ما تزال الحضارة المصرية القديمة محط أنظار العالم كله، وعلم المصريات يومًا بعد الآخر يكشف النقاب عن أسرار وإنجازات تلك الحضارة التي تقف آثارها شامخة بعد آلاف السنين متحدية التغيرات البيئية والجوية، وصامدة في وجه الزمن.

وقد رأى الكثير من علماء الآثار الأوروبيين أن المصريين المعاصرين من الصعب أن يكونوا أحفاد المصريين القدماء، ولهذا السبب أجريت العديد من الأبحاث الجينية على المومياوات، في محاولات للربط بين الأصول الجينية للمصريين القدماء وشعوب أخرى، وفي المقابل فإن علماء المصريات المصريين يميلون إلى أن المصريين بلا شك يشبهون أجدادهم.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الفلك المصري القديم.. نسيج واحد يجمع بين الدين والعلم والأساطير

ومؤخرًا استطاعت التقنيات التكنولوجية الحديثة إعادة إحياء وجوه المصريين القدماء، باستخدام المومياوات التي عُثر عليها خلال سنوات طويلة من البحث، فما الذي كشفته تلك الوجوه عن صلة المصريين القدماء بالمصريين الآن؟ وهل المصريون الآن يشبهون فعلًا أجدادهم؟

النبيلة ميريت آمون.. وجه يعود بعد 2000 عام

ميريت آمون هو الاسم الذي اختاره علماء الآثار في جامعة ملبورن باستراليا؛ للمومياء التي عثر عليها لواحدة من نبلاء مصر القديمة، ولكن – للتوضيح – تلك المومياء لا تخص الأميرة والزوجة الملكية للملك رمسيس الثاني ميريت آمون، بل إن العلماء اختاروا هذا الاسم فقط للمومياء؛ نظرًا إلى شهرته في الأوساط العلمية الأثرية.

بالعام 2016؛ استطاع فريق البحث في الجامعة نظرًا إلى الحالة الجيدة للمومياء؛ إعادة بناء وجه المومياء بتقنية ثلاثية الأبعاد، على الرغم من أن عمر المومياء يزيد على ألفي عام، وأكد رئيس فريق البحث أن الحالة التي وجد عليها المومياء سمحت بمعاينة عضلات الوجه وأكثر من طبقة من الجلد، ما جعل إعادة بناء الوجه دقيقة للغاية وسهلة أيضًا، وما لفت نظر العلماء بعد إعادة بناء وجه المصرية ميريت آمون، هو التشابه الكبير في ملامحها، مع ملامح العديد من المصريات العصريات الآن، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته بسهولة من مشاهدة صورها التي منحها العلماء للإعلام.

رمسيس الثاني.. وجه مواطن مصري أصيل؟

البعض يظن أن التماثيل الضخمة الموجودة في مصر للملك رمسيس الثاني هي تجسيد واقعي لملامحه، وهو خطأ شائع، وهذا لأن تماثيل الملوك في مصر القديمة كانت تبنى على هيئة واحدة وهي الهيئة الملكية، والتي لا تمت بصلة لملامحهم الواقعية، فالملك في مصر القديمة هو تجسيد أو تجلٍّ للإله على الأرض، وتماثيله تجسيد لهذا التجلي، وملامحه الشخصية ليس لها دخل في الأمر.

رمسيس الثاني كما جسدته التماثيل

ولذلك فإن شكل رمسيس الثاني المرتبط في أذهان المصريين وغيرهم من خلال التمثال المعروف، والذي كان موجودًا سابقًا في ميدان رمسيس بالقاهرة، لا يشبه رمسيس الثاني.

ملامح وجه رمسيس الثاني عرفت عندما استطاعت التكنولوجيا الحديثة إعادة بناء وجه المومياء الخاصة به، وقتها اكتشف العلماء أن رمسيس الثاني لا يشبه تماثيله إطلاقًا، بل كان لدى بعض العلماء شكل رمسيس الثاني – البناء العظيم- كما أطلقوا عليه؛ مخيبًا للآمال بالنسبة للبعض.

وجه رمسيس الثاني الحقيقي

الأمر لا يحتاج للكثير من التدقيق لتدرك أنه يمكنك أن تقابل شبيهًا لوجه رمسيس الثاني، بمجرد أن تخطو خطوة واحدة داخل مصر، أو حتى بمشاهدة فيلم مصري على شاشة التلفزيون، أو عندما تزور واحدة من المصالح الحكومية وتقابل الموظف المصري الذي ينهي لك أعمالك الورقية.

