تقدم 18 عضوًا في الكونجرس الأمريكي للحزب الجمهوري بخطاب للجنة الخاصة لجائزة نوبل يرشحون فيه الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب للفوز بجائزة نوبل للسلام لعام 2019. يعتقد الأعضاء الموقعون على الخطاب أن الرئيس ترامب استحق الجائزة عن جهوده الكبيرة في صناعة السلام بين الكوريتين خلال العام الحالي.

وجاء في الخطاب الذي أُرسل إلى اللجنة النرويجية إن الرئيس الأمريكي «يجب أن يتسلم جائزة نوبل للسلام للعام 2019 اعترافًا بأعماله المهمة لإنهاء الحرب الكورية، وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية وجلب السلام إلى المنطقة»، وأثار هذا الخطاب عاصفة من ردود الأفعال التي يتجه بعضها للاعتراف بأن الرئيس ترامب بالفعل جدير بهذه الجائزة الشرفية لجهوده المهمة من أجل السلام، وآخرين يرون في هذا الترشيح أمرًا غير مقبول.

الرئيس الكوري يطلق كرة الثلج

كان الكوريون الجنوبيون يعتبرون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطرًا بنفس القدر الذي يشكله رئيس كوريا الشمالية كيم جونج أون؛ وذلك في أعقاب أزمة التصريحات التي ظهر فيها الرئيسان يهدد كل منهما الآخر بحجم «الزر النووي» الخاص به عبر منصة تويتر.

ظهر ذلك في أثناء زيارة الرئيس ترامب للعاصمة سيول في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما خرجت بعض المسيرات المناهضة له والتي كانت تهتف ضد الرئيس ترامب بأنه «مجنون حرب». في الوقت الحالي، انعكست الأمور تمامًا وأصبح الشعور الغالب لدى الكثيرين في كوريا الجنوبية تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الامتنان الشديد؛ الذي كان نتيجة لجهود الرئيس الأمريكي في مباحثات السلام الجارية الآن بين الرئيس الكوري الجنوبي ونظيره الكوري الشمالي.

Embed from Getty Images

الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج أون رفقة الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن.

يعكس هذا المزاج الشعبي ما صرح به الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن، والذي يرى إن مجهودات الرئيس الأمريكي في تثبيت حالة السلام غير المتوقعة بين الكوريتين، والتي ربما تطوي صفحات من العداء التاريخي بين البلدين، ربما تستحق أن تجعل الرئيس ترامب جديرًا بأن يفوز بجائزة نوبل للسلام لهذا العام. في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، قال الرئيس الكوري الجنوبي: «الحقيقة هي أن الرئيس الأمريكي هو من يستحق الفوز بها (جائزة نوبل للسلام)؛ نحن فقط يمكننا أن ننعم بالسلام».

جاءت تصريحات الرئيس الكوري الجنوبي بردًا وسلامًا على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يواجه في بلاده الكثير من الانتقادات العنيفة، وما يطلق عليه الفضائح الأخلاقية، والتحقيقات الخاصة بتورطه في التواصل مع روسيا أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة. تصريحات الرئيس الكوري الجنوبي نقلها مكتبه أثناء الاجتماع الذي جمعه مع كبار مسئولي الرئاسة. وتلقى مون أثناء الاجتماع رسالة من لي هي هو، السيدة الأولى سابقًا لكوريا الجنوبية، تهنئه فيها على اجتماع القمة الناجح مع الرئيس الكوري الشمالي، وتتمنى له الفوز بجائزة نوبل للسلام.

 

«فلما استحكمت حلقاتها فرجت».. كيف وجد العداء بين الكوريتين فجأة طريقه للحل؟

غرابة ترامب تؤتي أُكلها

يعتقد البعض أن الطريقة التي تعامل بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج أون هي التي أجبرت الأخير على القبول بالجلوس على طاولة المفاوضات مع الرئيس الكوري الجنوبي. هذا الضغط الذي مارسه ترامب على الرئيس الكوري الشمالي، من خلال التهديد بمزيد من العقوبات الاقتصادية على بيونج يانج والتهديدات بالتدخل العسكري، جعل الرئيس الكوري الجنوبي والمسؤولين الكوريين الجنوبيين يتوجهون بالشكر في مرات عديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

تختلف التقديرات حول ما إذا كان هذا الشعور بالامتنان هو شعور حقيقي، أم أنه استخدام ذكي لنرجسية الرئيس الأمريكي، وإثارة لغروره بهدف دفعه للاستمرار في دعم جهود الحكومة الكورية الجنوبية لحل الأزمات السياسية العميقة مع كوريا الشمالية بأقل قدر من الخسائر للطرفين.

يستند التحليل الأخير إلى حرص الرئيس الأمريكي على أن ينسب له الفضل في دفع الرئيس الكوري الشمالي للموافقة على هذه المفاوضات. مع بداية العام الحالي، غرد الرئيس ترامب على موقع «تويتر» قائلًا: «مع فشل كل «الخبراء» في تقديم مساهمة قوية، هل توقع أي شخص أن هذه المحادثات سوف تستمر بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية إلى الآن لو لم أكن حازمًا، وقويًا وعازمًا على فرض قدرتنا الكاملة على كوريا الشمالية؟».

«بالأرقام»: ملخص شامل لعامٍ قضاه ترامب داخل أسوار البيت الأبيض

الأمم المتحدة.. أداة أمريكا لإخضاع الزعيم الشمالي

بدأت الضغوطات التي قادتها الولايات المتحدة، رفقة مجموعة من حلفائها، على بيونج يانج منذ أن بدأت الأخيرة أول الاختبارات النووية عام 2006. الأمم المتحدة كانت هي الطريق الشرعية لتنفيذ هذه العقوبات، ونجحت بالفعل الحكومات الأمريكية منذ ذلك الوقت بإقناع حلفائها بمساندتها في مطالبها الدائمة بإحكام الخناق على الحكومة الكورية الشمالية.

في نفس هذا الاتجاه، قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتمرير تسع مراحل من العقوبات على كوريا الشمالية بعد رفضها الانصياع لتوصيات المجلس بإيقاف برنامجها النووي، كل هذه القرارات كانت بدفع مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية.

Embed from Getty Images

شهدت هذه العقوبات تصاعدًا كبيرًا مع إصرار الزعيم الكوري الشمالي على المضي قدمًا في تنفيذ خطته النووية؛ فكانت بداية العقوبات تتمثل في حرمان بيونج يانج من شراء الأسلحة الثقيلة والتكنولوجيا الخاصة بالمدفعية وبعض البضائع الترفيهية. في العام الماضي تصاعدت حدة العقوبات إلى درجة حرمان كوريا الشمالية من واردات النفط والمعادن والمنتجات الزراعية، والمطالبة بترحيل العمال الكوريين الشماليين بالخارج إلى بلادهم.

تقول بعض التقديرات إن هذه الضغوطات لم تكن لتنجح بالكامل لولا التدخل المتأخر الذي قدمته الصين للأمم المتحدة بتخليها عن حليفتها الدائمة بيونج يانج. كان للحكومة الصينية دور حاسم خلال العام المنصرم في عملية إخضاع النظام الكوري الشمالي؛ فمع قبولها -ممثلة في عضو مجلس الأمن- للعقوبات على بيونج يانج، وهي صاحبة الحصة التجارية التي تبلغ 90% من تجارة كوريا الشمالية، فقد أجبرت الزعيم الشمالي كيم جونج أون على الاستسلام.

انقسامات أمريكية حول أحقية ترامب بجائزة نوبل

في مقابلة له مع قناة «فوكس نيوز»، قال السيناتور لينزي جراهام، عضو الحزب الجمهوري، إنه سيكون هناك خسائر جماعية في حالة فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجائزة نوبل للسلام؛ وذلك حال نجاح المفاوضات الجارية بين الجارتين كوريا الشمالية والجنوبية لإنهاء الصراعات التي دامت سبعة عقود. وقال جراهام: «قد تكون هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إعطاء جائزة نوبل لشخص، وتكون هناك خسائر جماعية، لأنني أعتقد أن الكثير من الليبراليين قد يقتلون أنفسهم إذا حدث ذلك».

Embed from Getty Images

يرى العديد من الجمهوريين أن استحقاق الرئيس ترامب لهذه الجائزة، حال نجاح المفاوضات الحالية، هو أمر لا يمكن التشكيك فيه؛ وذلك بالنظر إلى القيمة التي سيقدمها للعالم بجلب السلام إلى المنطقة التي فشل الجميع في تهدئتها خلال العقود الماضية منذ انتهاء الحرب الباردة باعتبارها نقطة أخيرة للصراع.

يدعم هذا الطرح من الجمهوريين حقيقة أن هذه الجائزة كان قد حصل عليها كيم داي جونج، الرئيس الأسبق لكوريا الجنوبية، في عام 2000؛ وذلك تتويجًا لجهوده ببدء مرحلة تهدئة الأوضاع مع كوريا الشمالية، والتي تبين لاحقًا فشلها في الوصول إلى أي نتائج حقيقية.

على الجانب الآخر، يرى معارضو ترامب من الديموقراطيين أن فوز ترامب بهذه الجائزة لن يكون مجرد فوز زعيم بجائزة مستحقة نتيجة جهوده لدعم محادثات السلام في أهم البقاع الساخنة في العالم، لكن ذلك سيعني فوز رئيس يسخر من القادة الأجانب في المجال العام، وأطلق غارات جوية متعددة وهدد ببدء العديد من الحروب؛ بجائزة نوبل للسلام. حال فوزه بالجائزة، لن يكون الرئيس الحالي دونالد ترامب هو الرئيس الأول الذي يحصل على هذه الجائزة، فقد سبقه بالفوز بها الرؤساء السابقين ثيودور روزفلت وجيمي كارتر وودرو ويلسون وباراك أوباما.

إذا فاز بها ترامب لن تكون أكبر مفارقة.. أوباما لم يكن يعلم سبب فوزه بها!

تمتلك جائزة نوبل للسلام تاريخًا كبيرًا من الجدل حول موضوعيتها، وآليات الاختيار بداخل اللجنة. كان لو دوك تو أول شخص يرفض هذه الجائزة، بعد أن فاز بها لمجهوداته في اتفاقيات وقف إطلاق النار في أثناء حرب فيتنام، وقد نالها مناصفة مع وزير الخارجية الأمريكي وقتها هنري كيسنجر. رفض تو هذه الجائزة لأنه كان يرى أن السلام لم يحل بشكل حقيقي في جنوب فيتنام.

Embed from Getty Images

على جانب آخر، وقبل أن يتم عامه الأول في البيت الأبيض، كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد فاز بجائزة نوبل للسلام عام 2009، وكان فوزه قد تسبب في عاصفة من الانتقادات للجنة الاختيار في ذلك الوقت. رسميًا، أعربت إدارة الرئيس أوباما وقتها أنه كان أمرًا محرجًا أن يفوز بها الرئيس أوباما في سنته الأولى في البيت الأبيض. كان إعلان لجنة الاختيار بشأن أسباب فوز أوباما أكثر غرابة بالنسبة للكثيرين، حيث عللت اللجنة أسباب اختيارها لأوباما بسبب: «جهوده غير العادية لتعزيز الدبلوماسية الدولية والتعاون بين الشعوب»، وهو التوصيف غير المنضبط في نظر البعض والذي يمكن أن يشمل ببساطة الكثير من الشخصيات والقادة في العالم.

عند سؤاله عن سبب فوزه بهذه الجائزة قبل أن يتم تسعة أشهر في منصبه الجديد، قال أوباما: «لكي أكون أمينًا، لازلت لا أعلم». بحسب الموقع الرسمي للجائزة، فإن هناك 329 مرشحًا لجائزة نوبل للسلام لعام 2018، وسوف يتم إعلان الفائزين في ديسمبر (كانون الأول).

لم تكن هذه المرات هي الأكثر جدلًا بالنسبة لشخصيات الفائزين بالجائزة في التاريخ، فهناك من النسخ التي أعطيت بحسب بعض التقديرات لسفاحين قاموا ببعض الجرائم التي يمكن تصنيفها كبوصفها «جرائم ضد الإنسانية» بسهولة. أحد هذه الاختيارات كانت المرة التي أعطيت فيها الجائزة لهنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، والذي استخدم الكذب والخداع لإقناع الكونجرس بالموافقة على ضرب الحدود الفيتنامية الكمبودية لإجبار القوات الفيتنامية على الرضوخ لمفاوضات السلام بالشروط الأمريكية وقتها، وذلك باستخدام قنابل «B25 Bombers» شديدة التدمير، وذلك رغم حالة الحياد التي كانت تتبناها الحكومة الكمبودية في تلك الحرب.

رئيسة وزراء بورما ليست وحيدة.. تعرَّف على 4 «سفاحين» حصلوا على جائزة نوبل للسلام

واقعيًا.. ما هي فرص ترامب للفوز بالجائزة؟

تُعطى جائزة نوبل للسلام، وهي واحدة من بين خمس جوائز سنوية عادة، لشخص أو أكثر من الأشخاص الذين «يجب أن يكونوا قد قاموا بأكثر أو أفضل عمل للتآخي بين الأمم، أو إلغاء أو تخفيف الجيوش الدائمة أو لعقد مؤتمرات السلام والترويج لها».

تحمل هذه النسخة من الجائزة العالمية حظوظًا أكبر يدعهما التاريخ للرؤساء أو القادة الذين ساهموا بشكل فعَّال في صناعة السلام بين الأمم المتحاربة، أو هؤلاء الذين عملوا بكفاءة على عمليات نزع الأسلحة النووية. تجعل هذه الشروط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرشحًا مثاليًا للفوز بالجائزة، مع النجاح الذي حققه في المسألة الكورية، رغم استخدامه للتهديدات العسكرية الواضحة في تحقيقها.

تشهد بهذه الحظوظ وكالات المراهنات التي تجعل ترامب المرشح الثاني الأكثر حظًا بالفوز بهذه الجائزة بعد الرئيسين الكوريين كيم جونج أون ومون جاي إن. ويسبق ترامب في هذه الترشيحات، طبقًا لموقع «Coral» أحد أكبر منصات المراهنات البريطانية، كل من الناشط السعودي رائف بدوي، ومفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، والبابا فرانسيس.

رغم حقيقة كون الرئيس ترامب أول رئيس للولايات المتحدة في التاريخ، يوافق على مقابلة الزعيم الكوري الشمالي، وكذلك المفاوضات الجارية بين الصين وكوريا الشمالية باعتبارها حليفة أهم، والتي تظهر مؤشرات نجاح أكثر من كافية، يبقى الأمر معلقًا بالنسبة لمراحل تنفيذ الاتفاقيات على أرض الواقع. فمع كل هذه المفاوضات، إلا أن منشأة واحدة نووية في بيونج يانج لم يتم إعلان موعد توقفها عن العمل، وكذلك لم تُعلن أي اتفاقية بشأن كيفية التعامل مع البنية التحتية النووية في بيونج يانج.

قضايا أخرى سوف تتحكم في فرص ترامب في الفوز بجائزة نوبل، من أهم هذه القضايا هي قضية الاتفاق النووي مع إيران، والتي أعلن ترامب انسحابها من المفاوضات الخاصة بها؛ وهو الأمر الذي يمكن أن ينظر له بسهولة على أنه خسارة حقيقية في احتمالات فوزه بالجائزة، خصوصًا مع التحذيرات الأوروبية الكثيرة بشأن الانسحاب من هذه المفاوضات. القضية الأخرى التي تعاكس تزايد احتمالات ترامب بالفوز بنوبل هي قراره بنقل عاصمة إسرائيل إلى القدس، وهو القرار الذي يمكن اعتباره عرقلة واضحة لعملية السلام في الشرق الأوسط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد