التغيرات المناخية والطبيعية التي يشهدها كوكب الأرض بمختلف مسبباتها صارت واحدة من أهم الموضوعات التي تشغل الكثير من الباحثين، والأشخاص العاديين أيضًا مؤخرًا، وتحديدًا في آخر ثلاثة عقود عندما شهد العالم العديد من الكوارث الطبيعية والمناخية العنيفة التي تسببت في خسائر كبرى في الأرواح والممتلكات.

نُشر مؤخرًا بحث علمي ضمن فاعليات المؤتمر السنوي للمجتمع الجيولوجي الأمريكي في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 يربط بين بطء دوران الأرض، وحدوث الزلازل العنيفة، وتوقع أيضًا حدوث زلازل عنيفة في عام 2018، أثار البحث جدلًا في المجتمعات العلمية والصحف، واختلفت الآراء حوله بين مؤيدي صحة الاستنتاج، وآخرين يصرون على أن الأمر مجرد أطروحة، وأنه برغم كل التقدم العلمي الذي نشهده لا تزال التنبؤات العلمية بحدوث الزلازل غير دقيقة، ولا تقف على برهان ثابت.

هل تبطئ الأرض دورانها في الأساس؟

لم يكن في استطاعة الإنسان قديمًا قياس الزمن بدقة عالية، وكان عادة يتم عبر مراقبة وقراءة الساعات الميكانيكية والشمسية، لكن في عام 1949 تحديدًا، اخترعت «الساعات الذرية» بواسطة المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، والتي تعتبر هي أكثر الساعات دقة في وقتنا الحديث، وتعمل عن طريق قياس سرعة تردد الذرات -وهي العملية الأكثر ثباتًا حتى الآن- بداخل العناصر الكيميائية، وهنا يكون عنصر «السيزيوم».

Embed from Getty Images

صورة لأول ساعة ذرية تعمل بعنصر السيزيوم

من خلال هذا استطاع العلماء إجراء أبحاث أكثر دقة، وقياسات علمية أكثر تماسكًا مما سبق، كان من أهم الأبحاث تلك التابعة لعلم فيزياء الأرض «geophysics»، والذي يختص بدراسة باطن الأرض، ودراسة التباين في الخصائص الفيزيائية لها مثل المغناطيسية الأرضية، والتوصيل الحراري، والجاذبية، وغيرها. وبعد اختراع تلك الساعات عالية الدقة أسفرت مراقبتها عن ملاحظة وجود بطء دقيق وقليل للغاية يحدث في زمن دوران الأرض حول نفسها بمعدل 1.7 ملي ثانية -ملي ثانية هو جزء من الألف في الثانية- كل 100 عام؛ مما يعني أن بطء دوران الأرض هو أمر مثبت علميًّا.

رابط علمي مباشر أم استنتاج رقمي فقط؟

يطرح البحث العلمي بواسطة كُل من الباحث الجيولوجي «روجر بيلهام» من جامعة «كولورادو»، والباحثة الجيولوجية «ربيكا بنديك» من جامعة «مونتانا» استنتاجًا قائمًا على مراقبة البيانات المتاحة عن الأنشطة الزلزالية منذ عام 1900 وحتى 2013، وخاصة الزلازل العنيفة التي يتجاوز قياسها سبع درجات بمقياس ريختر، ووجد أن هناك خمس فترات حدثت فيها تلك الزلازل بمعدل 25 إلى 30 زلزالًا سنويًّا، وهي الفترات نفسها التي تتبع بدء بطء دوران الأرض بحوالي من خمسة إلى ستة أعوام.

وفي تصريح من بيلهام لصحيفة «الجارديان» البريطانية قال: «الرابط المتداخل بين بطء دوران الأرض، وحدوث الأنشطة الزلزالية القوية، يرجح حدوث أنشطة زلزالية كبيرة في العام القادم، الأنشطة الزلزالية خلال 100 عام تم رصدها بدقة؛ مما يتيح لنا سجلًا جيدًا للدراسة، الأمر واضح ومباشر، الأرض توفر لنا تنبيهًا مدته خمسة أعوام؛ كي نستعد للزلازل المستقبلية».

وأوضح بيلهام المزيد عن الأطروحة العلمية -بخلاف دراسة الأرقام- في رد إلكتروني مباشر على موقع «لايف ساينس»: «كل ما فعلناه هو مقارنة تلك القوائم من الأرقام والبيانات العلمية لنخرج بتلك النتيجة؛ لكن الفكرة الأساسية هي أنه مع بطء دوران الأرض الطفيف ينكمش القطبان، ولكن الألواح التكتونية -الطبقة الصخرية الصلبة التي تحيط بالكرة الأرضية- لا تنكمش بسهولة؛ مما يعني أن حواف الألواح تنضغط، وبرغم كون هذا الضغط طفيفًا أيضًا، إلا أنه يضع المزيد من الجهد على حدود الألواح التي تحتمل في الأصل الكثير من الضغط والجهد».

هناك ثغرة.. ولماذا 2018 تحديدًا؟

في تدوينة لـ«إريك كلميتي» الباحث في الدراسات البيئية والبراكين، والحاصل على الدكتوراه من جامعة ولاية «أوريجون»، يتناول بحث «بيلهام» و«بنديك» الجيولوجي، في ضوء أطروحة تغير سرعة دوران الأرض، والذي يحدث بسبب تحرك الصهارة -الحديد والنيكل المنصهر- في الطبقات الداخلية من جوف الأرض، وثبات الطبقات الخارجية وصلابتها يصنع ما يعرف بالمجال المغناطيسي للأرض، والتغيرات الطفيفة في تلك الحركة هي ما تكون المسبب الأساسي في تغير معدل دوران الأرض من البطء للسرعة والعكس؛ مما ينتج منه الزلازل.

تصميم يوضح طبقات الأرض الداخلية من موقع thoughtco.com

 

ويجيب «كلميتي» عن سؤال: لماذا 2018 تحديدًا؟ بأنه بناءً على بحث «بيلهام» و«بنديك» فإن 2017 من المفترض أن يكون هو العام الخامس منذ تسجيل آخر إبطاء لدوران الأرض عام 2012، وبما أن عام 2017 يكاد ينتهي تقريبًا بمجمل سبعة زلازل فقط من النوع العنيف، سبع بمقياس ريختر، وليس من 25 إلى 30 كما استنتج الباحثون؛ لذلك هم توقعوا حدوثه في نهاية الفترة التقريبية -التي هي بمثابة زمن الأثر رجعي لبطء الأرض- أي العام القادم 2018.

ويشرح «كليمتي» أن الباحثين الجيولوجيين وجدوا من خلال البيانات بعض الفترات ذات النشاط الزلزالي العالي المتكررة بشكل شبه عشوائي، واستنتجوا من خلالها آليتهم، وهو ما قد يكون مرتبطًا ببطء دوران الأرض أو لا، على سبيل المثال كان آخر عام -قريب وليس متطابق- سُجلت به الأنشطة الزلزالية العالية -فوق سبع درجات ريختر- هو عام 2010 بمعدل 23 زلزالًا عنيفًا، ولم ينطبق عليه أطروحة البحث، وأضاف أن الأطروحة «تحمل نقاطًا طموحة»، ولكن علينا أن ننتظر حتى العام القادم لنرى النظرية في ضوء جديد، ولو صحّت فإن ذلك سيغير رؤيتنا للحقائق العلمية بشكل كبير.

القابلية للإثبات متوفرة

يقول «أموس نور»، وهو باحث جيوفيزيائي آخر في جامعة «ستانفورد» الأمريكية في تصريح لموقع «لايف ساينس»: «هذا تأثير مثير للاهتمام جدًا، رغم أن تأثير معدل الدوران طفيف للغاية، وكِبَر حجم كتلة الأرض ودواخلها؛ إلا أننا لا نحتاج إلى تغيير ضخم في الدوران لكي يحدث الانضغاط والتوتر، لا يزال لدى العلماء فهم ضعيف للغاية عما يتسبب في حدوث الزلازل، ولا توجد وسيلة ثابتة للتنبؤ بحدوث الزلازل، وسيكون من المستحيل وبشكل نهائي ربط حدوث الزلازل ببطء دوران الأرض؛ إلا أنه لا يزال هناك طرق لإثبات الفكرة الأساسية التي تبناها البحث، الخطوة القادمة هي رسم نموذج التوتر أو الضغط الذي يحدث داخل الأرض عندما يتغير معدل دورانها، الفكرة ليست سخيفة؛ بل معقولة».

التشكك مشروع تمامًا

في تدوينة للكاتب وعالم الفيزياء الفلكية «إيثان سيجيل» على موقع «فوربس» يرى أن نتائج البحث ليست بالصلابة الكافية، وأن لدينا أكثر من سبب للتشكيك في صحتها، من أهمها أن البيانات المبني عليها البحث ليست واضحة، وثابتة تمامًا، وأن ربط معدل دوران الأرض بالأنشطة الزلزالية لا يزال دون رابط اعتيادي ثابت يمكن الإمساك به؛ لأننا ببساطة لدينا أربع فترات فقط على مدى 117 سنة، بداية من 1900 حتى 2017، ومن المفترض أن نكون بصدد الخامسة العام القادم.

ويرى «سيجيل» أنه برغم كل شيء لا يزال هناك أعوام كارثية كثيرة بالنسبة للزلازل العنيفة، تنتشر بشكل عشوائي عبر القرن الماضي، وتخرج عن إطار الآلية التي قام عليها البحث، دون معرفة سبب حدوثها أو ربطه بأي شيء يساعد في التنبؤ بمثله في المستقبل، ولكن لو صحت تلك التوقعات فإننا بصدد 12 شهرًا فقط لإثبات نظرية علمية جديدة تساهم بشكل هائل في تقدم هذا العلم.

ومع تلك الآراء التي تباينت حول البحث، ومدى صحته، وربما ثغراته، صار الأمر يتوقف الآن على مراصد الزلازل، وبيانات مراقبة الساعات الذرية للخروج بنتيجة تلك النظرية إما بالثبوت، وإما بالرفض؛ ولكن في حالة إثبات صحة الأطروحة فإن ذلك سوف يؤسس أرضية جديدة تمامًا لعلم يستطيع التنبؤ بحدوث الزلازل العنيفة التي هي واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية فتكًا بالإنسان وحضارته.

المصادر

تحميل المزيد