«نحن بحاجة إلى أمم متحدة تضم إسرائيل وتشملها، أمم متحدة تقرب إسرائيل لها، ولا تدفعها بشكل منظم بعيدًا عنها». – «ديفيد بريسمان»، نائب سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة

هناك مشكلة حقيقية تواجههم، ضخمة إلى حد كبير، ومستمرة بما يكفي لخلخلة كل جهودهم لاختراق العالم، مشكلة يعرفها «عيزرا فيتسمان»، الرئيس الإسرائيلي في العقد التسعيني، من القرن الماضي، ويعرفها «إسحق رابين»، و«شمعون بيريز»، و«بنيامين نتنياهو»، رؤساء وزراء إسرائيل في نفس العقد، وتعرفها «اللجنة اليهودية الأمريكية»، عمدة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، و«سير روبرت»، و«هانا نيومان» أيضًا.

على عكس الشائع، ونظريات المؤامرة العاتية، واللوبي الصهيوني الذي يحكم العالم، بقبضة حديدية، يمكن للدور الإسرائيلي في الأمم المتحدة، وحتى عام 2000، أن يهدم جزءً لا بأس به، من تصورنا عن النفوذ الإسرائيلي «الذي لا يقهر»، بحيث يمكننا الوقوف، ومراجعة ما حدث، والقول بأريحية «لقد عانت إسرائيل بالفعل، ولكنها في النهاية وصلت، وبصبر وبراعة مطلقة».

منذ أسبوعين، وفي يوم الإثنين13 يونيو (حزيران) الحالي، اعتلى الكيان المحتل، رئاسة اللجنة القانونية، إحدى لجان الأمم المتحدة الست الرئيسة، لأول مرة في تاريخه، منذ انضمامه إلى الأمم المنظمة الدولية الأهم والأكبر، في عام 1949. حدثٌ لو عدنا بالزمن، وأخبرنا به أي دبلوماسي إسرائيلي، في تسعينات القرن الماضي تحديدًا، فلن يصدق أبدًا.

داني دانون، السفير الإسرائيلي بالأمم المتحدة، 2016(مصدرالصورة: www.yahoo.com)

فازت إسرائيل بأغلبية مريحة، بـ109 صوت من أصل 173 صوت قانوني، من ضمن193 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، وفي المعتاد فإن المقعد يذهب بالتزكية، أو ما يطلق عليه «توافق الآراء»، بين أعضاء الجمعية، إلا أن الدول المعارضة للرئاسة الإسرائيلية دعت إلى تصويت عام، في واحدة من المرات النادرة، لتستجلب انتقادًا حادًا لها، من نائب سفير الولايات المتحدة في المنظمة، «ديفيد بريسمان»، مخبرًا إياهم أنه حتى ليبيا، أثناء حكم العقيد «معمر القذافي»، قد انتخبت لنفس المنصب بالتزكية، ولذلك «لا يجب أن نصوت اليوم»، كما قال.

ما فعلته إسرائيل، وما حققته من انجاز، هو نتيجة للسير في طريق طويل، عالجت تل أبيب عقباته، بكل الطرق الممكنة، وبنجاعة تتناسب مع سمعة الصبر الإسرائيلي، لتحقق في النهاية ما تريد.

الكيان المنبوذ

تنخرط تحت لواء الأمم المتحدة 193 دولة، فيما بعد انقسام السودان لدولتين، بشكل رسمي، ويُقسم هذا العدد من الدول إلى خمس مجموعات رئيسة: مجموعة الدول الإفريقية، مجموعة الدول الأسيوية ودول المحيط الهادي «APG»، ومجموعة دول أوروبا الشرقية، ومجموعة دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي «GRULAC»، ومجموعة دول غرب أوروبا «WEOG»، وهي المجموعة الأهم؛ إذ تضم حالات الأمم المتحدة الخاصة: تركيا، والولايات المتحدة الأمريكية.

من ضمن الأربعة أعضاء الاستثنائيين، نجد إسرائيل غير المنتمية، حتى عام 2000، إلى أي مجموعة من الخمس مجموعات، بشكل فعلي، أما بشكل نظري فقد تم اعتبارها ضمن مجموعة الدول الأسيوية ودول المحيط الهادي، وهي مجموعة تعج بدول معظمها إسلامي، وشرق أوسطي، يحمل عداءً تاريخيًا مع تل أبيب، أو لا يقيم علاقات دبلوماسية معها، أو لا يعترف بها من الأساس.

