تشن قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر منذ 4 أبريل (نيسان) الماضي، هجومًا للسيطرة على طرابلس، مقر حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، وهو الهجوم الذي تسبب في سقوط أكثر من ألف قتيل، وتشريد ما يزيد على 100 ألف شخص.

لكن ما يظهر بعد مرور أكثر من أربعة شهور على هذا الهجوم أن حفتر بدأ يفقد السيطرة على المعركة وأصبح حلمه في الوصول إلى السلطة يتلاشى على أسوار طرابلس، كما بدأت الدول الداعمة له تقتنع بأن الحل العسكري لن يجدي نفعًا، مع التقدمات الواضحة التي أخذ يحققها جيش حكومة الوفاق، والتي تسببت في أن تخسر قوات حفتر تمركزاتها وعناصرها وأماكن سيطرتها.

تطرح تلك التطورات احتمالية لجوء حفتر إلى التفاوض حول الانسحاب من طرابلس مع حكومة الوفاق من أجل تحقيق مكاسب سياسية تحفظ ماء وجهه كما يقول المراقبون.

حفتر والعجز عن السيطرة على طرابلس

مضت أربعة أشهر على انطلاق اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر نحو السيطرة العسكرية على طرابلس، ليظهر الآن أن آمال الرجل بالاستيلاء السريع على العاصمة الليبية أخذت بالتلاشي؛ وذلك بسبب المقاومة الشديدة من القوى الموالية لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.

مقاتلون موالون لحفتر مسجونون على أيدي قوات من حكومة الوفاق الوطني

يوضح المحلل العسكري الليبي أحمد هدية أن حفتر فقد السيطرة على المعركة فعليًا في الخامس من أبريل 2019، بمعنى أنه منذ البداية فشل في الدخول إلى طرابلس، وبدأ يعاني من أزمة حقيقية، ويضيف هدية خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «خروج المعركة عن سيطرة حفتر استدعت من الدول الداعمة له ضخ المزيد من السلاح والذخائر وتكثيف ربما من طلعاتها الجوية؛ مما حول المعركة في الجو إلى أكثر منها في البر، وهذا ما فرض جمودًا في المعركة خلال الأشهر الخمس الماضية».

ووفقًا لهدية، فقد حدث انهيار كبير مؤخرا في قوات حفتر على الأرض، بدليل بعض التقدمات التي أحدثتها قوات الوفاق، ومنها أهمها الاستيلاء على مدينة غريان الإستراتيجية، ولكن هذا لم يوقف زيادة ضخ الدول الداعمة لحفتر بقوة أكبر في الجو ليصبح متسودًا بشكل كبير في ليبيا، حتى أنه أحيانًا تتواجد أربع أو خمس طائرات مسيرة لحفتر بهدف منع قوات الوفاق من التقدم على الأرض، وهو التكتيك الذي أطال أمد المعركة وفرض احتمالية التفاوض على مكتسبات سياسية، بحسب هدية.

ويرى هدية أيضًا أن حفتر بعد سقوط غريان وضع داعميه في موقف سيئ جدًا، خاصة أن قوات الوفاق سيطرت حينها على أسلحة فرنسية وأسقطت بعض الطائرات المسيرة الإماراتية التي كانت بحوزته، ويتابع: «لكن حفتر وداعميه كانوا قد وصلوا لنقطة اللاعودة، الأمر الذي دفعهم لضخ طائرات جديدة، وفي الوقت نفسه أظهروا أنهم مستعدون لوقف دعمه مقابل أن يكون له مكان في مفاوضات السياسية القادمة».

وحسب هدية الذي تحدث إلى «ساسة بوست» فإن رفض حكومة الوفاق للتفاوض مع حفتر، هو ما دفع حلفاء الأخير للجوء إلى المبعوث الأممي في ليببا غسان سلامة، على أمل أن يجد مخرج يسرع من عملية التفاوض، ويضمن أن يكون «رجلهم» موجود.

ويعتقد هدية أن تصريحات سلامة هي محض محاولات لضمان مكان لحفتر في أي مفاوضات من الممكن أن تحدث، مشددًا على أن انسحاب حفتر من محاور القتال بجنوب غرب طرابلس لن يحدث إلا مكرهًا وفي ثلاث حالات، وهي سيطرة قوات الوفاق على ترهونة أو محاصرتها، أو السيطرة على الجفرة، أو قرار دولي بحظر الطيران الحربي والمسير، بحسب هدية.

«عصفورين بحجر واحد».. هكذا تستغل فرنسا دعم حفتر لحماية ديكتاتور تشاد

هل أصبح الخيار السياسي طريق حفتر الوحيد؟

«منذ أسابيع، أصبحت المواقف أكثر واقعية، والقضية ليست جغرافية فقط، فحفتر يشترط ضمانات لانسحاب محتمل من محيط طرابلس»

هذا ما قاله المبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة، مضيفًا: «حفتر يريد ضمانات من القوى الحاكمة في طرابلس، ويطلب تعيينات في مناصب مهمة بالدولة».

وبرغم أن قوات حفتر نفت صحة ما جاء على لسان سلامة، إلا أن الناشط السياسي الليبي محمد أحمد جبريل لا يستبعد صحة ما قاله المبعوث الأممي لليبيا، ويؤكد على أن «حفتر يريد الانسحاب من محيط طرابلس ومن المدن التي سيطر عليها مجبرًا لا مخيرًا، بعد أن تكبدت قواته خسائر فادحة في العتاد والأرواح في عدوانها على طرابلس، ولكن بضمانات، تضمن وجوده في الدولة بترؤسه منصبًا سياديًا، حتى يحفظ ماء الوجه، ويكون هذا المنصب بابًا للعودة من جديد».

ويوضح جبريل لـ«ساسة بوست»: «كل يوم دائرة الخناق تزداد علي حفتر، تحولت ميلشياته من حالة الهجوم الى حالة الاستماتة في الدفاع، وأصبح في موقف صعب أمام الدول الداعمة له، وأمام المجتمع الدولي، ومواليه في الداخل، لذلك عليه أن يحقق ولو جزء بسيط من مخططه، ليخدع مناصريه بانتصار وهمي».

ويشير جبريل إلى أن الحلفاء الداعمين لحفتر لا يزالون يعولون عليه لنجاح مخططاتهم؛ لأنهم يرون فيه بأنه المسيطر على أكبر رقعة جغرافية في ليبيا، وهو الوحيد الذي سيقضي على خصومهم من دول إقليمية أخرى في ليبيا، معقبًا: «لكن النفس بدأ يضيق على داعمي حفتر لأنه لم يف بوعوده لهم بدخول طرابلس في الوقت المتفق عليه بعد أن فشل فشلًا ذريعًا، ولو استمر هذا الوضع قد نرى تغير كبير في سياسة هذه الدول والتخلي عنه أمر محتمل».

ويعتقد جبريل أن الخيار المتاح الآن أمام حفتر هو الاستماتة في الدفاع عن تمركزاته التي يسيطر عليها في المنطقة الغربية، حتى يستعملها ورقة ضغط لأي حوار او محادثات، بالتزامن مع السعي وبأسرع وقت لتوجه لحل سياسي يعلن فيه وقف فوري لإطلاق النار غير مشروط، على أن تبقى ميلشياته في أماكنها المسيطر عليها، ثم يدخل في مفاوضات.

ويعقب جبريل على موقف حكومة الوفاق من ذلك بالقول: «هذا الخيار الذي من المحتمل أن يلجأ له حفتر لا يصب في مصلحة حكومة الوفاق، وسيضعف من موقفها، فالخيار السياسي هو الطريق الوحيد لحفتر للخروج من هذا المأزق، أما الحل العسكري فهو خيار فاشل ولن ينجح فيه».

انهيار حلم إقامة نظام عسكري

خلال الأيام القليلة الماضية تقدمت قوات حكومة الوفاق في جميع محاور القتال بطرابلس، قصفت بالمدفعية والطيران قوات حفتر وأجبرتها على الانسحاب من مواقعها الأمامية.

عنصر من قوات حكومة الوفاق يجهز ذخيرة من الأسلحة

وكذلك شنت قوات الوفاق هجومًا من عدة محاور على مواقع قوات حفتر في منطقتي عين زارة ووادي الربيع جنوب شرق العاصمة، كما شنّت تلك القوات عدة غارات على المواقع الخلفية لقوات حفتر في ضواحي مدينتي طرابلس وترهونة، فقد ارتكزت إستراتيجية حكومة الوفاق على صد الهجمات ومنع قوات حفتر من دخول طرابلس، ثم العمل على تجميد القوات ومنعها من الدخول، وأخيرًا رد الهجمات وتحرير الأماكن التي يسيطر عليها حفتر.

يؤكد الكاتب الصحافي عماد الدين بلعيد أن حفتر يعيش مأزق حقيقي بعد هجومه غير المدروس على العاصمة طرابلس، ويستدل على ذلك من طول فترة الحرب وخسارة حفتر لمواقع سيطر عليها في بداية هجومه أن الهجوم كان مبني على معلومات استخباراتية غير دقيقة، وأيضًا لكونه عول على أن قواته أفضل تسليحًا بالمدرعات الإماراتية والذخيرة المصرية والطيران المسير الذي وفرته الامارات، ولم يكن يتوقع هذا الحشد وحالة الرفض الشعبي لعودة حكم العسكر.

وبناء على ما سبق يستنج بلعيد خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن قرار إيقاف الحرب لم يعد بيد حفتر، وإنما العكس فقد أصبح هو الحلقة الأضعف في المواجهات، بعدما أصبح الدخول لطرابلس حلم بعيد المنال والانسحاب يعني انهيار قواته، ويضيف بلعيد: «كما ان تحالفات حفتر بدأت تتفكك؛ لأنه تحالف مبني على مصلحة ضيقة بين أفراد وجماعات كل منها له مشروع مستقل عن حفتر، ولهذا شهدت مناطق جنوب طرابلس سلسلة من الاغتيالات لخلافات بين قادة قوات حفتر».

ويبين بلعيد أن داعمين حفتر؛ مصر والإمارات وفرنسا، يحاولون الوصول الآن لوقف إطلاق نار غير مشروط مع حفاظ حفتر على مواقعه وهذا ما رفضته حكومة الوفاق، وتخشى الدول المذكورة من انهيار مشروع حفتر بالكامل على أسوار طرابلس وينتهي حلم إقامة نظام عسكري شمولي تابع لهم ويؤمن مصالحهم على حساب الشعب الليبي.

بعيدًا عن نتائج المعركة العسكرية.. لماذا تدعم مصر والإمارات والسعودية حفتر؟

المصادر

تحميل المزيد