على الرغم من أن حديث الشارع السوداني نهاية الأسبوع الماضي وبداية الأسبوع الجاري ركّز على الحكم القضائي الصادر في حق فتاة سودانية يقضي بجلدها 100 جلدة والإعدام شنقًا بسبب ممارسة “الزنا” و”الردة” عن الدين الإسلامي، وهو ما لقي ردود فعل دولية قوية، إلا أن ذلك لم يمنع من تداول خبر سوداني آخر لا يقل أهمية لدى السودانيين ودول الجوار، ويتعلق بإشارات عن قرب قيام انقلاب عسكري ضد نظام عُمر البشير الذي يعيش على إيقاع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ فترة غير يسيرة.

انقلاب؟

الرئيس السوداني عمر البشير في حشود من المواطنين والجيش

الإعلام ينقل أن الفريق أول، محمد عطا المولى، مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني، أصدر قرارًا بانتشار قوة قوامها ثلاثة لواءات من قوات الدعم السريع حول العاصمة السودانية (الخرطوم) لحمايتها، على أن تبقى تلك القوات في حالتي استعداد تام وتأهب قصوى.

ومدير إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات السوداني، ينفي في تصريحات صحفية، بالموازاة مع نشر الألوية تلك، صحة الأنباء التي تواردت عن حدوث محاولة انقلاب على النظام الحاكم بالسودان، أو تعرض العاصمة الخرطوم لما يهدد أمنها واستقرارها.

هذه التطورات التي قد تبدو مفاجئة بالنسبة للبعض تأتي في وقت تعرف فيه الساحة السياسية بالسودان حالة من الارتباك ولربما الغليان، بعد اعتقال زعيم حزب الأمة القومي، الصادق المهدي، لاتهامه قوات الدعم السريع التابعة لجهاز الأمن السوداني بارتكاب أعمال وحشية وقتل للمدنيين بدارفور.

أم انتفاضة؟

عمر البشير والصادق المهدي

والمثير أن المهدي حذر في رسالة وجهها من محبسه بسجن “كوبر” الشديد الحراسة بولاية الخرطوم، من حدوث انقلاب عسكري أو انتفاضة شعبية، مؤكدًا أنها بدائل محفوفة بالمخاطر الفادحة على المصير الوطني للبلاد، في إشارة إلى سياسة القبضة الحديدية التي ينهجها نظام البشير منذ سنوات، بعد اشتداد الخناق دوليًّا عليه بسبب وجود مذكرة أصدرها المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو، منذ 14 يوليو 2008، تقضي بتوقيف البشير ومتابعته في ملف انتهاكات حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب في حق سكان إقليم دارفور.

الصادق المهدي وسط أنصاره

ومعلوم أن الصادق المهدي سبق أن قام ضده عمر حسن البشير، الرئيس الحالي، بانقلاب عسكري، عندما كان المهدي رئيسًا للوزراء، وذلك في سنة 1989، ليجمع البشير منذئذ بين مهمتي رئيس الدولة ورئيس الوزراء في آن واحد، في أطول فترة حكم يعرفها السودان الحديث، وكان قد نجا من انقلاب عسكري جرى في سنة 1990، قاده مجموعة من الضباط الذين كان مصيرهم إصدار أحكام جماعية بالإعدام، وطُوي الأمر ليواصل البشير حكمه الذي استمر إلى اليوم.

اليوم وبعدما زُج بالصادق المهدي في السجن، في هذه الفترة تحديدًا من تاريخ السودان؛ حيث إقليم دارفور ما يزال يغلي على صفيح ساخن، وحيث الشارع السوداني الذي انتفض بالموازاة مع “الربيع العربي” إلا أنه جوبه بقمع القوات الأمنية والعسكرية، يشعر النظام أنه لم يسلم بعد من موجة الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت المنطقة العربية منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتي كانت سببًا في إرغام النظام على تقبل فتح حوار مع الفرقاء السياسيين ولا سيما المعارضة منهم.

تحذير !

الرئيس السوداني عمر البشير

أتباع الصادق المهدي المعروفين باسم “الأنصار” غاضبون اليوم من اعتقال “زعيمهم” ويهددون بإشعال الشارع في حال عدم الإفراج عن “الإمام” المهدي، بالإضافة إلى ذلك انضمت عدة أحزاب سياسية معارضة لحزب الأمة القومي في موقفه، خاصة بعد إعلان الحزب لتعليق الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس عمر البشير ووقف أي تفاوض مع حكومة الخرطوم.

اعتقال الصادق المهدي الذي يتزعم واحدًا من أكبر الأحزاب السودانية المعارضة، والذي يؤرق وجوده النظام “المرتعش” الآيل إلى زوال، بحسب العديد من المتتبعين، جاء بالخصوص بعد خطاب أخير للمهدي ضمنه ما يشبه “رسائل مشفرة” وأخرى واضحة وضوح التقسيم الذي بات عليه الجنوب السوداني؛ فبخصوص تلك الرسائل التي التقطها نظام البشير بسرعة وسارع إلى حشد الألوية على تخوم العاصمة الخرطوم مخافة أن يباغته “متمردون”، كلمة تضمنها خطاب المهدي أشار فيها إلى أنه وأتباعه يستعدون لإقامة “انقلاب هادئ”، وهو التعبير الذي وإن كان يحمل دلالات إعلامية أكثر منها عسكرية إلا أن النظام الذي يخوض حروبًا على أكثر من مستوى، لا بد له أن يحسبها ألف مرة، ولا يجب الاستهانة بمثل هذا الحديث الصادر عن رجل له من الأتباع ما يمكنه أن يحدث انتفاضة شعبية – على الأقل – بمجرد دعوة أنصاره إليها، وهو ما لا قبل لنظام البشير بمواجهته اليوم.

رسائل..

سودانيون يطالبون البشير بالرحيل

الرسالة أو الرسائل الثانية هي اتهام المهدي للخرطوم بالتمادي في ارتكاب جرائم في حق سكان دارفور، وهو ما يتقاسمه المهدي مع العديد من التقارير الدولية والحقوقية، التي رصدت تلك الانتهاكات، بل إن هناك موظفة دولية هي المغربية، عائشة البصري، المتحدثة السابقة في بعثة حفظ السلام المشتركة في دارفور المعروفة اختصارًا بـ(يوناميد)، أقدمت على تقديم استقالتها احتجاجًا على ما سمّته تورط هذه البعثة في إخفاء “مجازر” ترتكبها قوات الخرطوم في حق سكان دارفور.

لا يختلف اثنان حول كون النظام السوداني يعيش اليوم أصعب أيامه، وبات محاصرًا بين مطالبات شعبية وسياسية برحيله بعد 25 سنة من حكمه البلاد التي لم يقدها إلا إلى التجزئة والفوضى، وبين “مطاردات” المحاكم الدولية التي تريد “رأس” هذا النظام، وبين هذا وذاك لا يبدو أن البشير والمحيطين به لهم خيارات أكثر من ربح بعض الوقت لعل المستقبل القريب يحدث ما يشبه المعجزة التي قد تجنبهم مصير بعض الحكام العرب الذين هبت عليهم موجات غضب شعبية ذات “ربيع عربي”!.

عرض التعليقات
تحميل المزيد