هل هناك علاقة بين امتلاك المال والسعادة؟  يقول كاتب المقال إنه منذ الحرب العالمية الثانية فإن دخل الفرد في الولايات المتحدة الأمريكية تضاعف تقريبًا ثلاث مرات بعد أخذ التضخم في الاعتبار، كما أن متوسط حجم المنازل الجديدة زاد إلى أكثر من الضعف، والكثير من المنتجات الإلكترونية التي لم تكن موجودة أصلاً منذ نصف قرن أصبحت الآن في متناول الجميع. ولكن إذا نظرنا إلى معدلات السعادة بين الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فسنجد أنها ثابتة كما هي. في خمسينيات القرن الماضي وفي استطلاع رأي قام به مركز دراسات الرأي القومي (National Opinion Research Center) في أمريكا، وصف ثلث الأمريكيين أنفسهم أنهم “سعداء جدًّا”. قام المركز بنفس الاستطلاع بشكل دوري منذ ذلك الوقت، وتلك النسبة تكاد تكون كما هي حتى الآن.

يضيف الكاتب أن حالات الاكتئاب تتزايد بشكل مستمر منذ خمسينات القرن الماضي. على سبيل المثال فإن حالات الاكتئاب المرضية زادت من 3 إلى 10 مرات (طبقًا للتعريفات المختلفة للاكتئاب) خلال جيلين. وقد أشارت دراسة حديثة أجراها أحد الباحثين في جامعة هارفارد إلى أنه كل عام يتعرض واحد من كل خمسة عشر أمريكيًّا لنوبة اكتئاب كبرى. ونوبة الاكتئاب الكبرى ليس مقصود بها التعرض ليوم سيئ، ولكنها حالة اكتئاب تؤدي إلى الوهن لدرجة عدم القدرة على القيام من السرير. وبالتالي فيمكن القول أنه بالرغم من توافر المال بين أيدينا أكثر من أي وقت مضى، فإننا لسنا أكثر سعادة، وبالنسبة للكثير فإن زيادة المال تؤدي إلى الاكتئاب، فما تفسير ذلك؟

بالطبع كلنا سمعنا العبارة التي تقول إن المال لا يشتري السعادة، ولكننا في أغلب الأحيان نتصرف على عكس تلك المقولة. في استطلاع رأي قامت به مجله “تايم” عن أهم مصادر السعادة، وقع المال في المرتبة الـ 14. ولكن بالرغم من ذلك فإن أغلب الناس يقضون أوقاتهم ومجهودهم سعيًا وراء أشياء يمكن شراؤها بالمال بدلاً من السعي وراء الأنشطة التي تجلب سعادة حقيقية في الحياة مثل إنشاء الصداقات ومساعدة الآخرين والبحث عن معنى للحياة.

يتفق الكاتب مع فكرة أن الفقر يؤدي إلى التعاسة. ففي دراسة علمية تمت في جامعة روتردام في هولندا، أشارت النتائج إلى أن الفقراء في أوروبا – كل من دخله السنوي أقل من 10 آلاف دولار أمريكي-  تعساء بسبب الإحباط والتوتر الناتج عن الفقر، وبالتالي فإن الفقر يؤدي إلى التعاسة. ولكن المثير في هذه الدراسة هو أنه بعد زيادة الدخل السنوي عن 10 آلاف دولار، فإن الارتباط بين السعادة والدخل ينتهي. هذه الدراسة التي تم إعادتها في الولايات المتحدة وأعطت نفس النتائج، تؤكد العبارة التي تقول أن المال لا يشتري السعادة. على مدار أكثر من 20 سنة أظهرت دراسات كثيرة في مجالات العلوم الاجتماعية والنفسية أنه لا يوجد علاقة معتبرة بين دخل الفرد وبين إحساسه بأنه يعيش حياة جيدة. في دراسة قامت بها مجلة التايم الأمريكية، أظهرت النتائج أن السعادة تزداد مع الدخل، ولكن ذلك يحدث حتى حد معين، لا يحدث بعده زيادة في السعادة مع زيادة الدخل. هذا الحد هو حوالي 50 ألف دولار في العام وهو أكثر قليلاً من متوسط الدخل السنوي للأسرة في أمريكا، والذي يبلغ 43 ألف دولار. وفي دراسة أخرى أجراها إدوارد دانيير أستاذ علم النفس في جامعة إلينوي، تم إجراء مقابلات مع أعضاء في “فوربز 400″، وهي قائمة تضم أغنى 400 فرد في الولايات المتحدة. أظهرت الدراسة أن معدل السعادة عند هؤلاء الـ400 تزيد عن العامة بجزء بسيط للغاية. وذلك لأن الأغنياء دائمًا ما يقارنون أنفسهم بالأغنياء مثلهم، وبالتالي يبقى عندهم الشعور بالغيرة والمقارنة بين ممتلكاتهم وممتلكات الآخرين. وبالتالي فإن الكثير من المال لا يؤدي بالضرورة إلى تحسن في جودة الحياة.