هناك حادثة دبلوماسية صغيرة، لم يسمع عنها أحد تقريبًا، قصها مصدر دبلوماسي إسرائيلي، رفيع المستوى، عام 2000، على «هانا نيومان»، الناشطة الإسرائيلية والباحثة والمدونة، حادثة أعطت مثالًا واضحًا على حالة عزل، تعاني منها تل أبيب، في الأمم المتحدة، منذ عقود طويلة.

العلم الإسرائيلي أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك

في مؤتمر الأمم المتحدة لمناقشة أوضاع المرأة العالمية، ببكين عام 1995، تم استبعاد ممثلي إسرائيل، ومندوبيها الدبلوماسيين، من كافة اجتماعات المعلوماتية، ومناقشة الاستراتيجيات الفرعية للمؤتمر، والمقامة من قبل المجموعات الإقليمية، ولأن تمثيل تل أبيب أصبح صفرًا كبيرًا، ولضمان المشاركة في أي شيء، قام مندوبو إسرائيل بـ«شبه اقتحام بريء»، تم وضعه في سياق المصادفة، لاجتماع فرعي لمجموعة غرب أوروبا، ووقعوا على تأييد إسرائيل لمسودة قرار بشأن العنف ضد المرأة، إلا أن مندوب كندا، راعي الاجتماع الرئيس، أبدى اعتراضه على ما حدث، وطلب من ممثلي إسرائيل إزالة توقيعاتهم، ومغادرة الاجتماع، وهو ما حدث بالفعل، ووصفه المصدر الدبلوماسي بـ«الخنوع»، وحُجبت الحادثة عن وسائل الإعلام حينها.

ولنلق نظرة على مشهدين بالغي الأهمية:

المشهد الأول:

في العقد التسعيني من القرن الماضي، يمكننا ضرب أحد الأمثلة البليغة، على استبعاد تل أبيب من كل شيء تقريبًا، في الأمم المتحدة. بحسب من يشغل مقعد الأمين العام للمنظمة، المنصب الدبلوماسي الأرفع عالميًا، فإن المجلس الاجتماعي والاقتصادي، المعروف اختصارًا بـ«ECOSOC»، يحتل المرتبة الثانية في الأهمية، بعد «مجلس الأمن الدولي»، ممتلكًا تأثيرًا ونفوذًا لا يستهان بهما.

بالرغم من اسم المجلس الذي قد يبدو مملًا، فإن أعضاءه يمتلكون القدرة على انتخاب عدد كبير، من أعضاء لجان الأمم المتحدة، كلجنة حقوق الإنسان، المتحولة لمجلس حقوق الإنسان، في عام 2006، ولجان التنمية المستدامة، وشؤون المرأة، لكن دورها الأهم هو التحكم في لجنة المنظمات غير الحكومية، NGO، التي تطوي تحت جناحها أكثر من 1600 منظمة إنسانية عالمية، في مختلف المجالات التنموية.

لم تمتلك تل أبيب أي فرصة لدخول المجلس، وامتلكت فقط عشرة مستشارين يهود، في المجموعة الثانية من فرع المنظمات غير الحكومية، مجموعة لجنة الاستشارات الخاصة، أو بتعبير هانا نيومان الساخر بتصرف «اللجنة التي تشرف على اتحاد مربي النحل، واتحاد الدراجات النارية الدولي، وأشياء أخرى»، بينما لم يتواجد أي مستشار يهودي، في لجنة الاستشارات العامة الأهم.

أرسلت هانا كل ما لديها من أسئلة، حول هذه الأمور، لوزارة الخارجية الإسرائيلية، والقنصلية الإسرائيلية في نيويورك، ومكتب السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، «دُور جولد»، الذي شغل المنصب بين عامي 1997:1999، بلا أي إجابة، على الإطلاق.

قاعة المجلس الاقتصادي والاجتماعي في مبنى الأمم المتحدة الرئيس بنيويورك

المشهد الثاني:

مشهد مختلف بالكلية، حدث في الـ 20 من يوليو (تموز)، للعام الماضي 2015، تحاول فيه منظمة العودة الفلسطينية «PRC»، المهتمة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ومقرها لندن، نيل عضوية كاملة، كمنظمة غير حكومية فلسطينية، تابعة للأمم المتحدة، وتحت إشراف المجلس الاجتماعي والاقتصادي.

وبينما تكافح المنظمة لنيل العضوية، بما يتضمنه ذلك من اعتراف دولي، وتسخير لقواعد بيانات وشبكة علاقات الأمم المتحدة، فإننا نرى عضوًا في المجلس الاجتماعي والاقتصادي يحاول جاهدًا منع ذلك من الحدوث، ويحشد بالفعل لمشروع قرار لمنع عودة المركز الفلسطيني، ورفض التوصية الممنوحة له.

وربما فشلت جهود هذا العضو، ونالت منظمة العودة العضوية بالفعل، إلا أنه لم يكن لأحد أن يتخيل وجوده في عضوية المجلس الأهم، بعد مجلس الأمن، وربما حتى ديفيد روت نفسه، نائب السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، وهو يلقي خطابًا على مسامع المجلس الاقتصادي، داعيًا إلى التصويت ضد نيل الـ«PRC» للعضوية، ومعللًا ذلك بـ «علاقتها الوثيقة بحركة حماس». لقد أصبحت إسرائيل عضوًا كاملًا في المجلس الاقتصادي بالفعل!

توغُل تل أبيب

لم تغب مشكلة الأمم المتحدة عن العقل والوعي الجمعي الإسرائيلي، وربما بدا الاهتمام الحكومي بها أكبر، بطبيعة الحال، إلا أن المنظمات اليهودية، العاملة بالخارج، لم تدخر جهدًا من أجل تحريك «القضية – المشكلة»، بشكل جماهيري.

في صيف 1998، وكما تقص مس نيومان، نشرت اللجنة اليهودية الأمريكية عريضة إنترنتية، على موقع «القدس الافتراضية»، جاء فيها: «صدق أو لا تصدق، إسرائيل هي الدولة الوحيدة، من بين الدول 185 الأعضاء، غير المؤهلة للانضمام لمجلس الأمن الدولي، المجموعة السياسية والأمنية الأهم في العالم، حتى إن العراق مؤهل للانضمام، وكذلك إيران، وكوبا وليبيا وكوريا الشمالية والسودان وسوريا، السبع دول المصنفون من قبل الخارجية الأمريكية كرعاة للإرهاب، كلهم لائقون للانضمام وقضاء دورة قانونية كاملة في المجلس، أما إسرائيل، الدولة الديمقراطية، وعضو الأمم المتحدة منذ عام 1949، غير لائقة قانونيًا لذلك».

بعد العريضة، وفي العام التالي مباشرة، 1999، أرسلت الحكومة الإسرائيلية للسير «روبرت جينينغز»، أحد أشهر قضاة بريطانيا، ورئيس محكمة العدل الدولية بين عامي 1991 و1994، وأستاذ القانون الدولي السابق بجامعة كامبريدج، مطالبة إياه بإبداء رأيه القانوني في «مشروعية استبعاد إسرائيل، من عضوية إحدى المجموعات الإقليمية، في المنظمة الدولية الأهم عالميًا».

رون بروسور السفير الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة مع الأمين العام بان كي مون

في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني)، لنفس العام 1999، أرسل «السير روبرت» رأيه القانوني، مفصلًا إلى الحكومة الإسرائيلية، وقام موقع مكتبة القدس الافتراضية بنشر رأيه كاملًا، واصفًا ما يحدث بـ «عدم مشروعية قانونية تتحدث عن نفسها»، مستخدمًا أوصافًا شديدة كـ«انتهاك بشع»، في وصفه للوضع الإسرائيلي في الأمم المتحدة، وما سماه بـ «خرق المادة 2.1 من الفصل الأول، من ميثاق المنظمة»، ومنهيًا بأن ما يحدث هو ضرب لجذور المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة.

على مدار الستة أشهر التالية، ومن نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 1999، وحتى أبريل (نيسان) لعام 2000، ناقش أعضاء المجموعة الأوروبية في بروكسل، مسألة انضمام إسرائيل أربع مرات، وما كان يمنع دخول إسرائيل، ضمن دول أوروبا الغربية في الأمم المتحدة، هو الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل أعضاؤه الـ 15 حينها أغلبية المجموعة الأممية، وبدا وكأن اعتراضاتهم كانت اقتصادية في المقام الأول، قلقًا من تأثر علاقاتهم بالدول الشرق أوسطية النفطية، لكنهم لم يمانعوا الانضمام من حيث المبدأ. وبعد ضغط أمريكي، وتهديد بتجميد مستحقات ومساعدات واشنطن للأمم المتحدة، قرر الأعضاء الأوروبيون ضم إسرائيل، تحت شروط معينة، وبعضوية مؤقتة، في نهايات عام 2000.

مرحلة الصعود

يتكلم لويس فيشر، في دراسته الهامة «علاقة متناقضة: إسرائيل والأمم المتحدة»، عن العلاقة بين الكيانين واصفًا إياها بالـ «معقدة»، فمنذ البداية كان هناك تقدير إسرائيلي كبير لدور المنظمة في إنشاء إسرائيل نفسها، عندما أصدرت قرارها الشهير، في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 1947، بتقسيم الأراضي الفلسطينية، المنتدبة تحت الاحتلال البريطاني حينها، إلى قسمين: دولة يهودية ودولة فلسطينية عربية، بنص القرار.

لكن هذا التقدير لم يمنع استياءً إسرائيليًا دائمًا، كما قال «لويس»، مما سمته دوائر صنع القرار في تل أبيب بـ«شعور إسرائيلي بأن الأمم المتحدة لم تفعل ما يكفي لضمان أمن إسرائيل»؛ فالاتجاه الإسرائيلي، لتحقق ما يمكننا تسميته بـ «رضا تل أبيب عن الأمم المتحدة»، يتمثل في عرقلة كل مشاريع قرارات فلسطين المحتلة، وتجاهلها بأكبر قدر ممكن في جميع أنشطة المنظمة العالمية الأهم، وبالطبع شبه الصمت أمام الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، وهو ما لم يحدث على مدار عقود طويلة لأسباب عديدة.

جزء من جلسات الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين المحتلة في عام 1948 (مصدر الصورة: (hist-chron.com

هذه العلاقة المتناقضة، ما بين الشعور الإسرائيلي بالرضا والغبن، جعل تل أبيب تسعى جاهدة لتوسيع رقعة نفوذها في المنظمة، وبالطبع لم تكن لتكتفي بعضوية مؤقتة في مجموعة دول غرب أوروبا، ولذلك سعت على مدار خمس سنوات للانضمام للمجلس الاجتماعي الاقتصادي، الأهم بعد مجلس الأمن، كما ذكرنا، فمن ناحية ستنضم للمتحكم الأول في بنية المنظمات غير الحكومية في العالم، البنية الممثلة في شبكة مهولة من النفوذ الناعم شديد القوة، ومن ناحية أخرى تسقط إحدى أجزاء العزلة المفروضة عليها، عزلة تنفك ببطء شديد، بالرغم من دعم واشنطن المطلق.

بالفعل نجحت تل أبيب في نيل مرادها، وبعد خمس سنوات ونيف من المحاولات المستمرة، وفي 11 مايو (أيار) لعام 2006، وافق المجلس على انضمام إسرائيل، كعضو كامل، لمدة أربع سنوات، بدءً من يناير (كانون الثاني) لعام 2007، عضوية انتظرتها تل أبيب طويلًا، وهو ما بدا في خطوتها الأولى بُعيد القرار؛ حيث نظر المجلس حينها في طلبي اعتراف أممي بمنظمتين إسرائيليتين: «منظمة شتيل»، العاملة في مجال الحقوق المدنية، ووثيقة الصلة بالمنظمة العريقة «صندوق إسرائيل الجديد»، ولوبي النساء الإسرائيلي، المهتم بقضايا المرأة كما يتضح من اسمه.

منذ عام 2007، بدأت إسرائيل مرحلة جديدة، تتعامل فيها بشكل فعلي كعضو شبه كامل، وتحاول زيادة رقعة نفوذها؛ من أجل الوصول إلى مرحلة ترشحها لرئاسة اللجان الست الرئيسة للأمم المتحدة، وربما الفوز بإحداها إن أتاحت الظروف ذلك.

النجاح الإسرائيلي.. هل الأمم المتحدة مهمة بالفعل؟

بالطبع تبدو العملة الأولى في عالمنا: النفوذ، وتترسخ القناعة العامة يومًا بعد يوم، قناعة تبشر بأن التغيير يتطلب كمًا هائلًا من الأموال والأسلحة والتكنولوجيا، ما يمكننا أن نطلق عليه «مختصر أدوات القوة»، لذلك قد يبدو لنا وجود وعي جمعي، بين العرب، لا يعطي الأمم المتحدة أي اهتمام، في النهاية: منظمة مثلها مثل غيرها، خاضعة للهيمنة الأمريكية، كما يتوارد لأذهان نسبة كبيرة منا، وهو المفهوم الذي يحمل نسبة من الصحة، ونسبة من الخطأ أيضًا.

من كبرى مميزات تل أبيب أنها لا تتعامل باستخفاف سياسي مع أي شيء، وإلا لم تكن لتبذل كل هذه الجهود، على مدار عقود كاملة، لتضخيم ورفع كفاءة وجودها في الأمم المتحدة، ويمكننا أن نحاجج هنا بأمثلة كثيرة، منها ما افتتحنا به التقرير من رئاسة إسرائيل، لأول مرة تاريخيًا، للجنة القانون الدولي، اللجنة المنوط بها دفع الدول الأممية لصياغة قوانين «مكافحة الإرهاب»، بل وتحديد مفهوم «الإرهاب» نفسه قبل ذلك، لذلك يمكننا تفهم اعتراض السفير الفلسطيني الأممي، «رياض منصور»، في هذا الصدد، عندما قال «كان على المجموعة أن تعين مرشح مؤهل ومسؤول، وليس منتهكًا كبيرًا لحقوق الإنسان»، ويمكننا تفهم فرحة إسرائيل العارمة أيضًا، البادية في تصريح السفير الإسرائيلي الأممي، «داني دانون»، قائلًا إنه «تصويت تاريخي»، وموضحًا بشكل غاية في المباشرة، أن أولى مهامه تتمثل في صياغة معاهدة دولية لـ «مكافحة الإرهاب»، بما يعنيه هذا من تأثير إسرائيل على تشكيل مفهوم «الإرهاب» كما أسلفنا.

من اليمين: رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون (مصدر الصورة: www.theatlantic.com)

ويبرز لدينا مثال آخر يتمثل في عضوية إسرائيل الكاملة، في أكتوبر (تشرين الأول)، من العام الماضي 2015، في لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي، لأول مرة، إحدى أكبر لجان الأمم المتحدة، والمسؤولة عن التوسع في التكنولوجيا الفضائية، وعلى رأسها الأقمار الصناعية، أو بالأحرى: تصميم بعض سياسات السيطرة على سماء العالم.

ويمكننا أن نضرب مثالًا ثالثًا، حدث في 24 يناير (كانون الثاني) لعام 2005، عندما نجحت إسرائيل، في دفع الأمم المتحدة، لإقرار أسبوع عالمي لذكرى «معسكرات التعذيب النازية»، وإحياء ذكرى «الهولوكوست»، قرار مثل أحد أهم نجاحات تل أبيب في المنظمة حتى الآن، مقيمة أسبوع كامل من التوعية والتثقيف في كل أنحاء الأرض، ولتربح دخولًا سلسًا وغير مسبوق، تحت مظلة المنظمة، إلى كل القطاعات التعليمية والثقافية والدينية الممكنة، في أغلب دول العالم، لنشر ما تريد تحت مسمى «إحياء الهولوكوست».

تتمثل الحقيقة في أن الأمم المتحدة مهمة بالفعل، وفي ظل بحث أغلب العرب عن التأثير المباشر السطحي، وهو شيء مفهوم في سياقه، فإن المنظمة الدولية تمتلك، بعيدًا عن مجلس الأمن ودوله الخمس الكبرى صاحبة حق الفيتو، قوة ناعمة شديدة التأثير والانتشار، تمتد من أقصى العالم إلى أقصاه، قوة تسعى إسرائيل لتملكها، جزءً بعد جزء، وفي مقابل تراجع الدور العربي في الأمم المتحدة، باستمرار وبطء، فإن الدور الإسرائيلي يتعاظم يومًا بعد يوم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد