هل التعرُّض لصدمات نفسية نتيجة الصراعات العنيفة يجعل الناس أكثر تديُّنَا أم يقلبهم ضد الدين؟ للإجابة عن هذا السؤال، عكف فريق بقيادة جوزيف هينريش، رئيس قسم البيولوجيا التطورية البشرية في جامعة هارفارد، على تحليل مقابلات مع 1709 شخصًا من 71 قرية في ثلاث دول.

عانى هؤلاء الأشخاص من صراعات محلية طويلة ووحشية، لكنها لم تكن تدور في الأصل حول الاختلافات الدينية أو العرقية. هذه الحروب كانت: حرب سيراليون الأهلية (1991 – 2002)، تمرد جيش الرب للمقاومة في أوغندا (1986 – 2006)، الحرب الأهلية والعنف السياسي المستمر في طاجيكستان (1991 – 2002).

كان كل المشاركين في الدراسة من أوغندا ينتمون تقريبًا للطوائف المسيحية المختلفة، أما العينة الممثلة لسيراليون فكانت موزعة بين المسيحيين 36% والمسلمين 63%، وفي طاجيكستان كان معظم المشاركين من المسلمين 97%، وأغلبهم من السنة 87%.

الأكثر تضررًا من الحرب

أظهرت البيانات التي جُمِعَت في عامي 2010 و2011 أن الأشخاص الأكثر تضررًا من الحرب، كانوا أكثر ميلًا لسلوكين رئيسين، أولًا: الانضمام أو المشاركة في الجماعات الدينية، وثانيًا: ممارسة الشعائر الدينية.

عام

منذ سنة واحدة
«الجارديان»: نمو هذه الأديان سيفاجئك.. تعرف على نسب الأديان في العالم

كلما زاد تأثير الحرب على الفرد – مثل وفاة أو إصابة أو اختطاف أحد أفراد الأسرة – زاد احتمال تحوُّل هذا الشخص إلى الدين. على النقيض من ذلك كان الأشخاص الأقل تأثرًا بالحرب أقل ميلًا للانضمام إلى جماعة دينية.

وخلُصَ التحليل الإحصائي إلى أن زيادة التعرُّض لولايات الحرب تمخضت عن زيادة مُطَّرِدَة في احتمالية تحول الأفراد إلى الدين بنسبة 12% في سيراليون، و14% في أوغندا، و41% في طاجيكستان.

حتى بعد مرور سنوات، وجدت دراسة هنريش أن الممارسات الدينية استمرت في لعب دور مهم في حياة العديد من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، وحتى 13 عامًا من بعد انتهاء الصراع.

بين النظرية والدليل.. لماذا تزيد الحرب التديُّن؟

تقدم الدراسة فرضيتين مستمدتين من نظرية التطور الثقافي:

أولًا: تشير النظريات والأدلة إلى أن التهديدات الخارجية تجعل الناس أكثر امتثالا للقواعد الاجتماعية، بما في ذلك المعتقدات والممارسات الدينية. لكن هذه الفرضية ترتبط بالمجتمع أكثر من ارتباطها بالدين، وهو ما يقود إلى الفرضية التالية.

ثانيًا: يزدهر الخطاب الديني في أوقات الاضطرابات النفسية الناتجة عن انعدام اليقين والتهديدات الوجودية. وتشير الدلائل إلى أن الإيمان بإله والاعتقاد بوجود حياة بعد الموت تساعد الأفراد على مواجهة التهديدات وتحمل المعاناة واجتياز فترات عدم اليقين. لذلك ينجذب الناس إلى ممارسة الطقوس الدينية لمواجهة القلق والتخفيف من أثر التجارب المؤلمة.

نحو السلام.. دور القيادات الدينية بعدما تضع الصراعات أوزارها 

تتوافق نتائج دراسة هنريش مع ما خلُصَت إليه دراسة سابقة أجراها أستاذان في علم النفس هما: هونجفي دو من جامعة كوانزو، وبيليان تشي من جامعة ماكاو، في عام 2006.

بعد تحليل ردود 82 ألف و772 شخصًا من 57 دولة، شملها المسح العالمي للقيم 2010، وجدت الدراسة أيضًا أنه كلما زاد التعرض للحرب، زاد احتمال أن يصبح الناس أكثر تدينًا، وانضمامًا إلى مجموعات دينية، ومشاركة في الطقوس الدينية.

تفسير ذلك أن بيئة ما بعد الحرب، يمكن أن يبرز فيها الدين بمثابة حاجز نفسي ضد القلق بشأن النزاعات في المستقبل، ويمكن أيضًا أن يساعد الناس على بناء شعور قوي بالانتماء إلى جماعة.

يقول هونجفي دو: «هنا يبرز دور القيادات الدينية في ترسيخ القيم الوجدانية بدلًا عن الترويج لحلول عنيفة، وهو ما يمكن أن يكسر الدائرة الشريرة ويدفع المجتمع نحو صنع السلام، حسبما أظهرت أبحاث أخرى».

Embed from Getty Images

تأثير الميول الدينية في مجتمعات ما بعد الصراع

أظهرت دراسة سابقة أجراها هنريش أن الدين يقود الناس إلى أن يكونوا «أكثر ميلًا إلى العدالة الاجتماعية»، ويدفعهم أكثر للتضامن الاجتماعي والتعاون داخل إطار المجموعة.

لكن لوحظ أن هذا الدعم والتعاون والكرم يكون في الغالب ذو طبيعة فريدة؛ إذ تطبق هذه القيم، لكن من منظور ضيق، لا يشمل سوى الأشخاص الذين ينتمون إلى الجماعة أو القرية ذاتها، مع استبعاد الغرباء.

الجانب الإيجابي هو أن مثل هذا التعاون يمكن أن يؤدي إلى بناء الأمة، لكن الخطر يكمن في أن هذه التكتلات الضيقة يمكن أن تؤدي إلى ما يسميه هنريش «دائرة مغلقة من ردود الفعل السلبية».

في هذا السيناريو، يمكن لهذه الجماعات الدينية المتماسكة، في حالة وقوع هجوم، أو حتى إذا كانوا يخشون من وقوع هجوم وشيك، أن يحتشدوا لمحاربة الجماعات الأخرى، والدفاع عن معتقداتهم الدينية الخاصة.

هذه بالضبط هي الرسالة المختلطة التي تبعث بها الدراسة، فعلى الرغم من أن هذه المجموعات لم تشهد في البداية حربًا ذات مُكَوِّن ديني، إلا أنهم قد يمرون بـ«صحوة دينية» في أعقاب الصراعات العنيفة، يمكن أن تعزز شكلًا ضيقًا من التعاون، ويمكنها أيضًا «تحفيز حلقات مفرغة من الصراع العنيف».

العلاقة المعقدة بين الدين والصراع في الشرق الأوسط

يسيطر الدين على مجتمعات الشرق الأوسط منذ قرون، ويلعب دورًا هامًا في حياة الأفراد، مؤثرًا ليس فقط على واجباتهم وحقوقهم السياسية، بل أيضًا على فرصهم ومكانتهم الاجتماعية.

أظهر استطلاع سابق أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2013، شمل مقابلات وجهًا لوجه مع أكثر من 38 ألف شخص من 39 دولة، أن أغلبية ساحقة من المشاركين يدعمون تطبيق الشريعة الإسلامية، خاصة في البلدان التي تشهد أعنف الصراعات، وعلى رأسها: أفغانستان 99%، والعراق 91%، والأراضي الفلسطينية 89%، ومصر 74%.

وإجمالًا كانت نسبة دعم تطبيق الشريعة في دول الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، تبلغ 74%، فيما ترتفع النسبة إلى 84% في جنوب آسيا. وكان لافتًا أن دعم الشريعة لا يقتصر على البلدان ذات الأغلبية المسلمة، بل أيضًا في دول لا يتجاوز عدد مسلميها خمس السكان، مثل: الكاميرون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغانا، وكينيا، وليبيريا، وموزمبيق، وأوغندا 52% – 74%.

وارتفعت نسبة المصريين الذين ينظرون بإيجابية إلى دور الإسلام في السياسة من 2% فقط في عام 2010، إلى 25% في عام 2012، وفقًا لاستطلاع آخر نشر مركز بيو نتائجه في 8 مايو (أيار).

قد تعني المؤشرات أعلاه أن استجابة الناس في الشرق الأوسط تشبه استجابة نظرائهم في الدول الثلاث التي أوردتها الدراسة.

لكن المشهد طرأ عليه تغيير كبير في السنوات الأخيرة، وفقًا لمؤشرات أخرى، إذ خلُصَ استطلاع أجرته شبكة البارومتر العربي البحثية المستقلة إلى أن نسبة الذين يصفون أنفسهم بأنهم «غير متدينين» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفعت من 8% إلى 13%، منذ عام 2013 حتى إجرراء البحث في الفترة من أواخر عام 2018 حتى ربيع عام 2019.

منطقة الشرق

منذ 9 شهور
«نيويورك تايمز»: لماذا يتجه المزيد من المسلمين نحو العلمانية؟

وأظهر المسح، الذي شارك فيه أكثر من 25 ألفا من 11 دولة، أن الزيادة الكبرى في نسبة «غير المتدينين» كانت بين من هم دون سن الثلاثين 18%، وهي الشريحة الأكثر تأثرًا بـ«الربيع العربي».

خلال تلك الفترة لم يشذ عن هذه القاعدة، إلا اليمن، الذي انخفضت فيه نسبة «غير المتدينين» من 12% في عام 2013 قبيل اندلاع الحرب في البلاد إلى 5% في عام 2019.

وتربط الدراسة تراجع ظاهرة التدين في عدد من المجتمعات العربية بشكل عام، وتراجعها بين الشباب بشكل خاص، بعاملين بارزين. الأول: تراجع الثقة في القادة الدينيين في أغلب المجتمعات التي شملتها الدراسة بنسبة نحو 9%. والثاني: تراجع الثقة في الحركات الإسلامية، مثل: «الإخوان المسلمين»، و«حزب الله».

المصادر

تحميل المزيد