يشير الكاتب بعد ذلك إلى أن أغلب الناس يقيمون ممتلكاتهم عن طريق مقارنتها مع ممتلكات الآخرين من حولهم. فبدلاً من أن نسأل: “هل منزلي مناسب لاحتياجاتي؟” فإننا نسأل: “هل منزلي أجمل من منزل جاري؟”. فإذا كان منزلك يتكون من حجرتين، وكل من حولك يمتلكون منازل من حجرتين فإنك ستكون سعيدًا ببيتك. ولكن إذا كان كل من حولك يمتلكون منازل من ثلاث أو أربع حجرات فإن منزلك الذي يلبي كافة احتياجاتك يصبح فجأة غير مناسب ولا يلبي احتياجاتك. وبالتالي فإن ما تصرفه من مال لشراء بيت أكبر لن يضيف شيئًا إلى جودة الحياة.

في الماضي كان أغلب الناس يعيشون في قرى صغيرة، وأغلب من فيها يعيشون في نفس المستوى، ولم يكن من السهل أن يتعرف الشخص على تفاصيل حياة الأغنياء. وبالتالي فإن المقارنة مع الآخرين لم تكن تؤدي إلى شعور قوي بالتعاسة. ولكن في الوقت الحالي أصبح باستطاعة الجميع أن يعرف الكثير من التفاصيل عن حياة الطبقات الغنية، ويمكن بسهولة رؤية منازل وسيارات وممتلكات الأغنياء على التلفاز والإنترنت. وبالتالي فإن ذلك أدى إلى انخفاض مستوى السعادة عند أغلب الطبقة المتوسطة حتى وإن كانت حياتهم جيدة. ويحدث ذلك بالأخص في الدول التي يوجد فيها فجوة كبيرة في مستويات الدخل مثل الولايات المتحدة، بينما في دول مثل الدول الإسكندنافية حيث يكون توزيع الدخل أكثر عدالة فإن هذا الشعور بالتعاسة يقل كثيرًا.

والشيء الغريب هو أن زيادة المال يؤدي إلى زيادة عدم الرضا. فمع زيادة التطلعات المادية، فإن المزيد من المال يؤدي بالضرورة إلى زيادة في الرغبات. وكلما ازداد المستوى الاقتصادي للأشخاص كلما قل رضاهم عن التحسن في أحوالهم، وزاد تركيزهم على الأشياء التي لم يحصلوا عليها بعد. فعندما يزداد دخلك وتنتقل من منزل صغير إلى منزل أكبر، فإنك تبدأ في مقارنة نفسك مع من هم في المستوى الأعلى وبالتالي فإن المنزل الأكبر لا يضيف شيئًا إلى جودة حياتك أو سعادتك.

ولذلك فإن المزيد من المال لا يحقق الرضا أبدًا. الدليل على ذلك هو أنه بغض النظر عن مستوى دخلهم، فإن الأمريكيين في استطلاعات الرأي يقولون إنهم في حاجة إلى زيادة دخلهم ليعيشوا حياة جيدة. حتى أصحاب الدخول الكبيرة قالوا إنهم في حاجة إلى المزيد. فنحن دائمًا في حاجة إلى المزيد من المال حتى وإن كانت حياتنا جيدة. والأغرب من ذلك هو ما اكتشفه كارول جراهام عالم الاقتصاد في مؤسسة بروكنجس بواشنطن، حيث وجد أن توقعات الناس لمستقبلهم تؤثر على سعادتهم أكثر من وضعهم الحالي. فالأشخاص الذين يعيشون في مستوى بسيط ولكن ينتظرون تحسن مستواهم بعد فترة قصيرة أسعد ممن يعيشون في مستوى مرتفع ولكن لا ينتظرون أي تحسن قريب. فعلى سبيل المثال إذا كان دخل الشخص 50 ألف دولار في السنة ويتوقع زيادة 10% في دخله، فإنه يكون أسعد من شخص آخر دخله 150 ألف دولار في السنة، ولكنه لا يتوقع أي زيادة قريبة، وذلك بالرغم من أن الشخص الثاني في حالة مادية أفضل.

ويختتم الكاتب المقال بالتأكيد على أنه بغض النظر عن علم الاجتماع وعلم النفس، فإن أكبر دليل على أن المال لا يشتري السعادة هو أن الأشياء الأهم في الحياة لا تباع في المحلات. فالحب والصداقة والاحترام والشعور بمعنى لحياة الشخص، هذه الأشياء هي التي تؤدي إلى السعادة، وكلها لا يمكن شراؤها بالمال. بالطبع كل شخص يحتاج إلى قدر معين من المال، ولكن الجري وراء المال فقط يؤدى بالضرورة إلى حياة تعيسة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد