسان وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أن تصريحات نظيره الأمريكي لم تكن مقنعة.

في حال تشكيلها.. أين ستنشر قوة أمن الحدود الجديدة؟ وما الهدف المعلن منها؟

ستكلف القوة الجديدة بتأمين الشريط الحدودي من الحدود الشمالية السورية مع تركيا والحدود الشرقية مع العراق الخاضعة لسيطرة «قسد»، وكذلك أجزاء من وادي نهر الفرات، والذي يعد الخط الفاصل بين قوات سوريا الديمقراطية الكردية وبين القوات السورية النظامية التابعة لدمشق والمدعومة من روسيا وإيران.

هدف واضح من تشكيل هذه القوة أعلنه التحالف الذي تقوده واشنطن، والذي يركز على أن قوة الأمن الحدودية الجديدة ستمنع أي تحرك لتنظيم الدولة (داعش) وستحرمه من نقل المواد غير المشروعة، وأن ذلك سيمكن الشعب السوري من إقامة حكومة محلية ممثلة للشعب  تمهد لاستعادة الشعب السوري لأرضه، بحسب التحالف. وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية حاليًّا على ما يقرب من 25% من الأراضي السورية فى الشمال والشرق السوري وتحاذي بذلك حدود دولتين إقليميين هما العراق وتركيا.

Embed from Getty Images
الرئيس التركي والروسي والإيراني

ما الهدف من تأسيس هذه القوة بحسب معارضي واشنطن؟

تعددت الاتهامات الموجهة للولايات المتحدة لتأسيس قوة أمن الحدود الجديدة، وتوزعت هذه الاتهامات بين تركيا وروسيا وإيران والنظام السوري، حيث اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الولايات المتحدة بتشكيل «جيش إرهابي» بعد إعلانها تشكيل قوة تضم 30 ألف جندي داخل سوريا لحماية الأراضي التي يسيطر عليها حلفاؤها الأكراد.

وقال أردوغان في خطاب ألقاه في أنقرة: «إن دولة نطلق عليها حليفنا تصر على تشكيل جيش إرهابي على حدودنا، ماذا يمكن أن يستهدف هذا الجيش الإرهابي غير تركيا؟ مهمتنا هي إنهاء هذه القوة قبل أن تولد حتى».

كما عارضت روسيا الخطة مؤكدة أنها يمكن أن تؤدي إلى تقسيم سوريا، يقول رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية، العميد هشام جابر، إن إعلان التحالف الدولي تشكيل قوة أمنية حدودية جديدة في سوريا ترتكز على الأكراد أثار غضب دول عدة، وأضاف جابر « أن الإعلان عن تشكيل قوة أمنية حدودية جديدة في سوريا لم يثر غضب تركيا وإيران فقط، بل أثار الغضب السوري والروسي أيضًا، لما له من تداعيات خطيرة، مفادها وجود نية لتقسيم سوريا، بعدما فشل مخطط تقسيم العراق».

وعن الهدف الأمريكي من تشكيل هذه القوة يضيف جابر «أن الولايات المتحدة جهزت الأكراد في شمال الرقة وشرق الفرات، لتحقيق حكم ذاتي يتحول إلى كيان تحميه قوة، قوامها بهذا الشكل، وهو ما يهدد أمن تركيا، ويهدد وحدة سوريا والمصالح الروسية والإيرانية في المنطقة» بحسبه. وتأتي أنباء نوايا تشكيل هذه القوة في الوقت الذي تسعى فيه تركيا وروسيا وإيران لحل الأزمة السورية سياسيًّا في اجتماعات أستانا وسوتشي حيث لم تشارك الولايات المتحدة في هذه الاجتماعات، وفي الوقت الذي تتجهز فيه تركيا على الجانب الآخر لمحاربة الأكراد في الأراضي السورية.

اقرأ أيضًا: «عفرين» تتجهز للحرب.. ما هي خيارات تركيا في مواجهة الأكراد وأمريكا في سوريا؟

إيران من جانبها اعتبرت أن تشكيل واشنطن للقوة الحدودية الجديدة التي ترتكز على الأكراد، سيؤجج من نيران الحرب المستعرة أصلًا، وقال بهرام قاسمي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن تلك القوة ستزيد من التوترات في سوريا وإنها تدخل واضح في شؤون سوريا الداخلية، بحسب قاسمي. أما موقف النظام السوري الرسمي فقد أعرب عن إدانته الشديدة لإعلان واشنطن تشكيل قوة جديدة شمال شرق البلاد، واعتبرَ نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد أن هدف واشنطن، هو محاولة لتقسيم بلاده وإطالة أمد الأزمة، وأن خطوة كهذه لن يكتب لها النجاح في ظل انتصارات جيش بلاده، بحسب المقداد.

Embed from Getty Images
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب

أما موقف أكراد سوريا من هذه القوة الجديدة، تقول السياسية الكردية السورية والعضو البارز في مناطق الإدارة الذاتية الكردية فوزة يوسف إن الأكراد في سوريا يتطلعون إلى تشكيل واشنطن القوة الجديدة من أجل تأمين الحماية الذاتية من التهديدات المتكررة من تركيا ودمشق، وتضيف يوسف: «من أجل أن نتجنب أي هجوم، يجب أن يكون هناك قوة رادعة تقوم بحراسة الحدود التي تفصل بين مناطقنا والمناطق الأخرى» بحسبها، وترى يوسف أن المنطقة ورغم هزيمة تنظيم «داعش» إلا أنها لن تستقر بسهولة، ولا بد من قوة حماية لها.

هل تعيد واشنطن استنساخ التجربة الكردية في العراق وتؤسس بيشمركة سورية؟

البيشمركة تعني بالعربية الفدائيين، ويشير المؤرخون إلى أن تسمية البيشمركة أطلقت أولا على المقاتلين الأكراد القبليين الذين كانوا يؤمنون الحدود في الجبال في أوائل القرن العشرين بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، وبعد تأسيس الدولة العراقية ظلت هذه المجموعات في الجبال منتشرة على الحدود العراقية التركية ولم تكن تتمتع بقيادة مركزية أو موجهة، إلا أنه وفي عام 1961 ومع اتساع وتمدد الحركة القومية الكردية بزعامة الملا مصطفى البرزاني (والد مسعود البرزاني – رئيس إقليم كردستان السابق) اندلعت أولى المواجهات بين الحكومة العراقية والأكراد إثر إعلان البرزاني تمرده على بغداد.

اقرأ أيضًا: كردستان العراق ليست الأولى.. 5 دول كردية استقلت غالبًا لم تسمع عنها!

وشهدت هذه المرحلة زيادة أعداد البيشمركة وأصبحت لديهم قيادة يأتمرون بأمرها، واستمر الصراع بين البيشمركة وحكومة بغداد في زمن نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بصورة متفاوتة حتى حرب الخليج الثانية عام 1991 والتي فرض مجلس الأمن خلالها منطقة حظر طيران تحرّم على القوات العراقية المساس بالمحافظات الكردية. الغزو الأنجلو أمريكي للعراق عام 2003 كان الفيصل في تحول البيشمركة إلى نواة جيش خاص بالإقليم الكردي، واعترف الدستور العراقي الذي أقر في عام 2005 بالبيشمركة قوة عسكرية تتكفل بحفظ الأمن في الإقليم ومنع الدستور الجديد تواجد أي قوة عسكرية تابعة لبغداد إلا بموافقة من سلطة الإقليم في أربيل.

أعادت خطوة واشنطن وإعلانها في بادئ الأمر تشكيل قوة جديدة في سوريا قوامها الأكراد، أعادت إلى الأذهان التجربة الكردية في شمال العراق أو ما يطلق عليه «كردستان العراق» وتشكيل قوات البيشمركة باعتبارها قوة نظامية في المناطق الكردية، إلا أنه من المفارقات الآن المقارنة بين ما يحدث في العراق وسوريا، حيث دافعت واشنطن عن وحدة العراق ورفضت استفتاء الانفصال الكردي هناك، وهي في ذات الوقت تعمل على تشكيل نواة جيش كردي في سوريا، وهو ما يحفز الذاكرة في الربط بين التجربتين الكردية في العراق وسوريا.

Embed from Getty Images
خريطة توضح موقع سوريا بالنسبة للعراق وسوريا وإيران

يقول المحلل السياسي العراقي محمد الزبيدي لـ«ساسة بوست» إن التجربة الكردية في العراق يعاد تدويرها في سوريا بشكل يكاد يكون متطابقًا إلى حد كبير، ففي كلا الحالتين استغلت الولايات المتحدة ضعف الجيشين النظاميين في كلا البلدين، في العراق استغلت واشنطن حالة التمرد الذي عاشه العراق بعد حرب الخليج الثانية في جنوب وشمال العراق وانشغال القوات العراقية حينها بمكافحة التمرد وبسط سيطرتها على محافظات عديدة جنوبية خرجت عن سلطة بغداد في عام 1991 أو ما عرف حينها عراقيًا بـ«الانتفاضة الشعبانية» في المحافظات الشيعية.

نفس الأمر – يضيف الزبيدي – في سوريا، التي يكابد فيها الجيش النظامي في استرجاع مناطق خرجت عن سيطرته منذ أكثر من خمس سنوات، ويضيف الزبيدي أن التجربة العراقية أفادت الولايات المتحدة في اختصار خطوات عديدة في التجربة الكردية فضلًا عن أن الوضع السوري الآن أعقد مما كان عليه الوضع في العراق في تسعينيات القرن الماضي، فالقوات النظامية السورية تقاتل في أكثر من خمس جبهات داخلية، ما يجعلها غير قادرة على القيام بأي تحرك تستطيع من خلاله إنهاء قيام بيشمركة أخرى في الشمال السوري، وفي ختام حديثه لـ«ساسة بوست» يرى الزبيدي أنه حتى لو نفت واشنطن على لسان تيلرسون تشكيل قوة كردية جديدة، إلا أن الوقائع والأحداث تؤكد بما لا يجعل مجالا للشك أن واشنطن ماضية في هذا المشروع، وإلا لم كل هذا التسليح للأكراد، وقد انتهى خطر تنظيم «داعش» في المناطق التي يسيطر عليها أكراد سوريا؟ بحسب الزبيدي.

يؤكد محللون أن الولايات المتحدة لم تتراجع عن فكرة إقامة كيان كردي يمتد من العراق الى البحر الأبيض المتوسط، إلا أنه سيقتصر في المرحلة الراهنة على سوريا وقد يمتد مستقبلًا ليشمل أكراد العراق أيضًا، حيث إن واشنطن تلعب على الظروف الجيو سياسية التي تختلف بين العراق وسوريا التي تزدحم فيها الأجندات الدولية ومشاريع إعادة رسم الدولة السورية بعد ست سنوات من الحرب.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد