في فيلم «الرجل الثالث» أو «جسر الجواسيس»، أو حتى روايات الجاسوسية، كانت فيينا، وبرلين، بروكسل دائمًا هي القواعد الخلفية للصراعات الاستخباراتية، والمدن المثالية لجمع المعلومات والتخطيط للعمليات من داخل المدن الثلاث، حيث الطبيعة الساحرة وإمكانيات الحياة الهائلة.

ولم تنته الصراعات الاستخباراتية أو العمليات السرية بانتهاء حقبة الحرب الباردة، وسطوة التكنولوجيا والعولمة وسيطرة شركات عملاقة مثل «فيسبوك» و«جوجل» وغيرها على بيانات مليارات العملاء في العالم، بل تكسب مثل هذه الصراعات وحروب المعلومات زخمًا وتزداد حدة. «مقارنة بما يحدث اليوم، ما كان يجري في الحرب الباردة يعتبر لعب أطفال»؛ بهذه العبارة لخصت العميلة الروسية الشهيرة آنا تشابمان قدر التعقيد والكثافة والحدة التي تتميز به صراعات الجاسوسية في عالم اليوم مقارنة بالقرن العشرين، وهنا ستكون رحلتنا مركزة تحديدًا على واحدة من أكثر المناطق سحرًا في العالم: «جبال الألب».

دروس من موسكو.. كيف تخترق أقوى دول العالم دون أن تطلق رصاصةً واحدةً؟

القواعد الخلفية.. مزيج من السحر والفكر

ارتبطت المدن التي تستخدم كقاعدة خلفية لأنشطة التجسس، تاريخيًا، بالمناظر الطبيعية الخلابة، وجودة الحياة المرتفعة، والقيود الحكومية الضعيفة، وكأن أجهزة الاستخبارات تبحث دائمًا عن بيئة عمل مثالية للتخطيط وجمع المعلومات والتنفيذ.

وفي هذا الإطار برزت مدن مثل فيينا وبروكسل وبرلين، المعروفين بالطبيعة الخلابة، والإمكانات المرتفعة، كأبرز ساحات النشاط الاستخباراتي منذ فترة الحرب الباردة؛ لأنها تمكن الأجهزة الاستخباراتية من وضع الخطط المحكمة عبر استغلال ما توفره هذه المدن من إمكانيات، إلا أن ظهور المدن الواقعة في منطقة جبال الألب الفرنسية على ساحة «عواصم التجسس» مؤخرًا كان مفاجأة كبيرة، لكنه لا يسن قاعدة دائمة.

بروكسل.. انتبه: الروس يستمعون

في أغسطس (آب) 2018، تصدرت بروكسل عناوين الأخبار بعد أن خرجت تقارير عن تجسس بريطانيا على مسؤولي الاتحاد الأوروبي، في محاولة للحصول على معلومات حول خطط الاتحاد لخروج لندن منه؛ ما أعاد إلى الأذهان صورة العاصمة البلجيكية المعتادة كقاعدة خلفية لأنشطة التجسس.

أقوى 10 أجهزة مخابرات حول العالم

وبالنسبة لبعض وكالات الاستخبارات الأجنبية، تعد بروكسل قاعدة ممتازة لجمع المعلومات؛ لأنها تستضيف الاتحاد الأوروبي و«حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، فيما تستهدفها أجهزة الأمن والاستخبارات في دول الشرق الأوسط وأفريقيا كقاعدة لجمع المعلومات عن الشتات الكبير الذي يقيم في أوروبا ويؤثر على السياسية في البلدان الرئيسية.

وفي يونيو (حزيران) 2018، أعلن رئيس الاستخبارات النمساوية، بيتر غريدلينغ، صراحةً أن بروكسل تجاوزت فيينا فيما يتعلق بـ«كثافة تواجد أجهزة الاستخبارات من خارج أوروبا»، وفي حين كان تواجد الجواسيس وأجهزة الاستخبارات في بروكسل قاعدة أساسية، فإن زيادة أعداد هؤلاء وكثافة تحركهم في المدينة ذات الطبيعة الساحرة وجودة الحياة المرتفعة للغاية، مرتبطًا بزيادة أهمية الاتحاد الأوروبي و«الناتو».

«الحرب الباردة عادت» وفق تعبير مسؤول استخباراتي بلجيكي رفيع تحدث لـ«بولتيكو» رافضًا الكشف عن هويته، قبل أن يضيف: «هناك جواسيس يعملون في بروكسل الآن أكثر بكثير من الفترة التي سبقت سقوط جدار برلين (قبل 1989)».

فيما قال هوارد غوتمان، السفير الأمريكي السابق في بلجيكا «لا يوجد أي طريقة لمنع تواجد الجواسيس في بروكسل.. عليك فقط أن تفترض في كل مرة أن الروس والصينيين يستمعون لما تقوله في داخل هذه المدينة». وتابع: «كان مكتبي في بروكسل يخضع للتفتيش باستمرار بحثًا عن أي أجهزة تنصت»، مضيفًا بكلمات ساخرة: «كنت أنظر لسقف حجرتي قبل الخلود للنوم، وأقول: (ليلة سعيدة) لمن يستمع إلي».

لا تتوقف أنشطة التجسس في بروكسل على روسيا والصين، إذ كشفت الوثائق التي سربها العميل الاستخباراتي السابق، إدوارد سنودن، في 2013 أن واشنطن تجسست إلكترونيًا على مسؤولي الاتحاد الأوروبي و«الناتو» في المدينة.

فيينا.. مدينة الـ7 آلاف جاسوس التي يسمح القانون فيها بالتجسس!

لفترات طويلة كانت العاصمة النمساوية فيينا قاعدة خلفية آمنة للجواسيس؛ حيث يعمل في المدينة التي يقطنها 1.8 مليون نسمة نحو 7 آلاف جاسوس، وفق ما ذكره مسؤول كبير في الاستخبارات النمساوية، فضل عدم الكشف عن هويته، في أغسطس (آب) 2018.

مترجم: تضم 7 آلاف جاسوس! تعرف إلى فيينا عاصمة الجاسوسية في العالم

وفي يوليو (تموز) 2010 اختارت الولايات المتحدة وروسيا، مطار فيينا، مكانًا لأول عملية تبادل جواسيس منذ الحرب الباردة، حيث سلمت واشنطن الروس 10 من عملائهم، في مقدمتهم آنا تشابمان، كانوا يعملون بصفتهم خلية تجسس نائمة في البلاد، مقابل أربعة عملاء كانوا مسجونين في روسيا لاتهامهم بـ«العمالة للغرب».

ولم تسر عملية التبادل مثلما كان معتادًا وقت الحرب الباردة: في ليال مظلمة، وسط الثلوج، وفي ظل تأمين عال من جنود يرتدون المعاطف الثقيلة ومدججين بالسلاح، وإنما كانت عملية تبادل اعتيادية لسجناء في قلب مطار حديث، إلا أنها أعادت للمدينة سمعتها كعاصمة للجواسيس.

وتملك فيينا تاريخًا طويلًا من التجسس، حيث كانت واحة لعمليات أجهزة الاستخبارات في الفترة بين الحربين العالميتين. وفيها جمع النازيون معظم المعلومات عن منطقتي جنوب وشرق أوروبا. ومع بداية الحرب الباردة، كانت المدينة مكانًا مثاليًا لأنشطة التجسس بسبب الأعداد الكبيرة للاجئين الأوروبيين المقيمين فيها. وكانت العاصمة النمساوية ساحة لأحداث فيلم «الرجل الثالث»: أشهر أفلام الجاسوسية في السينما البريطانية، والذي صدر عام 1949.

وتتمتع فيينا بكل شيء يسهل عمليات أجهزة الاستخبارات وحياة الجواسيس، بداية من الطبيعة الساحرة، والطعام الرائع، والأسعار المعقولة، والبيئة المتساهلة للغاية مع التجسس. في العاصمة النمساوية أنت حر في التجسس على من تريد تقريبًا، إلا إذا استهدفت الدولة النمساوية، وفق قانون لم يتغير منذ عصر الإمبراطورية النمساوية المجرية التي سقطت في 1918. وما يزيد من أهمية المدينة أن كل الدول تقريبًا تملك سفارات فيها، فضلًا عن أنها مقر دائم للأمم المتحدة، و40 منظمة دولية أخرى.

وفي فضيحة مدوية كشفت الأنشطة الروسية في المدينة ألقت السلطات النمساوية في 2018 القبض على جنرال سابق بالجيش النمساوي بتهمة التجسس ونقل أسرار عسكرية نمساوية لموسكو؛ ما يعني أن الأخيرة لاعب رئيس في بيئة التجسس في البلاد.

وبدأ الكولونيل مارتن التجسس لصالح موسكو في 1992، وظل يعمل تحت لواء الروس حتى 2018، وخاصة في الفترة التي تولى فيها منصبا كبيرا في وزارة الدفاع في فيينا، وكان يلتقي الضابط الروسي المسؤول عنه (يدعى يوري)، كل أسبوعين، طوال هذه المدة، دون أن تلاحظه السلطات المحلية، وهو أمر معتاد في العاصمة المليئة بالجواسيس، وتضج بتحركاتهم غير المرصودة.

جبال الألب.. مناورة أم وكر دائم؟

في خطوة مفاجئة نقل تحقيق صحافي لصحيفة «لوموند» الفرنسية عن مسؤول استخباراتي فرنسي (لم تكشف عن هويته) في عددها الصادر يوم الخامس من ديسمبر (كانون أول) أن منطقة «أوت سافوا»، الشهيرة بقممها المغطاة بالثلوج ومنتجعات التزلج في قلب جبال الألب الفرنسية، كانت «وكرًا وقاعدة لوجستية» لـ15 جاسوسًا روسيًا ينتمون إلى وحدة نخبوية في المخابرات العسكرية، نفذت عمليات في أوروبا، بما فيها محاولة قتل العميل المزدوج سيرغي سكريبال في بريطانيا.

وفي محاولة لتقصي أثر الوحدة الروسية أطلقت أجهزة الاستخبارات البريطانية والفرنسية والسويسرية تحقيقًا غير مسبوق، وعمليات تحرٍّ واسعة؛ ما مكنها من تحديد هويات الـ15 ضابطًا الذين ينتمون إلى «وحدة 29155» التابعة لـ«وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية».

وعملت الوحدة على جمع المعلومات وتنفيذ العمليات في أوروبا انطلاقًا من أوت سافوا في الفترة الممتدة بين العام 2014 حتى نهاية العام 2018. وامتد نشاط الوحدة في منطقة جبال الألب الفرنسية القريبة من الحدود السويسرية والإيطالية، لتشمل مدن شاموني وإيفيان وآنماس، واستهدفت عملياتها دول مثل: بلغاريا، ومولدوفا، والجبل الأسود، وفق التقرير.

وقالت الصحيفة: إن عددًا من الضباط الخمسة عشر زاروا فرنسا بشكل متكرر، والبعض الآخر لمرة واحدة أو مرتين، وكانوا يأملون في إزالة الشكوك المحيطة بمهاهم، قبل مكوثهم في المنطقة المعروفة فقط بأنشطة التزلج، ولا تتمتع بأي ماض استخباراتي أو أهمية إستراتيجية.

ومن بين الضباط الذين زاروا «أوت سافوا» مرارًا ألكساندر بتروف، ورسلان بوشيروف، وهما اسمان مستعاران للعميلين المتهمين بتنفيذ عملية اغتيال سكريبال. ولم تعثر أجهزة الاستخبارات الغربية حتى الآن على أي مواد، بما في ذلك أسلحة، خلفها العملاء خلال إقامتهم في فرنسا، لكنها تأكدت من وجودهم عبر رصد أنشطة طبيعية مثل التسوق، وتناول الطعام، والإقامة، والتجول في الشوارع.

من جنود سكارى إلى جيش تهابه أمريكا.. كيف يخطط جيش روسيا للمستقبل؟

ونقلت لوموند عن المسؤول الفرنسي قوله: إن «الفرضية الأكثر ترجيحًا هي أن الروس اعتبروها (أوت سافوا) قاعدة خلفية لجميع العمليات السرية التي نفذتها الوحدة 29155 في أوروبا». وإثر هذه المعلومات فتحت أجهزة المخابرات الغربية تحقيقًا جديدًا في محاولة تسميم سكريبال في بلدة سالزبيري الإنجليزية في آذار (مارس) 2018. كانت بريطانيا وحلفاؤها قد اتهموا الكرملين العام الماضي بمحاولة اغتيال العميل المزدوج بمادة إشعاعية سامة، وهي تهمة نفتها روسيا بشدة.

بدوره قال الخبير في مركز الفكر الأوروبي في العاصمة التشيكية براغ، مايكل ميشولت: إن «السلطات الفرنسية ستحتج بشدة خلال الأيام المقبلة على هذه التصرفات الروسية، ويمكن أن تطرد دبلوماسيين روس من أراضيها». وتابع: «من الواضح أن الاستخبارات الفرنسية سربت معلومات عن الخلية الروسية لصحيفة «لوموند» لإرسال رسالة للكرملين بأن تحركاته رصدت»، ومضى قائلًا: «لا أظن أن نشر هذه المعلومات كان محض صدفة.. إنه تحرك إستراتيجي فرنسي جيد».

لكن استغلال موسكو لمناطق جبال الألب الفرنسية، كقاعدة خلفية لأنشطة تجسس وعمليات استخباراتية، لا يمكن اعتباره إستراتيجية دائمة، أو محاولة لاستبدال مناطق النشاط التاريخي، فيينا وبروكسل، بمدن الجليد الفرنسية، بل إن التواجد الروسي في تلك المنطقة خلال الفترة بين 2014 و2018 كان مناورة، ومحاولة للهروب بعيدًا عن أعين أجهزة الاستخبارات الغربية، وبعد رصد الموقع لن يكون للروس تواجد فيه مستقبلًا.

ودائمًا ما يلعب الموقع الجغرافي الجيد، ومدى القرب من نطاق عمل المنظمات الدولية، وسهولة الحركة، الدور الأكبر في اختيار القاعدة الخلفية لأية خلية أو جهاز استخباراتي، سواء داخل أوروبا أو خارجها، لذلك كان اختيار جبال الألب في حالة الخلية الروسية «جيدًا»، مثلما كان اختيار فيينا، وبروكسل، وبرلين، في حالات سابقة جيدًا أيضًا.

لكن الأنشطة الاستخباراتية ستستمر وتزداد كثافة مع تزايد الخلاف بين الروس والغرب، وتصبح أكثر تعقيدًا كلما تعقدت التكنولوجيا والأجهزة الوسيطة، فيما تستمر القواعد الخلفية في التغير، ومثلما ظهرت منطقة الألب فجأة ستظهر مناطق أخرى فجأة أيضًا في المستقبل؛ حيث يرتبط البحث عن مناطق العمل والحركة بمدى تطور واحتدام الصراعات الاستخباراتية. بعبارة أخرى: «فإن تفاقم الصراع بين روسيا والغرب يدفع الأولى إلى البحث عن مراكز لجمع المعلومات عن الغرب وتنفيذ العمليات الاستخباراتية».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد