يرى العديد من المراقبين للشأن السوداني الآن أن تفاقم تباين وجهات النظر بين الحكومة السودانية والمجلس السيادي قد يكون مؤشرًا لفشل في الشراكة الحقيقية بين العسكريين والمدنيين، خاصةً في ضوء أن الوثيقة الحاكمة للفترة الانتقالية قد منحت رئيس المجلس الفريق عبد الفتاح البرهان حق مراقبة السُلطة التنفيذية، ومناقشتها وسحب السُلطة منها، وهو ما يجعل باب الانقلابات القديم مفتوحًا أمام الحكومة المدنية الحالية.

ومن جديد تجددت حالة الشد والجذب بين الطرفين عقب طلب حمدوك من مجلس الأمن التفويض لإنشاء البعثة الأممية في السودان لتكون خاصة من الأمم المتحدة لدعم السلام بشكل يشمل كامل أراضي السودان، ليعقد البرهان في اليوم التالي اجتماعًا طارئًا في مقر القيادة العامة للجيش دون أن تُعلن نتائجه. التقرير التالي يشرح لك لماذا طلب حمدوك مظلة أممية، وما هو الدور السياسي لتلك البعثة.

مُحاصرٌ من الجميع.. هل يخشى حمدوك من انقلاب وشيك؟

يبرر حمدوك إرساله خطابًا رسميًا لمجلس الأمن بشأن طلب البعثة الأممية الجديدة في السودان إلى تحدياتٍ سياسية علنية ممثلة في انتهاء عمل البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لعمليات السلام في دارفور والتي تعرف اختصارا باسم «يوناميد»، ومن المقرر أن تغادر البلاد في أكتوبر (تشرين الثاني) القادم.

من جانبٍ آخر يخشى حمدوك من عدم قدرته في طي ملف تحقيق السلام الشامل في السودان المتعلق بوصول إلى اتفاق سلام حتى بعد توقيع «اتفاق المبادئ» بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي، وصولًا إلى اتفاق أولي حول ترتيبات سياسية وأمنية ما يمهد الطريق في نهاية المطاف لاتفاق مصالحة عبر محادثات مستمرة بين الجانبين.

وتشترط «الوثيقة الدستورية» لاتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري والمعارضة التي وُقعت في أغسطس (آب) الماضي على حمدوك تحقيق السلام خلال الأشهر الستة الأولى، والعمل على تحقيق سلام مستدام وإنهاء معاناة النازحين واللاجئين؛ ما يعني أنّ الحكومة الحالية أمامها مهلة حتى نهاية الشهر الجاري فقط للوصول إلى اتفاق نهائي وشامل.

لذا كان الحل من وجهة نظر الحكومة هو تقديم طلب للأمم المتحدة لتمديد بقاء القوات الأممية في درافور، إضافًة إلى طلب بعثة سياسية لإشراك المجتمع الدولي من جهة، وعدم تحمّل حمدوك وحده مسئولية فشل تحقيق السلام من جهة أخرى.

ويخشى حمدوك من الثغرات القانونية في «الوثيقة الدستورية»، والتي تُعدّ وفقًا لمُراقبين السبب الرئيس في تعثر تحقيق الشراكة بين المدنيين والعسكريين، فطبقًا لصلاحيات البرهان الممثلة في رئاسته للمجلس السيادة، فإنه يُمكنه إعفاء رئيس الوزراء متى شاء، في حال انتهت المهلة الممنوحة له لتوقيع اتفاق سلام مع الحركات المُسلحة.

يواجه حمدوك اتهامًا آخرًا مُشكلة أخرى في خرقه الصريح للوثيقة الدستورية، بإرساله خطاب إلى الأمم المتحدة، وبحسب الفصل السادس من الوثيقة، الذي استند عليه حزب «الأمة» السوداني فإن: «إرسال مثل هذا الخطاب، ليس من مهام الحكومة الانتقالية، ويتنافى مع التفويض الشعبي لها المتمثل في تحقيق مقاصد الثورة، وخرقًا للوثيقة الدستورية التي أشارت إلى بناء دولة وطنية ذات سيادة وفق مشروع نهضوي متكامل».

 ويبدو أنّ حمدوك لا يخشى فقط انقلابًا عليه من الجيش، فعلى مدار الشهور الأخيرة، توسعت قرارت الحكومة إعفاء الصف الثاني من مسؤولي الحكومة في الوزارات والبنوك، بالإضافة إلى تصفية نظام الإنقاذ المنهار، وإنهاء تمكينه من مفاصل الدولة، ومحاسبة رموز النظام السابق، وحظر حزبه «المؤتمر الوطني» ضمن سياسة هادئة لاقتلاع جذور النظام القديم الذي بات يُواجه اتهاماتٍ بعرقلة سياساته وتأجيج الشارع ضده ضمن سياق «الثورة المضادة».

ولا يقتصر خوف حمدوك على مراقبة الجيش ورجال الحرس القديم، فمع تجدد الاحتجاجات إثر تفاقم أزمات الخبز والوقود تواجه الحكومة ضغوطًا ممثلة في تحقيق أبرز مطالب الثورة، في وقتٍ فشل فيه حمدوك في تطبيق خطته الاقتصادية التي اعتمدت على خفض الإنفاق العسكري للجيش بشكلٍ كبير؛ إذ لا يقتطع 80% من الميزانية كما كان العهد في السابق، وهو ما يضع حمدوك في مواجهة الجميع؛ الخوف من انقلاب الجيش وقوات الدعم السريع، أو المواجهة مع الشارع المتأزم بعد عامٍ من وعود الثورة.

هل البعثة الأممية في السودان ضامنة لعدم الانقلاب العسكري؟

الخطاب الذي أرسله حمدوك منفردًا إلى الأمم المتحدة من دون استشارة المكونات السياسية في البلاد أثار عاصفةً من الانتقادات والتخوفات؛ فبينما تحقق البعثة الأممية لرئيس الحكومة حمايةً من الانقلابات العسكرية وغطاءً سياسيًا لإخفاقات الحكومة لملف السلام، إلا أنها من جانبٍ آخر قد تُعيد السودان إلى مظلة إمبريالية تتمنح مجلس الأمن صلاحيات المحكمة الدستورية، و وتضع مؤسسات السلطة الانتقالية تحت قيادة البعثة الأممية المقترحة، بحسب معارضين.

يقول الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ «ساسة بوست»: «السبب الرئيس لرفض اقتراح حمدوك هو المخاوف من تدخل قوات دول عربية ضمن البعثة الأممية، وهو ما سبق أن حدث خلال بعثة اليوناميد، وتسببت في إطالة أمد الحرب في دارفور نتيجة اختلاف الأجندات السياسية».

والمخاوف من دور عربي جديد محتمل في السودان أعلنه صراحة حزب «المؤتمر الشعبي» الذي اتهم القيادي المفصول من حركة «فتح»، محمد دحلان الذي يعمل مستشارًا حاليًا لولي عهد أبوظبي، الأمير محمد بن زايد، بالتخطيط لتفكيك السودان، وتحقيق انفصال دارفور.

ويوجد في السودان حاليًا بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي المعروفة اختصارًا بـ «يوناميد»، ومهمتها حفظ السلام وحماية المدنيين في إقليم دارفور عقب الصراع المُسلح الذي نشب عام 2003، حين هاجم «جيش تحرير السودان» و«جبهة العدل والمساواة» نقطة عسكرية، وكبّدوا قواتها خسائر بشرية ومادية، وكان هدف الانتقام المُعلن هو سياسة نظام البشير باضطهاد وتهميش ذوي الأصول الأفريقية السوداء لحساب ذوي الأصول العربية في دارفور، لتبدأ بعدها واحدة من أبشع مجازر القرن، والتي خلفت وراءها نحو 300 ألف قتيل، وأكثر من 3 مليون مشرد أصبحوا بلا مأوى.

ومنذ عام 2005 يخضع السودان للفصل السابع وفق قرارات مجلس الأمن، الذي يجيز استخدام القوة العسكرية والعقوبات السياسية والاقتصادية ضد البلد المعنيّ أو أي أفراد يهددون الأمن والسلم، فيما يمنح الفصل السادس – الذي تطالب به الحكومة السودانية به – إمكانية تكوين بعثة أممية خاصة لدعم السلام تشمل ولايتها كامل أراضي البلاد، دون أن تشمل قوات عسكرية.

وبعد ثلاث سنواتٍ من النزاع اعترف المبعوث الأممي بأن محاولات جلب السلام إلى إقليم دارفور فشلت، وأن هناك حاجة إلى قوة حفظ سلام تابعة للمنظمة يتراوح قوامها بين 12 ألفًا و20 ألفًا لوقف أعمال القتل والاغتصاب، ليبدأ تشكيل قوات «اليوناميد» بتكلفة شهرية بلغت 106 مليون دولار أمريكي شهريًا، مع تفويض من مجلس الأمن لفرض السلام وحماية المدنيين.

