ذهبت أغلب التحليلات التي اهتمّت بالشأن التونسي إلى أن السنة القادمة ستكون سنة اجتماعية بامتياز بل وتعدّدت التحذيرات، من داخل الائتلاف الحاكم ومن خارجه، الدّاعية لتدارك الحكومة أمرها قبل انفلات الأمور خاصة مع احمرار أغلب المُؤشّرات الاقتصادية وانعكاسها المُباشر على سعر صرف الدينار التونسي في سوق العملات العالمية، الأمر الذي فاقم من حجم التّضخّم وألهب أسعار المواد الأساسية.

وعلى نحوٍ مُفاجئ؛ شهدت الأسابيع الأخيرة جملة من الأحداث المُتسارعة التي فتحت الباب على مصراعيه لإمكانية التحاق المشهد السياسي بمساحات الاضطراب المُمكنة خلال الأشهر القادمة، في ظل استعداد البلاد للانتخابات البلدية التي تُعتبر تكملة لجهود تنزيل الدّستور التونسي الجديد الذي صودق عليه في 2014 والذي تبنّى اللامركزية باعتبارها فلسفة لتوزيع الحكم والسلطة.

 

المُساواة في الميراث.. وتأجيج التجاذب الأيديولوجي

قال الرّئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، في خطابٍ ألقاه يوم 13 أغسطس (آب) الماضي بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة، عن أنّ المساواة بين الرجل والمرأة التي أقرّها الدستور التونسي يجب أن تشمل جميع المجالات بما فيها المساواة في الإرث. وفي ذات السياق، طالب السبسي بضرورة مُراجعة القانون المُتعلّق بمنع التونسية من الزواج بغير المُسلم.

وأضاف السبسي أنّ الدستور التونسي «هو دستور لدولة مدنية ولكن بشعب مسلم فلا يجب أن نذهب في إصلاحات تصادم الشعب التونسي»، معتبرًا أنّ «الإرث ليس مسألة دينية وإنّما مسألة بشر لهذا يمكن الحديث عنه وأنّ العقل القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة لمشروعيّة الإرث التي لا تتعارض مع الدين ومع القانون»، وفق تعبيره.

وبين مُرحّبٍ ومُعارض، دخلت البلاد من جديد في تجاذب أيديولوجي خُيِّل أن الدّستور قد حسمه سابقًا. وطرحت عديد التساؤلات حول توقيت طرح هذه المُبادرة خاصة لتزامنها مع فترة الاستعداد للانتخابات البلدية التي تحتاج لأوسع قدر ممكن من السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي: بعض التحليلات رأت أن الرّئيس بدأ يستعدُّ للانتخابات البلدية ثم التشريعية والرئاسية القادمة من خلال إعادة إنتاج ذات المشهد الانتخابي القائم على القُطبيّة من خلال تقديم نفسه باعتباره حاميًا للحداثة في مقابل رجعيين يُهدّدون النمط المُجتمعي التونسي، وبعضها الآخر قالت إن السبسي يريد أن يحذو حذو الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة الذي كان وراء عديد المُكتسبات لفائدة المرأة التونسية أهمها مجلة الأحوال الشخصية من خلال العمل على إصدار مجلة جديدة تتعلق بالحريات الفردية وتعديل مجلة بورقيبة عبر تدعيم حقوق المرأة التي تحتويها.

 

الجمهورية الثالثة

الرئيس التونسي خلال إشرافه على موكب الاحتفال بعيد المرأة
المصدر : الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك

 

وعين السبسي لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة لتتولّى إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريّات الفردية والمساواة استنادًا إلى مقتضيات الدستور، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتوجهات المعاصرة في مجال الحريّات والمساواة، وهي اللجنة التي ستدرس إمكانية تمرير الإصلاحات التي أعلن عنها، الأمر الذي يُؤكّد أن الجدل حول هذه المواضيع الحساسة سيتواصل طيلة الأشهر القادمة.

تأجيل الانتخابات البلدية

في الخامس من شهر سبتمبر (أيلول) الجاري، طالبت ثمانية أحزاب من الرئاسات الثلاث تأجيل موعد الانتخابات البلدية إلى شهر مارس (آذار) 2018 بسبب عدم توافر شروط إجرائها. وعقدت هذه الأحزاب وهي الحزب الجمهوري وحركة مشروع تونس وحزب المسار الاجتماعي وحزب تونس أولا وحزب آفاق تونس وحزب البديل التونسي وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب الوطن الجديد ندوة صحفية أعلنت فيها عن مطالبها من الرئاسات الثلاث والهيئة المستقلة للانتخابات بتحديد موعد جديد للانتخابات غير موعد ديسمبر المقبل.

واعتبرت هذه الأحزاب أن شروط إجراء الانتخابات لن تتوفّر إلا متى تم سد الشغور بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والمُصادقة على مجلّة الجماعات المحلّية التي ستنظّم عمل البلديات والمجالس الجهوي وفق النظام السياسي الجديد الذي يُعطي للبلديات والمجالس الجهوية صلاحيات واسعة لإدارة الشأن المحلي.

Les partis progressistes demandent le report des élections municipales

Geplaatst door Tunisie numerique op Dinsdag 5 september 2017

تقرير مصور حول ندوة الأحزاب السياسية المطالبة بتأجيل الانتخابات

يُذكر أن الهيئة العليا للانتخابات، والتي تعرف شغورًا منذ استقالة 3 من أعضائها منذ شهر مايو (أيار) الماضي، كانت قد أعلنت أن الشغور الحاصل في تركيبتها لا يمنع إجراء الانتخابات البلدية في التاريخ التي كانت قد حددته في 17 ديسمبر (كانون الثاني) لهذه السنة، وأن القانون لم يشترط إتمام المُصادقة على مجلة الجماعات المحلية، وأنها جاهزة لتنظيم الانتخابات في موعدها المُحدّد.

ورغم تطمينات الهيئة، نظّم البرلمان التونسي دورة برلمانية استثنائية للنظر في الشغور الحاصل وانتخاب أعضاء جدد لتعويض المُستقيلين، إلا أن النّصاب لم يتوفّر، بحكم تغيب النّواب، وهو ما أدى لتأجيل النّظر في الموضوع.

الرّئيس التونسي، من جهته، والذي منحه الدّستور صلاحية الدّعوة الرسمية للانتخابات، شهرين قبل موعد إجرائها، كان قد تبنّى مطالب الأحزاب المُطالبة بالتأجيل. وبالنّظر لفشل جلسة سد الشغور، امتنع عن الدّعوة للانتخابات البلدية يوم 17 سبتمبر(أيلول)، وهو ما يعني تأجيل انعقادها لموعد لاحق.

وأعلنت الهيئة العليا المُستقلة للانتخابات، في ندوة صحفية، الإثنين، عن موعد جديد للانتخابات وهو الـ 25 من مارس (آذار) 2018، إلا أن هذا الموعد يبقى نظريّا  إلى حين اعتماده رسميًا من طرف رئاسة الجمهورية.

تغيير النّظام السياسي

لست أنا من يقول ذلك، الجميع يؤكد أن النظام السياسي المنبثق عن الدستور الحالي يشكو هنّات عدة وهو نظام شلّ العمل الحكومي أو يكاد، وطابعه الهجين لا يساعد الحكومة والسلطة التنفيذية على القيام بواجباتها في إطار مجتمع ديمقراطي تتحقق فيه قيم الحرية والكرامة. *مقتطف من حوار الرئيس التونسي مع جريدة الصحافة

هكذا كان تقييم الرّئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، للنّظام السياسي الذي يحكم تونس خلال حوار صحفي مُطوّل، أجراه مع جريدة الصحافة، يوم 6 سبتمبر (أيلول) الماضي. تقييم لم يمر مرور الكرام خاصة لتزامنه مع بداية السنة السياسية (السنة السياسية تنطلق في شهر سبتمبر، إذ اعتبره الساسة والمحللون على حد السواء، عنوانًا للمعركة السياسية القادمة في تونس وهي معركة تغيير النّظام السياسي الذي أفرزه دستور الجمهورية الثانية.

السبسي الذي سبق له وأن لمّح للموضوع في مرّات سابقة، قال، خلال حوار صحفي تلفزي خصّ به القناة الحكومية التونسية، إنه لا يُطالب بتعديل الدستور وأن مُهمّته بوصفه رئيسًا للجمهورية تقتضي منه الحرص على احترامه، لكن هذا لا يمنعه من الإدلاء برأيه، وفق تعبيره.

السبسي الذي رأى البعض أنه تدارك أمره من خلال التراجع عن تلميحات تغيير النّظام السياسي والتي بدأت بطرح أمر «سهره على احترام الدستور» وهي مهمته السياسية وفق نصوص الأخير؛ أطلق بالفعل جدلا حول هذا الملف بقيادة الحزب الذي شكّله وهو نداء تونس لينوب عنه في هذه المعركة السياسية.

برهان بسيس، مسؤول العمل السياسي بالحزب، قال في تصريح لقناة «نسمة» الخاصة، إن الحزب يبحث في الآليات الكفيلة بطرح تغيير النظام السياسي. وأنه حان الوقت لإعادة التفكير في المنظومة السياسية الحالية التي بان عجزها واصفًا إياها بأنها «منظومة سياسية  شبه برلمانية وشبه رئاسية الجميع يحكم فيها ولا أحد يحكم».

برهان بسيس: برنامجنا السياسي للمرحلة القادمة النظر العاجل في آليات تغيير المنظومة السياسية

وأرجعت ردود الفعل حول هذه الدّعوات خلفيات طرحها، كُل حسب موقعه وموقفه، إلى أحد ثلاث:

  • رغبة في العودة إلى النظام الرئاسي ثم الرئاسوي بهدف الاستحواذ على السّلطة وهو ما عبّرت عليه الجبهة الشعبية (ائتلاف أحزاب يسارية مُعارضة) في ندوة صحفية، الثلاثاء، من خلال التحذير مما أسمته وجود مساع «خطيرة» لـ«الانقلاب على الدستور» و«تغيير النظام السياسي» في البلاد.
  • إقرار بأن النّظام السياسي الحالي نظام هجين وهو ما عبّر عنه مُستشار رئيس حركة النهضة، لطفي زيتون، في لقاء تلفزي قال فيه إن  الدستور هو من يصنع البنية السياسية في الدول، مشيرًا إلى أن النظام السياسي الحالي في تونس يفتقد لمركز، وأنه من الضروري وجود مؤسسة تضمن تطبيق القانون.
  • البحث عن مُواراة فشل النّخبة السياسية الحالية في حل مشاكل البلاد من خلال تعليق «فشلها» على النّظام السياسي، وهو ما أشار إليه الصحفي خليفة بن سالم.

قانون المُصالحة الإدارية وصورة البرلمان

قانون المُصالحة الاقتصادية الإدارية والذي تحوّل لاحقًا ـ إثر التعديل – إلى قانون المصالحة الإدارية هو مُبادرة تشريعية تقدم بها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في شهر يوليو (تموز) 2015 بهدف تسوية وضعيات مسؤولين سابقين في عهد بن علي، ورجال أعمال تعلقت بهم تهم فساد مالي وإداري.

واحتاج السبسي وفريقه أكثر من سنتين لينجح في نيل موافقة البرلمان الذي صوّت للقانون يوم 13 سبتمبر الجاري، بعد إدخال تعديلات عميقة فرضتها حركة النهضة التي اعترضت على النسخ الأولى، ليتحول عنوان القانون وجوهره إلى المصالحة الادارية فقط، مع حفظ دور هيئة الحقيقة والكرامة المُكلفة بملف العدالة الانتقالية بالبلاد.

ورغم تمريره حسابيًا وقانونيًا؛ تسبب القانون، الذي يعتبره مُعارضوه تبييًضا للفساد وانقلابًا على مسار العدالة الانتقالية، في أزمة عميقة سواء داخل قبة البرلمان أو في الشارع: شهدت جلسة مُناقشته مُحاولة نواب المُعارضة تعطيل سيرها من خلال التشويش على المداخلات مرة عبر طلب رفعها للتشاور وأخرى عبر تكرار إنشاد النشيد الوطني التونسي لمدة طويلة ناهيك عن تبادل الشتائم بين النواب في مشهد عكس حجم التصدّع الحاصل في المشهد السياسي التونسي.

فيديو لأبرز ما حصل أمام وداخل قبة البرلمان

الجمهوريات الفرنسية.. تجارب مقارنة

غير بعيد عن تونس؛ سبق لفرنسا أن عاشت تطوّرات سياسية عميقة عقب ثورة 1789 التي أطاحت بالنظام الملكي لتدشّن النّظام الجمهوري بديلا عن حكم لويس السادس عشر. وأطلق المُؤرّخون ومن قبلهم الفرنسيين في تلك الفترة على هذا العهد الجديد «الجمهورية الأولى» التي  أعلنت بشكل رسمي في 21 سبتمبر 1792، لتكون بذلك أول حكومة جمهورية في أوروبا.

واستمرت الجمهورية الفرنسية الأولى حتى قيام الإمبراطورية الفرنسية الأولى سنة 1804 عندما أعلن «نابليون بونابارت» نفسه إمبراطورًا. امتد الزمن الإمبراطوري من سنة 1804 إلى 1814 واستمرَّ حتى انكسار نابليون العسكري في «لايبزغ» ونفيه إلى جزيرة إلبا؛ فكانت عودةُ المَلَكية إلى فرنسا في العام 1814 واستمرارها حتى العام 1848، تاريخ إعلان الجمهورية الفرنسية الثانية.

الجمهورية الفرنسية الثانية هي النظام السياسي الجمهوري الذي تم اعتماده في فرنسا بين 25 فبراير (شباط) 1848 و2 ديسمبر (كانون الأول) 1851 بعد الثورة الفرنسية الثالثة وانتخاب نابليون بونابارت رئيسًا لها. توقف عهد الجمهورية الثانية عندما قام نابليون بانقلاب وانفرد بالسلطة بعد إعلان قيام إمبراطورية فرنسا الثانية وتنصيب نفسه إمبراطورًا.

تلى ذلك إعلان الجمهورية الفرنسية الثالثة في أعقاب الهزيمة الساحقة التي مني بها الإمبراطور نابليون الثالث على يد الجيوش الألمانية التي استولت على إقليم الإلزاس واللورين. استمرت الجمهورية الفرنسية الثالثة من سنة 1870 حتى سنة 1940 عندما سقطت باريس في قبضة الاحتلال الألماني النازي وتنصيب الجنرال بيتان رئيسًا للحكومة الفرنسية الجديدة الموالية لألمانيا التي عرفت باسم حكومة فيشي. واتسمت سنوات الجمهورية الفرنسية الثالثة بالاضطرابات السياسية المستمرة وتعاقب الحكومات وهو ما مهّد للدستور الجمهوري الرابع.

وتُعتبر الجمهورية الرابعة، استئنافًا للجمهورية الثالثة التي حكمت فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية، وتميز عهدها بعديد الإشكاليات السياسية خاصة مع تعدد الوزارات القصيرة (تعاقب الحكومات بنسق سريع) مما جعل التخطيط السياسي في تلك الفترة أمرًا شبه مستحيل. لذلك قامت فرنسا بتعديل دستورها في 13 أكتوبر 1946 بهدف إعادة هندسة منظومة الحكم من خلال تقوية سلطة الحكومة.

ورغم أن هذا العصر – عصر الجمهورية الرابعة – الذي امتد من سنة 1946 إلى سنة 1958 تميّز بتعافي الاقتصاد الفرنسي وانتعاش الصناعة فيها؛ إلا أن المشهد السياسي ظلّ مُتذبذبا من خلال تواصل التغييرات المتعدّدة على مُستوى تركيبة الحكومات وأيضًا عدم القدرة على أخذ قرارات حاسمة في المسائل الكبرى من جنس تفكيك المُستعمرات.

هذا الوضع دفع شارل ديغول، الجنرال والسياسي الفرنسي، لهندسة الجمهورية الخامسة التي كان من أبرز سماتها تغيير النّظام السياسي من النّظام البرلماني إلى نظام نصف رئاسي، واعتماد دستور 5 أكتوبر (تشرين الأوّل) 1958 الذي لا يزال ساريًا حتّى الآن.

فيديو يتحدّث عن جمهوريات فرنسا الخمس

من أهم الخلاصات التي قد نستخلصها من التجربة الفرنسية وجمهورياتها الخمس:

1- الوصول إلى نظام سياسي مُستقر قد يحتاج إلى محطّات تعديل وتغيير كثيرة، وقد يطول البحث عنه لسنوات.

2- خلال مسيرة البحث عن أمثل التصورات للحكم والحوكمة قد يشهد المسار انتكاسات تعيد الأوضاع إلى نُقطة الصفر.

3- تغيير النّظام السياسي يفرض نفسه إذا ما توافر أحد أو بعض الأسباب التالية :

  • الرغبة في الاستحواذ على الحكم.
  • تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وعجز المنظومة السياسية القائمة على حلها.
  • هشاشة الوضع السياسي وعدم القدرة على ضمان استقرار حكومي يعمل على قيادة البلاد ضمن رؤية واضحة المعالم.

4- تغيير النّظام السياسي يفتح الباب أمام فرضيات ثلاث:

  • الرّجوع على الأعقاب وإضاعة المكاسب.
  • البقاء على نفس الحال وبالتالي الحاجة إلى تغيير آخر.
  • الوصول إلى النّظام السياسي الأمثل المنشود.

مُقدّمات الجمهورية الثالثة في تونس

تحوّلت تونس، التي كانت في عهد الحماية الفرنسية تُدار وفق النّظام الملكي، إلى النّظام الجمهوري في 25يوليو (تموز) 1957 إثر قرار المجلس القومي التأسيسي بالإجماع إلغاء الملكية. وجاء إعلان الجمهورية بعد عام ونصف من إعلان الاستقلال رغم أن المجلس التأسيسي كان، بحكم تكليفه، منكبًا على إعداد دستور للبلاد في إطار الملكية الدستورية.

الحزب الحر الدستوري الجديد الذي كان أبرز مُكوّنات الحركة الوطنية وقتها استفاد من خروجه منتصرًا في معركة التحرر الوطني التي قادها، بالإضافة لاهتراء النظام الحسيني الذي خرج منهكًا بعد 75 عامًا من الاحتلال، ففاز بكل مقاعد المجلس القومي التأسيسي وسيطر على كامل مفاصل الحياة السياسية الناشئة.

الجمهورية التونسية الأولى، أفرزت دستور البلاد الأوّل الذي صودق عليه يوم 1 يونيو (حزيران) 1959 بعد إمضاء الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة عليه. تمّ تعليق العمل بهذا الدّستور في شهر مارس (آذار) 2011 عقب الثورة التونسية التي مضت في خيار انتخاب مجلس تأسيسي جديد يُكلّف بدستور جديد للبلاد.

ومع مُصادقة المجلس التأسيسي على الدستور الجديد، يوم 26 يناير (كانون الثاني) 2014، دخلت البلاد في عهد الجمهورية الثاني التي تبنت نظامًا سياسيًا اختلف الأكاديميون في توصيفه، لكنه أقر – من بين ما أقره – انتخاب مجلس لنواب الشعب يفرز الحكومة التي تملك أغلب الصلاحيات التنفيذية، وانتخاب رئيس للبلاد يسهر على احترام الدّستور وقائد أعلى للمؤسسة العسكرية وللعلاقات الخارجية بالتنسيق مع وزير الخارجية.

وبالنّظر لما كُتب أعلاه فيما يتعلّق بوضع البلاد سواء في جانبه السياسي أو الاجتماعي، ومع بداية تعالي الأصوات المُنادية بضرورة تعديل بعض المسائل التي أقرها دستور الجمهورية الثانية وأهمها النظام السياسي، يبدو أن تونس قد أخذت طريقها نحو الاستعداد لجمهورية ثالثة لم تبح بعد بملامحها.

وبين المخاوف من التفريط في مكاسب الثورة التي أعادت للشعب دوره المحوري في اختيار حكامه وضمنت حرياته العامة والفردية وفصلت بين السلطات من جهة، وبين الدّعوات التي تُؤكّد أن النّظام السياسي بات أحد مُعرقلات البناء في ظل الوضع التونسي الصعب، يتشكّل الإطار العام الذي سيحيط بهذه الطريق – طريق الجمهورية الثالثة – وهو الأمر الذي ينبأ بمسلك وعر سيحتاج مرونة كبيرة لتخطّيه بسلام.

جمهورية ثالثة تتوافر الشروط الموضوعية لولادتها، وقد تكون مفتاحًا لبروز نخبة سياسية جديدة تثور على الآسن من المفاهيم والممارسات والوعي، وتُعيد إطلاق مسيرة تونس، مهد الربيع، نحو دولة الرفاهية والقانون والمُواطنة الكاملة، كما يرى مُراقبون، وقد تُعيد بالمُقابل، معركة التنمية والحريات إلى خطّ البداية، كما يُحذّر من ذلك المُحترزون.

المصادر

تحميل المزيد