الهاربون من المتحف

رغم أن إعادة إحياء وجوه القدماء كان لها دور كبير في إثبات الشبه بين ملامحهم وملامح قطاع واسع من الشعب المصري الآن، فإن هناك بعض التماثيل كانت بالفعل دليلًا كافيًا على الشبه بين الطرفين في نظر البعض، بل بعض الممثلين المصريين أيضًا المشهورين، وربما يعد المثال الأشهر على هذا هو التشابه بين الممثلة سوسن بدر وتمثال الملكة نفرتيتي، هذا الشبه الذي وصفه عالم الآثار زاهي حواس متحدثًا عن سوسن بدر: «وجهها فرعوني، كأنها هاربة من المتحف»، ومنذ هذا الوقت اشتهرت سوسن بدر بهذا اللقب «الهاربة من المتحف».

ولكن سوسن بدر ليست الحالة الوحيدة التي تبدو وكأنها هاربة من المتحف، فكل من الفنانين علي الحجار، وأحمد رزق، وشيريهان، يجمعهم شبه لا تخطئه العين مع تماثيل لبعض نبلاء وملوك مصر القديمة، ولكن إعادة إحياء المومياوات كانت مهمة؛ لأن المومياء هي الإثبات الأكيد على الشكل الخارجي للمصريين القدماء، على عكس التماثيل التي لا تمثل بدقة شكل القدماء في ذاك الوقت.

معركة الجينات 

الحديث عن النقاء العرقي على إطلاقه من الأمور التي لا تتصف بالموضوعية، كما أنها لا يدعمها أي دليل علمي أو مادي، فيما عدا بعض القبائل التي تعيش في جزر منعزلة في المحيط الهادئ وهذه القبائل لم تختلط بشعب من الشعوب لأسباب كثيرة، منها عدم أهمية موقعها الجغرافي أو حتى قلة تعداد سكانها، وبالعكس من هذه الأسباب فإن الموقع الجغرافي المتميز والثروات الطبيعية كانت طوال التاريخ محركًا للاستعمار والحركة بين الشعوب المختلفة؛ مما ينفى احتمالية وجود ما يسمى بالنقاء العرقي.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن مصطلح عرق في ذاته ليس مصطلحًا علميًّا، فكلنا نسمى الجنس البشري أما هندسة هذا المصطلح – العرق- فقد صيغت بمجتمع العالم الجديد – الولايات المتحدة الأمريكية- لاعتبارات سياسية واقتصادية وديموغرافية تختص بالمكان وطبيعته هناك.

وعلى الرغم من ذلك ما زال علماء الآثار الأوروبيون في محاولات محمومة لمحاولة الكشف عن الأصل الجيني للمصريين الحاليين وربطه بالمصريين القدماء، والإجابة عن الكثير من التساؤلات، منها «هل ينحدر المعاصرون مباشرة من نسل المصريين القدماء؟ هل كانت هناك استمرارية وراثية في مصر على مدار الزمن؟ هل غيَّر الغزاة الأجانب التركيبة الوراثية: على سبيل المثال هل أصبح المصريون أكثر أوروبية بعد أن غزا الإسكندر الأكبر مصر؟».

وقد تكون الإجابة عن تلك الأسئلة صعبة بعض الشيء، لأن المصريين قد تعرضوا للعديد من التفاعلات مع حضارات مختلفة، وهو الأمر الذي جعل جيناتهم وملامحهم تتنوع مابين البشرة السمراء، والبيضاء، وقد تجد في الأسرة الواحدة الأشقر والأسمر، وذا العيون السوداء، وآخر بعيون زرقاء، وتلك المعركة المعروفة بمعركة الجينات يصعب حسمها؛ لما تعرضت له الجينات خلال آلاف من الأعوام من اختراق من أكثر من جهة.

والأقاويل التي أشيعت أن الأصول الجينية للمصريين القدماء تعود إلى أثيوبيا أو إيرلندا، لم تستند في نظريتها إلا على شكل التماثيل غامقة اللون، أو التماثيل التي استخدم المصريون القدماء اللون الأزرق في تلوين أعينها، وهو الأمر الذي وجده علماء الآثار حجة واهية. ولكن في النهاية ما نستطيع أن نتعامل معه، هو ما تراه أعيننا، فهل ترى عزيزي القارئ من خلال الصور المُدرجة في التقرير؛ أن المصريين المعاصرين يشبهون أجدادهم؟

المصادر

تحميل المزيد