المظلة التي فرضها المجتمع الدولي على السودان ممثلة في «اليوناميد» فشلت في تحقيق مهامها ممثلة في حماية المدنيين وإعادة السلام، كما فشلت في التصدي لقوات «الجنجويد» التي رأسها حميدتي ومارست حملات تطهير عرقي، لتتهم المحكمة الجنائية الدولية عام 2009 عمر البشير وعددًا من رموز نظامه بجريمة الإبادة، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

القوات الأممية فشلت أيضًا في حماية نفسها ضد حملات النهب التي واجهتها، واضطرت للاستعانة بالجيش والاحتماء به في كثيرٍ من المهام، كان آخرها قبل شهرين حين تعرض مقر بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في ولاية جنوب دارفور إلى عملية سطو وتخريب واسعين على يد مجموعات كبيرة من السكان المحليين، وسط اتهامات للحكومة الولائية بالتقصير والتواطؤ في الأحداث، وبلغت قيمة المسروقات نحو 100 مليون دولار، والفشل الذي واجهته تلك القوات سبق وأن تكرر في دول مثل العراق، وفلسطين، وليبيا، وأفغانستان، وسوريا.

وبينما يعول حمدوك على وجود البعثة الأممية كضمانة ومظلة دولية لحمايته من الانقلاب العسكري، يجهر المعارضون بأنّ خُطة حمدوك غير مأمولة العواقب خاصة أنّه يضع مستقبله السياسي في خطر؛ كونه رئيس حكومة انتقالية أعاد السودان من وجهة نظر بعض معارضيه إلى شكل جديد من أشكال الاستعمار عبر وصاية دولية. 

«هآرتس»: قنابل وأموال سعودية.. التاريخ السري للعلاقات الإسرائيلية – السودانية

لماذا قد يقبل حمدوك بما يسميه معارضيه «الاستعمار الجديد»؟

تبدو تحركات الحكومة الانتقالية أغلبها صوب قضيةٍ أساسيةٍ تسعى للفوز بها، حتى لو تتطلب ذلك دفع ثمن كبير، وليس أهمها البعثة الأممية؛ فخلفية حمدوك كرجل عمل لسنواتٍ في الأمم المتحدة أهلته لتولي منصب رئيس الحكومة أملًا في إقناع العالم بحذف اسم بلاده من القائمة الأمريكية الخاصة بالدول الراعية للإرهاب.

وتثير الحكومة السودانية الجدل في كل مرةٍ تسعى فيه لتغيير مواقفها القديمة أملًا في العودة للانفتاح على الخارج، والتحركات نفسها أكدتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التي اعتبرت أن اللقاء الذي جمع البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في أوغندا يحمل قيمة دبلوماسية كبيرة، وأنّ الوصول إلى البيت الأبيض مرهون بإقامة العلاقة مع إسرائيل.

ورغم نفي الحكومة علمها باللقاء إلا عبر وسائل الإعلام، كن القوات المسلحة السودانية خرجت برواية أخرى مضادة مفادها أن «اللقاء عُقِدَ بعلم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك»، حسبما أكد متحدث باسم القيادة العامة للقوات المسلحة، نقلًا عن اللواء البرهان، لتثير المزيد من علامات الاستفهام، التي تتكئ على علامات تعجب حول من يمسك بزمام السلطة في السودان، أو أنها ضمن سياسة يرضاها حمدوك.

ومؤخرًا نجح حمدوك خلال زيارته للولايات المتحدة في إعادة تبادل السفراء بين البلدين، لكنّ التحركات الأمريكية لم تكن لتمضي إلا عبر سياسة العصا والجزرة لدفع السودان الفاتورة كاملة لرفع اسمه من قائمة العقوبات أملًا في تحسين وضعه الاقتصادي.

في سياق التحولات التي يشهدها السودان، أعلنت الحكومة السودانية اتفاقها مع الحركات المسلحة في إقليم دارفور، خلال مفاوضات السلام بجوبا، على تسليم كل المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب جرائم حرب في دارفور، وعلى رأسهم الرئيس السابق عمر البشير.

ومن بين التحركات السياسية على مستوى مجلسي السيادة والوزراء، أعلن السودان توقيع اتفاقية تسوية مع أسر ضحايا حادثة تفجير المدمرة الأمريكية «كول» عام 2000، التي لا تزال إجراءات التقاضي فيها ضد السودان مستمرة أمام المحاكم الأمريكية. لكن ما فاقم الأزمة والصدام بين المكونات السياسية والحكومة، هو طلب حمدوك المثير للجدل لتخصيص بعثة أممية لدعم السلام في البلاد، وهي خُطوةٍ قد يُنظر لها كبداية لنجاح حمدوك في مهمته الأساسية، إضافة لحمايته من مراكز القوى في الداخل، وسط مخاوف من أن يسقط السودان تحت مظلة استعمار ووصاية أجنبية جديدة.

عربي

منذ 8 شهور
لماذا يحاول عسكر السودان التعلق بأهداب إسرائيل؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد